بعد عام من الحرب.. اقتصاد السودان يتجرع خسائر بأكثر من 200 مليار دولار

الخرطوم– مع استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، تتضاءل فرص إنقاذ الاقتصاد السوداني الذي وجهت إليه المواجهات العسكرية أكبر ضربة قوية.

وبفقدان معظم الأسر في السودان مصادر دخلها، والآثار الهائلة للحرب على سوق العمل والتجارة والزراعة والصناعة، أصبحت الدائرة تضيق أكثر فأكثر بالنسبة للسودانيين في الداخل والفارين داخليا واللاجئين.

يقول مسؤول في وزارة المالية السودانية -للجزيرة نت- إن نسبة إيرادات الدولة انخفضت بنسبة 85% مع مضي سنة كاملة من القتال، ويتوقع ارتفاع مؤشر الفقر في البلاد إلى أكثر من 90% بعد فقدان الموظفين والعمال وظائفهم، ومن ثم عدم حصولهم على رواتبهم.

ويلفت إلى أن الدولة تدفع نحو 60% من الرواتب لعدد من القطاعات، وأن بعضها توقف الدفع له منذ أشهر، بينها قطاعا التعليم والطب.

وحسب المسؤول، فإن الحكومة حاليا عاجزة عن دفع الرواتب بنسبة تصل إلى 50% بسبب تراجع الإيرادات.

من جهتها، تؤكد ندى علي حسن -وهي معلمة بالمرحلة الثانوية بمدينة أم درمان وعضو لجنة المعلمين السودانيين- أن المعلمين يواجهون ظروفا قاسية مع توقف صرف الرواتب.

وتقول للجزيرة نت إن صرف الرواتب توقف بعد تسلم المعلمين استحقاقات أبريل/نيسان ومايو/أيار ويونيو/حزيران 2023، من دون علاوات.

وتقول المعلمة إن أضرارا جسيمة لحقت بالمعلمين والمدارس، كما أن الوضع الأمني المتردي يصعّب فرص العمل البديل.

دمار ألف منشأة

في السياق، يؤكد مسؤول في وزارة التجارة السودانية -للجزيرة نت- توقف ما لا يقل عن ألف منشأة اقتصادية عن العمل منذ اندلاع الحرب، وجميعها تعمل في مجالات الصناعة والتجارة والغذاء والدواء بسبب تدميرها كليا أو جزئيا، حسب البلاغات التي قال إنها تصل الوزارة من أصحابها أو من خلال متابعات الوزارة والجهات ذات الصلة.

ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية عن حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب، فإن المسؤول في وزارة التجارة يؤكد أن مؤشر التقدير الأولي انتقل من 20 مليار دولار خلال الشهرين الأولين للحرب إلى أكثر من 200 مليار دولار حاليا.

ويقول المحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي، للجزيرة نت، إن الصادرات السودانية تراجعت بنحو 60% مع إغلاق مطار الخرطوم.

ويلفت إلى توقف العمل بمعظم الموانئ الجافة ونقاط التجارة الحدودية، مع اضطرابات سلاسل التوريد الناتجة عن الحرب، مما أدى إلى تراجع عائدات الصادرات من العملات الصعبة.

 

تراجع الموارد

وبشأن أهم الصادرات التي تعتمد عليها الدولة، وهي الذهب، يبين هيثم، تراجع إنتاجه من 18 طنا إلى طنين، مما أفقد عائدات صادرات الذهب التي تعادل 50% من الصادرات بقيمة ملياري دولار.

وتكبد القطاع المصرفي أكبر خسائر الحرب الاقتصادية، إذ تعرض 100 فرع من المصارف العاملة في السودان للنهب والسرقة والتدمير، بينما بلغت نسبة الأموال المنهوبة أكثر من 38% في مصارف العاصمة الخرطوم فقط، وفق المحلل نفسه.

ولم يسلم بنك السودان المركزي من عمليات التخريب -كما يقول هيثم- وهو ما جعله يُعانى نقصا حادا في السيولة.

وتآكلت قيمة العملة المحلية بنحو 56.15%، إذ هبط سعر صرف الجنيه أمام الدولار الواحد من 570 جنيها قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، إلى 1300 جنيه، وهو ما أدى إلى ارتفاع السلع والخدمات.

وأقر وزير المالية جبريل إبراهيم، في مؤتمر صحفي عقده بمدينة بورتسودان نهاية فبراير/شباط الماضي، بأن “التزامات الحرب العسكرية تزداد كل يوم وهي بالعملة الصعبة، وهذا جزء من إشكال سعر الصرف الذي تعيشه البلاد”.

من جانبه، يؤكد هيثم أن الكثير من البنوك بدأت تُعانى من مشكلة إدارة ديونها، بعد تعرض الشركات الكبرى التي اقترضت منها مبالغ كبيرة للتدمير والنهب، وهو ما جعل البنوك السودانية تواجه مشكلة في تحصيل هذه الديون.

خسائر

ويتفق المحلل الاقتصادي عبد العظيم المهل، في حديثه للجزيرة نت، مع الدراسات والتقديرات التي أشارت إلى تكبد السودان خسائر بأكثر من 100 مليار دولار مع إكمال سنة للحرب.

ويؤكد المهل أن خسائر البنى التحتية والمعلوماتية نحو 36 مليار دولار، وتكبد القطاع الزراعي بشقيه الحيواني والنباتي خسائر آنية وخسائر مستقبلية بلغت أكثر من 20 مليار دولار.

ويوضح أنه في حال فشل الموسم الشتوي وحصاد القمح والمحاصيل الشتوية الأخرى، فإن ذلك يعرض أكثر من 20 مليون سوداني للمجاعة، وأكمل: “بالتالي يكون الموسمان الصيفي والشتوي فشلا، وتقطعت طرق تسويق المنتجات الزراعية والنباتية”.

ويشير المهل إلى أن خسائر القطاع الصناعي بلغت نحو 15 مليار دولار، بينما كان القطاع المصرفي أكبر متضرر بعد إفقاره بنهب البنوك في ولايات الخرطوم والجزيرة ودارفور بشكل شبه كامل، كما تم نهب ذهب ودولارات المواطنين التي كانت مودعة لدى البنوك ولا تقل خسارة القطاع -وفقا للمحلل- عن 20 مليار دولار، بينما تقدر خسائر القطاع الصحي بنحو 13 مليار دولار.

وتوقع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية (أوتشا) في السودان، في بيان سابق، انكماش الاقتصاد بنسبة 12% “لأن الصراع أوقف الإنتاج ودمر رأس المال البشري وقدرات الدولة”.

ولفت المهل إلى تأثر قطاع التعليم، لكن التأثير الأكبر وقع على التعليم العالي، إذ توجد 36 جامعة حكومية وأكثر من 130 جامعة خاصة وكلية في الولايات المتأثرة بالحرب، وأن نحو 85% من هذه الجامعات نهبت بشكل شبه تام ولم يتبق إلا الجدران، وفق حديثه.

وتابع “لا تقل خسائر التعليم عن 16 مليار دولار للتعليم العام والعالي”.

ويجزم المهل بأن الخراب والخسائر لا يمكن إحصاؤها قبل وقف الحرب وعمل اللجان المتخصصة، ويعتقد أن التعويض بعد وقف الحرب يجب أن يكون وفقا للأولوية للقطاعات الحيوية، ثم القطاع الزراعي والصناعي والتعليم والصحة والمصرفي وغيرها.

تقديرات مليارية

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، قال وزير المالية الأسبق إبراهيم البدوي، عبر صفحته على موقع فيسبوك، إن قيمة الضرر في البنى التحتية في المناطق الثلاث الأكثر تضررا من الحرب، وهي الخرطوم ودارفور وكردفان، تبلغ قيمته 60 مليار دولار.

وتوقع أنه حال وقف الحرب أن يكون السودان في حاجة لدعم اقتصادي عاجل بين 5 و10 مليارات دولار لإنعاش الاقتصاد، مؤكدا أن استمرارها يؤدي إلى تدمير الاقتصاد والدولة السودانية.

من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي وائل فهمي صعوبة تقدير الخسائر الناجمة عن الحرب قبل وقفها، لتبقى الأرقام المتداولة تقديرية. لكنه يلفت إلى أنه كلما طالت الحرب زاد حجم الخسائر الناتجة عن التدمير للأصول البيئية والاقتصادية.

ويقول وائل للجزيرة نت إن التقديرات الراهنة بعد إكمال الحرب سنتها الأولى تشير إلى ارتفاع قيمة الأصول التي دمرتها الحرب وتجاوزها 500 مليار دولار وقد تصل إلى 700 مليار دولار، آخذين في الاعتبار التضخم العالمي، وتدهور القوة الشرائية للعملة المحلية، وهروب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية، وتراجع الاحتياطي الدولي النقدي للبلاد والمضاعف الاقتصادي لقطاع المصارف، التي فقدت أكثر من نصف قيمة موجوداتها بالمقارنة مع حجم الكتلة النقدية المتاحة، وما ترتب على ذلك من شلل للاقتصاد، فضلا عن تقدير حجم الناتج القومي المفقود.

وتشير نسب حجم التدمير للقيمة النقدية للأصول الإنتاجية بالقطاعات الحيوية إلى أن القطاع الصناعي تضرر بشكل قوي، بما يشمل بعض المصانع الحربية، بتدمير 75-80% من وحداته الإنتاجية، يليه قطاع الخدمات بنسبة 70-73%، فالقطاع الزراعي من 65-70%، خاصة أن هذه القطاعات جميعا تعتمد، في مدخلات إنتاجها، على الواردات التي أفيد بأنها تأثرت سلبيا بنسبة 70% وفق بعض المصادر السودانية ذات الصلة، حسب فهمي.

ورغم أن هذه التقديرات -وفقا للخبير- قد تحمل في طياتها قدرا من المبالغة إلى حين الوصول للأرقام الرسمية الحقيقية، فإن حجم تنامي الندرة في السلع والخدمات، أي تواصل الانكماش لقواعد الإنتاج الوطنية بسبب كل من الحرب والتضخم الجامح، وانعكاس ذلك الانكماش الكلي في انهيار إيرادات المالية العامة والصادرات والواردات يمكن أن يؤديا لأكثر مما ذكر من أرقام.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه