هل تنجح مصر في تصنيع السيارات محليا؟

القاهرة- جاءت موافقة مجلس النواب المصري المبدئية على مشروع قانون إنشاء المجلس الأعلى لصناعة السيارات يوم الاثنين الماضي، لتثير مشاعر متباينة لدى المصريين، وتجدد حلما قديما يصل عمره إلى نحو 70 عاما بشأن صناعة سيارة مصرية خالصة.

يأمل المصريون أن يكون القانون -الذي ينص أيضا على إنشاء صندوق لتمويل صناعة السيارات الصديقة للبيئة وأقرّه مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي- خطوة لتحول مصر إلى مركز إقليمى لصناعة السيارات، وإعادة حلم السيارة المصرية الذي توارى لسنوات وفشلت محاولات حكومية عدة لإحيائه.

ورغم التفاؤل، لا يفرط المصريون في الأمل؛ فكثير من المبادرات والإستراتيجيات التي بشّرت ببداية عهد صناعة السيارات الوطنية لم يكتب لها النجاح، كما أن بعض النواب أبدوا تحفظات واعتراضات على القانون الجديد أثناء مناقشته، كان أبرزها وجود معوقات في التنفيذ قد تمنع توطين صناعة السيارات في مصر.

ومن السيارة “رمسيس” إلى سيارات “نصر” وصولا إلى السيارات الكهربائية، مرّت صناعة السيارات في مصر وحلم السيارة المصرية بمحطات عدة، نستعرضها في الفقرات الآتية.

صناعة السيارات في مصر.. البداية أميركية

انتشرت السيارات في مصر في وقت مبكّر من القرن العشرين، وكانت البلاد تستورد احتياجاتها من وسائل النقل والجرارات الزراعية وقطع الغيار اللازمة من الخارج.

وفي عام 1926، افتتحت شركة فورد الأميركية للسيارات توكيلا كبيرا لها في مدينة الإسكندرية، لتوزيع منتجاتها وصيانة السيارات، وكان التوكيل يخدم 23 بلدا في منطقة الشرق الأوسط.

وكانت البداية الأولى لصناعة السيارات في مصر عام 1936 عبر شركة جنرال موتورز الأميركية (أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم في ذلك الوقت)، حيث أنشأت أول مصنع لتجميع سيارات النقل في الإسكندرية، وكانت تقوم باستيراد أجزاء السيارة من الشركة الأم وتجميعها.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 وتوقف الاستيراد، اتجه بعض رجال الأعمال المصريين إلى إقامة مصانع لإنتاج بعض مكونات قطع غيار السيارات.

وفي بداية الخمسينيات، أنشأت شركة فورد مصنعا لتجميع السيارات في الإسكندرية بطاقة تبلغ 12 سيارة يوميا. ومنذ عام 1954 وحتى عام 1959، اقتصر نشاط المصنع على تجميع الشاحنات (اللواري) والجرارات الزراعية وتوزيعها داخل مصر وخارجها في منطقـة الشرق الأوسط.

وفي عام 1960، اتسع نشاط الشركة ليشمل تجميع سيارات الركوب من ماركات أنجليا وكونسول الإنجليزية وتاونس الألمانية الغربية، قبل أن يتوقف نشاط الشركة في نهاية عام 1964 بسبب تقييد الاستيراد وارتفاع الرسوم الجمركية وصعوبة توفير النقد الأجنبي.

سيارة رمسيس.. الحلم الأول

“رمسيس أول سيارة مصرية الصنع”، هكذا رددت الدعاية الرسمية في ستينيات القرن الماضي، التي قدمت رمسيس على أنها أول سيارة محلية الصنع في الوطن العربي، في إطار مشروع الرئيس جمال عبد الناصر للتصنيع المحلي تحت شعار “من الإبرة للصاروخ”.

بدأ المشروع عام 1958، عندما تقدم المصريان جورج حاوي وعصام الدين أبو العلا لوزارة الصناعة للحصول على ترخيص مشروع صناعة سيارة صغيرة، أطلقا عليها اسم “رمسيس”.

كانت السيارة في الأصل هي السيارة البريطانية “فريسكي”، لكن بجسم من الصوف الزجاجي المصنوع محليا من مكونات إيطالية، وفقا لتصريحات المهندس عادل جزارين الرئيس الأسبق لشركة النصر للسيارات الذي شارك في اختبار السيارة وإبلاغ أصحاب المشروع بالملاحظات والتعديلات المطلوبة.

بدأت الاستعدادات للمشروع بمحاولات التعاقد مع شركة فريسكي على توفير مكونات 10 آلاف سيارة، لكن الاتفاق لم يتم، ليتجه أصحاب المشروع إلى ألمانيا الغربية، والسيارة “برينز”.

مصرية أم ألمانية؟

أسس حاوي وأبو العلا شركة السيارات المصرية بالتعاون مع شركة “إن إس يو” (NSU) الألمانية الغربية، وبدأ تجميع السيارة المعدلة في يوليو/تموز 1959، وتعاقدت الشركة الوليدة على توريد أول 100 سيارة للهيئة العامة للتصنيع بسعر 120 جنيها للسيارة الواحدة.

ومن مصنعها القريب من الأهرامات، استقبل السوق المصري الطراز الأول من السيارة عام 1960، وكان يعرف باسم “رمسيس يوتيليكا”، وكانت عبارة عن نسخة من السيارة الألمانية “برينز 1” (Prinz 1)، ثم توالت الطرز الأخرى مثل “رمسيس 2″، وهي نسخة من السيارة الألمانية “برينز 4″، وطراز “جميلة”، ولم تلق الأخيرة رواجا.

وكانت أغلب مكونات السيارة يتم استيرادها من الخارج، بما في ذلك المحرك، ولا يتعدى المكون المحلي فيها 30%، وكان الهيكل الخارجي للسيارة يصنع في مصر بطريقة شبه يدوية.

واختلفت المصادر حول حجم الإنتاج اليومي بين سيارتين فقط إلى 10 سيارات على الأكثر، وتذكر بعض المصادر أنه خلال الفترة بين 1959 و1963، أنتجت الشركة 1130 سيارة.

وبعد عامين فقط من انطلاق المشروع، وتحديدا في يوليو/تموز 1961، قامت الحكومة بتأميم الشركة ودمجها في الشركة المصرية لصناعة وسائل النقل الخفيف. ورغم استمرار إنتاج السيارة رمسيس بأعداد قليلة، فإنها بدأت تتراجع أكثر لصالح الوافد الجديد “نصر”، حتى توقف إنتاج رمسيس تماما عام 1972.

شركة “نصر”

في مطلع الستينيات، بدأت شركة النصر لصناعة السيارات -المملوكة للحكومة- نشاطها في تجميع وصناعة بعض مكونات الشاحنات والحافلات والجرارات الزراعية وسيارات الركوب والمقطورات والموتورات.

بدأت الشركة نشاطها بإنتاج الشاحنات الحربية والمدنية وحافلات الركاب عام 1959، بناء على الترخيص الذي حصلت عليه من شركة “دويتز” (Deutz) الألمانية الغربية.

في الفترة ذاتها، اتجهت النصر لصناعة سيارات الركوب، وتعاقدت مع شركة السيارات الإيطالية فيات (FIAT) لتجميع عدد من طرزها في مصر، مع وضع علامة “نصر” عليها، وكان أول إنتاجها طرازي فيات 1100 و1300 عام 1962 تحت اسم نصر 1100 ونصر 1300.

انقسم الاتفاق إلى مرحلتين: الأولى للتجميع ومدتها 4 سنوات، والثانية للتصنيع المحلي للأجزاء المختلفة لمدة 4 سنوات أخرى، على أن يتم التصنيع الكامل للسيارة عام 1969. ولم تستطع شركة النصر تحقيق ذلك.

ويرجع الخبراء عدم قدرة الشركة على تحقيق الإنتاج المحلي الكامل إلى مشاكل النقد الأجنبي، وعدم وجود صناعات مغذية متطورة بالشكل الكافي للمساعدة في عملية الإنتاج، فضلا عن الاندفاع الحماسي للمسؤولين ورغبتهم في الوصول إلى تصنيع محلي كامل في مدة قصيرة دون دراسة كافية.

وحتى عام 1976، كان المكون المحلي في تصنيع الطراز نصر 128 بنسبة 20% تقريبا، ويرتفع إلى 30% تقريبا بالنسبة لطراز نصر 125.

انتشار وتراجع

استمر التعاون بين النصر وفيات لنحو نصف قرن، أنتجت فيها الشركة المصرية طرز عدد من سيارات الشركة الإيطالية إلى جانب طرز شركات أخرى بولندية وصربية وتركية.

ومنذ بداية التسعينيات، بدأ مصير رمسيس يلاحق نصر، وبشكل خاص بعد انتهاج سياسة الخصخصة، وإنشاء شركات عالمية مصانع لها في مصر لإنتاج وتجميع السيارات، قدمت طرزا حديثة منافسة، لتتراجع النصر حتى أن نسبة استغلال الطاقة المتاحة في مصانعها تراجعت من 46% عام 1990 إلى 26% عام 1994.

وبحلول عام 2009، تمت تصفية الشركة بسبب تراكم مديونياتها. وفيما بدا أن الحلم قد انتهى، عادت الشركة إلى العمل بقرار مجلس الشورى في مارس/آذار 2013.

حلم السيارة المصرية مستمر

في عام 2016، أعلنت الحكومة المصرية لأول مرة عن إعداد إستراتيجية لتنمية صناعة السيارات بهدف توطين هذه الصناعة محليا، لكن دون اتخاذ خطوات عملية في هذا الصدد.

وعاد اسم شركة النصر يتردد مع إعلان مصر في يونيو/حزيران 2020 عن توقيع اتفاق لإنتاج أول سيارة كهربائية محلية الصنع، تحمل اسم “نصر E70″، تنتجها الشركة المصرية بالتعاون مع شركة دونغ فينغ الصينية باستثمارات تبلغ ملياري جنيه.

وبحسب التصريحات الرسمية وقتها، تصل طاقة الإنتاج القصوى إلى نحو 50 ألف سيارة سنويا، فيما تصل نسبة المكون المحلي إلى نحو 58% خلال المرحلة الأولى من التصنيع، على أن ترتفع على مدى سنوات التنفيذ.

وبعد عام، أعلن وزير قطاع الأعمال هشام توفيق أن أول إنتاج للسيارة “نصر E70” سيكون في يوليو/تموز 2022، لكن قبل نهاية عام 2021 أُعلن إلغاء الاتفاق مع الشريك الصيني.

وفي مايو/أيار 2022، أشار الوزير المصري إلى أن تصنيع السيارات الكهربائية سيتم خارج شركة النصر للسيارات، قبل أن يتم الإعلان في أغسطس/آب الماضي عن دمج الشركة الهندسية لصناعة السيارات مع شركة النصر، لإنشاء كيان متخصص في إنتاج وتصنيع السيارات الكهربائية.

وفي يونيو/حزيران 2022، أعادت مصر إطلاق إستراتيجية تنمية صناعة السيارات، لكن دون خطوات عملية، حتى جاء إقرار مشروع القانون الجديد، لينتظر المصريون ما سيسفر عنه التطبيق على أرض الواقع.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه