هبوط الجنيه المصري.. لا تعافي يلوح في الأفق

87

القاهرة- واصل سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الهبوط إلى مستويات قياسية في السوق الموازي، لكن بوتيرة أسرع خلال الأيام القليلة الماضية، مما أثار تساؤلات عن أسباب تدهور قيمته وتأثيرات ذلك على الاقتصاد والمستهلكين والتجار وعلى الأسعار. فكيف تبدو توقعات المحللين بشأن مستقبل الجنيه؟

لم تتلق العملة المحلية أي دفعة إيجابية من وجود بعثة الصندوق النقد الدولي في القاهرة لمناقشة المراجعة الأولى والثانية لبرنامج الإصلاح المصري المدعوم بتسهيل الصندوق الممدد والحصول على تمويل إضافي لتخفيف الضغوط المرتبطة بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عن مصر.

وتراجع الجنيه منذ بداية العام في السوق السوداء -السوق الفعلي للتعاملات اليومية- نحو 19%، وذكر متعاملون في السوق، للجزيرة نت، أن الدولار قفز من 53 جنيها إلى 63 جنيها في المتوسط، منتصف الأسبوع الجاري، مع زيادة الطلب على العملة الصعبة.

وأشاروا إلى أن الهبوط المتسارع للجنيه منذ بدء الحرب في قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي أثار قلق المتعاملين وخلق حالة من الاضطراب في الأسواق، حيث كان سعر صرف الدولار مقابل الجنيه نحو 38 جنيها.

لا تعافي للجنيه

يبدو سعر الدولار في السوق الموازي بعيدا جدا عن تقديرات الحكومة المصرية البالغة 33.45 جنيها خلال 2024، و35.5 جنيها في 2025، ثم 37.12 جنيها في 2026، و38.45 جنيها في 2027، على أن يصل إلى 39.61 جنيها في 2028، لكن هذه التقديرات تؤشر على أن لا تعافي للجنيه يلوح في الأفق.

وبذلك اتسعت الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي إلى 100% حيث يتداول الدولار الأميركي عند 63 جنيها في السوق السوداء مقابل 31 جنيها في البنوك المحلية من دون تغيير منذ مارس/آذار الماضي.

وهذا التراجع امتداد لمسلسل النزول الذي بدأ منذ تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 لتلبية شروط صندوق النقد الدولي.

فقد صعد الدولار من مستوى 8.8 جنيهات إلى مستوى 19 جنيها، ثم تراوح سعره ما بين 18 و15.6 جنيها في الفترة من 2017 وحتى فبراير/شباط 2022.

دورة الغلاء

هذا الهبوط السريع والحاد في قيمة الجنيه ترجمته الأسواق المصرية بنفس السرعة بارتفاع أسعار السلع بمختلف أنواعها وبنسبة أعلى من قيمة الهبوط، بسبب حالة الاضطراب الناجمة عن مثل هذه التحركات، وهو ما يشكل عبئا على المستهلكين والتجار.

وفي شرحه آثار تراجع قيمة الجنيه على الأسواق، يقول عضو شعبة المستوردين باتحاد الغرف التجارية المصرية أحمد شيحة إن “أي انخفاض في الجنيه وارتفاع في الدولار يرفع الأسعار، لأنه يزيد تكلفة المنتج، لأن غالبية مكونات الصناعة والإنتاج مستوردة من الخارج، وبالتالي يتم تحميل التكلفة على المستهلك النهائي”.

وأوضح في حديثه، للجزيرة نت، أن التجار والمستوردين يعانون -في المقابل- تراجع حركة البيع والشراء، ونقص المخزون من السلع والبضائع بسبب القيود المفروضة على الاستيراد على خلفية نقص العملة الأجنبية، في حين يلجأ بعض التجار إلى تعويض تراجع الأرباح والمبيعات بزيادة أسعار البضاعة.

وأعرب شيحة عن اعتقاده أن سعر صرف الدولار مقابل الجنيه مبالغ فيه، وهذا الوضع استثنائي نتيجة المضاربات في السوق على الدولار الذي تحول إلى تجارة وليس ورقة سداد نقدية لقيمة السلع، وبالتالي يبعث ذلك برسائل سلبية للمستثمرين الأجانب ويضر بفرص الاستثمار الحقيقي ويؤثر بالسلب على الاقتصاد المصري.

ديون مصر واحتياجاتها التمويلية

ارتفع الدين الخارجي لمصر إلى نحو 164.52 مليار دولار بنهاية سبتمبر/أيلول 2023، أي ما يعادل نحو 40% من الناتج المحلي للبلاد، و5 أمثال الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي البالغ 35.2 مليار دولار.

وتتوقع وزارة المالية المصرية ارتفاع عجز الموازنة العامة للدولة إلى 7.5% خلال العام المالي الحالي. وقفز العجز بالموازنة خلال أول 5 أشهر من العام المالي الجاري 92% إلى 5.51%، مقابل 3.37% خلال الفترة المقابلة من العام المالي الماضي.

وتقدر الحكومة المصرية حجم الفجوة التمويلية للعام المالي الحالي 2023-2024 ما بين 6 إلى 8 مليارات دولار، وأشار وزير المالية محمد معيط إلى أنه سيتم سدها بإصدار سندات دولية وتمويلات من بنوك بضمانات.

ويبلغ حجم احتياجات مصر التمويلية نحو 2.14 تريليون جنيه (69.26 مليار دولار) في موازنة 2023-2024 بارتفاع قدره نحو 27% مقارنة بالعام الماضي، وسيتم تمويلها عن طريق أذون الخزانة والسندات (اقتراض قصير الأجل).

اتسعت الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي إلى 100% حيث يتداول الدولار الأميركي عند 63 جنيها في السوق السوداء مقابل 31 جنيها في البنوك المحلية من دون تغيير منذ مارس/آذار الماضي.

ودفعت الضغوط الملحة والصعبة على الاقتصاد المصري “وكالة موديز للتصنيفات الائتمانية” إلى تغيير نظرتها المستقبلية لمصر من “مستقرة” إلى “سلبية” وتثبيت التصنيف الائتماني السيادي عند “سي إيه إيه 1” (Caa1).

وفي أول تعليق لها، أكدت وزارة المالية، في بيان، أن “الحكومة تعمل على إدارة مخاطر الاقتصاد الكلي، بمرونة لاحتواء الصدمات الخارجية المتتالية، والآثار السلبية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية المؤثرة على النشاط الاقتصادي”.

وقلل البيان من أثر النظرة السلبية للاقتصاد المصري وذكر أن “برنامج الطروحات يُعزز قدرة مصر على تلبية الاحتياجات التمويلية خلال العامين المقبلين، ويُسهم في جذب مزيد من التدفقات الاستثمارية، والحد من الاحتياج للتمويل الخارجي”.

تداعيات اقتصادية

من جهتها، أرجعت الخبيرة المصرفية والاقتصادية ونائبة رئيس بنك مصر سابقا، سهر الدماطي، التدهور في قيمة الجنيه إلى عدة أسباب، من بينها:

  • تراجع تحويلات المصريين بالخارج
  • انعكاس الحرب في غزة على إيرادات قناة السويس والسياحة، مما فتح الباب أمام المضاربة على العملة الصعبة.

وأضافت، في تصريحات للجزيرة نت، أن أزمة نقص العملة الناجمة عن نقص الإيرادات الدولارية وزيادة حجم الفجوة التمويلية وضعت الاقتصاد المصري تحت ضغط شديد ستتم ترجمته إلى تراجع النمو وخفض تصنيف مصر الائتماني من قبل كل مؤسسات التصنيف الائتماني، وهو ما أدى إلى خروجها مؤخرا من مؤشر “جيه بي مورغان” للسندات الحكومية للأسواق الناشئة، ومن ثم يؤثر على حجم الاستثمار الأجنبي.

ودعت الدماطي إلى استغلال البدائل المتاحة من أجل تخفيف الضغط على الجنيه وتقليل الطلب على الدولار وذلك عن طريق:

  • الاستفادة من عضويتها بمجموعة “بريكس” الاقتصادية والتبادل التجاري بالعملات المحلية لتلك الدول.
  • التوسع في اتفاقية مبادلة العملات المحلية مع الدول.
تراجع الجنيه المصري ينذر بارتفاع أسعار السلع والخدمات (الجزيرة)

مستقبل الجنيه

بشأن مستقبل الجنيه أمام العملات الأجنبية، توقع الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال المصري الأميركي محمد رزق أن “يشهد الجنيه مزيدا من التراجع خلال العام المالي الحالي، الذي وصفته الحكومة بأنه الأصعب”.

وقال للجزيرة نت “في ظل حالة الضبابية قد يمتد العام إلى عامين و3 أعوام، وربما حتى 2030 للخروج من عنق الزجاجة، حسب تصريحات رئيس الوزراء نفسه”.

وأكد رزق أن فرص مضاعفة قرض صندوق النقد الدولي لمصر لن يكون حلا أبديا ولا جوهريا، وسينتهي مفعوله بإنفاق القرض على بنود يصعب حصرها، على رأسها فوائد وأقساط الدين والعجز.

وتكمن الأزمة الاقتصادية -حسب رزق- في الإفراط في الاقتراض وزيادة حجم الاستدانة عن حجم الإنتاج (التصدير) والتوسع في مشروعات البنية التحتية، وهي ليست أزمة وليدة اليوم، بل هي أزمة مركبة بدأت قبل أكثر من 10 سنوات وكان لابد لكرة الثلج أن تكبر بسبب سلسلة السياسات النقدية والمالية الخاطئة، وفق تعبيره.

وتذهب نحو 70% من ديون مصر إلى المشروعات التنموية الخدمية، وفقا لتصريحات رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري فخري الفقي، لافتا إلى أن دخل مصر من العملة الصعبة 10 مليارات دولار سنويا.

وأوضح الفقي، في تصريحات متلفزة، أن ديون مصر بلغت نحو 29 مليار دولار خلال العام المالي الحالي 2023-2024.

اقرأ المقال من المصدر