الاغتراب والهوية واللجوء في رواية “خزامى” العراقية

109

تناقش رواية “خزامى” للكاتب العراقي سنان أنطون الصادرة عن منشورات الجمل 2023 مسألة الهوية الإنسانية وما يدور حولها من صراعات ذاتية واجتماعية، ومدى ارتباط الذات بالمكان والجذور، أو المقدرة على الانفكاك عنهما.

وتدور أحداث الرواية حول شخصيتين عراقيتين تمضي كل واحدة في اتجاه مختلف، فسامي يحاول استرجاع ذاكرته مع الأشياء، والحفاظ على ما تبقى من مواقف تربطه بالمكان والجذور بعد أن وجد نفسه يعيش مهاجرا في أميركا هاربا من الحرب، وقد أصابه أحد أنواع الخرف العقلي، فتتساقط من ذاكرته حياته التي عاشها ومواقفه وذكرياته.

أما عمر فعلى النقيض تماما، يهاجر إلى أميركا هربا من هويته ومن الذكريات المؤلمة والظلم الذي تعرض له إبان عهد الرئيس العراقي صدام حسين من خلال صلم أذنه من قبل الجيش العراقي لهروبه من خدمة التجنيد.

وعلى الرغم من افتراق الشخصيتين طوال السرد فإن النهاية تحمل مفاجأة درامية تجمعهما.

يرد في الرواية “المفردات والمصطلحات هي كمادات تتنوع أحجامها وأشكالها، توضع على الصمت، بعده أو قبله بقليل، لكي تخفي الجرح وتطمس القبح، حادث، موضوع، حادثة، سالفة، قصة، كلها مفردات تقال كي لا تقال الحقيقة، ببشاعتها، الحقيقة التي لا يغطيها ولا يمكن أن يغطيها شيء لا تقال، لكنها تُرى، أذن مذبوحة، لم تبق منها إلا زوائد”.

وتفرد “خزامى” مساحتها على مدار 256 صفحة من القطع المتوسط، للبحث في تركيبة المجتمع العراقي وتركيبة الإنسان العراقي المهاجر من خلال تناول الوقائع خلال عصر صدام حسين، وكذلك خلال الاحتلال الأميركي للعراق وما تلته من تناقضات تخص الهوية الإنسانية، وعلاقة الإنسان بالأرض، وهي الرواية الخامسة في تاريخ الكاتب.

هروب

يقول سنان أنطون للجزيرة نت “إن اللجوء من مكان إلى آخر ومن بلاد إلى بلاد في معظم الأحيان هروب من واقع صعب أو مؤلم وحتى خطر إلى “شاطئ”، حرفيا ومجازيا، يُفترض أنه أكثر أمانا وأرض أكثر رحابة، ونحن نعيش في زمن يموت فيه العشرات يوميا وهم يحاولون الهجرة والهرب من حروب وطغاة وفقر”.

ويتابع أنطون “الكتابة سفر، لكنه خيالي واختياري، إلى أماكن وشخوص وأزمنة، لكنها سفرة غير محفوفة بمخاطر على حياة المرء، ولا يضطر فيها للتأقلم على حياة جديدة، ولا يدفع فيها الكاتب ضريبة أو يخاطر بحياته، فالموت هنا مجازي (ملل القراء أو العجز عن الكتابة أو الملل)”.

الزمن

وإذ تتغير معالم الحدث الروائي المستقى من الواقع ويتباين شكله وتفاصيله لكن يبقى جوهره، وهو الخيط الذي يمسك به الكاتب ليصل من خلال البحث والذاكرة إلى الأصل، لكنه يتتبع حواسه ومشاعره وأفكاره حول الحدث ليقدمه وفق رؤيته الخاصة، وهو ما يخضع بالفعل لعامل الزمن، بحيث تبدو طريقة الصياغة وتفاصيل البناء خاضعة للزمن الأحدث.

ويخبرنا أنطون أنه أمضى 6 سنوات في صياغة رواية خزامى، وقد أضاف الكثير من التفاصيل وحذف بعضها.

ويفيدنا بأن “جزءا كبيرا من أحداث الرواية ومصير إحدى الشخصيتين يدور بعد 2003 ومآلات الغزو والاحتلال ويتأثر بها”.

ويقول “هناك أسئلة وهواجس لم تكن مطروحة عام 2003، وواحدة من ثيمات الرواية هي أساسا جدالات ما قبل وبعد 2003 وفقدان الذاكرة، الفردية والجمعية”.

تداخل ثقافي

تبدو صورة شخصيتي رواية خزامى وكأنه لا يمكن رسمها دون تخيل التداخل الثقافي الاجتماعي المرتبط بكلتيهما، فلكل شخصية جذورها الاجتماعية التي شاركت في تشكيلها، وتقديمها على النحو الوارد في العمل، لكن تبقى هذه التداخلات غير مظللة، تبرز أحيانا في السرد ثم تختفي.

ويرى سنان أنطون أن “الثقافة الجمعية ليست كتلة متجانسة بالضرورة، فهناك تيارات ونزاعات، وهناك ثقافة سائدة وثقافات مهمشة ومنبوذة”.

ويضيف “الثقافة مقولة يصعب تعريفها أساسا بشكل محكم ومحدد، لكن الفرد يتفاعل منذ لحظة الولادة مع المحيط الثقافي، وتضعه الظروف الاجتماعية والاقتصادية في موقع ما إزاء الثقافات، العلاقة جدلية وعلاقة صراع أو خضوع، بوعي وبدونه”.

تخييل

وتبدو مساحة التخييل في “خزامى” متداخلة مع الأحداث المرتبطة بالعمل، والتي تلت الغزو الأميركي للعراق وما يسبقه من ممارسات في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين، فكانت الأحداث الواقعية منطلقا اعتمد عليها الكاتب من أجل تحفيز خياله الروائي وتقديم السرد بشكل “سوبر إنساني”.

يقول أنطون “الأحداث الرئيسية والمفصلية في خزامى واقعية، لكن التخييل عامل مهم دائما في الكتابة، لا يمكنني أن أحدد بالتفصيل”.

ويكمل “أحيانا أنسى أن هناك أمورا تخيلتها، وحتى الشخصيات المتخيلة لكنها مستوحاة من الواقع تصبح حقيقية بعد أن أعيش معها لسنوات”.

تحولات الهوية

وفي عصر هيمنت فيه التكنولوجيا على زمام الأمور وتحول العالم فيه إلى الرقمية أصبحت الهوية الإنسانية التي يحاول الكاتب طرحها في “خزامى” مثار جدل، وأضحت بحاجة لتعريفات جديدة ربما.

يرى أنطون أنه “ليس هناك هوية إنسانية واحدة، ولم تكن هناك في يوم ما هوية إنسانية واحدة، هناك أيديولوجيات وخطابات وفلسفات تتمحور حول ذات ما وهوية إنسانية واحدة، لكنها كانت في جوهرها إقصائية، لأن الذات التي كان يفترض أنها كونية كانت في الواقع ذكرا أوروبيا من عرق وطبقة معينين ينظر إلى العالم والبشر نظرة استعلائية وعنصرية أقصت وأنتجت الآخر الذي أُسقطت عليه معانٍ سلبية”.

ويتابع الكاتب العراقي “نحن في عصر السيولة والفوضى والتفتت، التكنولوجيا والمنصات الافتراضية سلاح ذو حدين، فهي تسمح للبشر بالتواصل والتحشيد، خطابيا وفعليا، وتنظيم أنفسهم ومحاولة تغيير واقعهم، لكنها أيضا أدوات يمكن أن تخترقها السلطات والأنظمة للسيطرة والمراقبة والقمع”.

ويكمل “كل تكنولوجيا تظهر بوعد تغيير العالم وجعله مكانا أفضل، لكن في عصر الرأسمالية المتأخرة هذا تجيّر هذه التكنولوجيا للربح ومراكمة رأس المال، وتويتر الذي اشتراه ماسك خير مثال”.

جراءة الألفاظ

وتبقى إشكالية اللفظ الجريء في الرواية العربية مثار جدل بين الأوساط الثقافية، والذي يراه الكاتب سنان أنطون من منظوره أنه غير موجود في عُرف الرواية، فيقول “هناك ألفاظ نسمعها كل يوم ويستخدمها الناس في حواراتهم، الروايات والنصوص الأدبية هي للبالغين، وهي عن العالم الحقيقي الذي نعيش فيه وليست عن عالم متخيل أو يوتوبيا للمحافظين تمارس فيها رقابة ذاتية تزيل وتسقط كل ما يمكن أن يزعج أو يفاجئ القارئ”.

ويكمل “إن الحديث عن خدش الحياء أصبح أكثر إشكالية في العقود الأخيرة، هناك تجهيل وجهل بتاريخ الأدب العربي، يكفي أن يطلع المرء على عينات من الأدب العربي من أقدم العصور، ليدرك أن المعايير التي يستخدمها البعض هذه الأيام للحكم على أخلاقية نص أدبي معايير غريبة، والمفارقة لا علاقة لها بالتاريخ الثقافي المحلي”.

الصور

وتبقى الصورة في الرواية الحديثة من أهم الركائز التي يعتمد عليها الكاتب من خلال ابتكار المشهدية المؤثرة التي تصنع الفارق مع القراء.

بدوره، يرى الناقد اللبناني فوزي ذبيان أن “الصورة المركزية التي أراد أنطون توظيفها في ذهن المتلقي في عمله الأخير “خزامى” هي استبدال الأمكنة المتهالكة بالكلمات”.

ويقول ذبيان “إن الكلمات قد تعوض فقدان الانتماء إلى حيز جغرافي بعينه لدى تحول هذا الحيز إلى مقبرة تفور بالجثث من كل حدب وصوب، قد لا تستجيب الكلمات لهذا المرتجى إنما هي كما صيغت في “خزامى” قد تكون المآل الأخير وقد انتفت كل الآمال التي تنحو بالإنسان للبقاء فوق هذه البسيطة”.

رسائل

وعن رسائل السرد في رواية “خزامى” يرى الناقد ذبيان أن “السرد في هذا العمل يقوم على المباشرة إلى حد كبير، لا يبتغي أي من أشخاص الرواية إلهاء المتلقي بالغموض والمواربة حيال دواخلهم، فإيصال الرسائل في هذا العمل لا يقوم على المواربة والتحايل وإيهام القارئ بما يخالف الثيمة الأساسية”.

ويكمل ذبيان “كلنا مشردون في هذا العالم، إن الفجيعة بشكل عام تستدعي المباشرة في هذا العالم السريع، فالتواري والظهور والعتمة والوضوح في حضرة الفجيعة سيان، وهل من فجيعة أكثر من فجيعة فقدان المرء لذاته، وهو ما يشكل عمق شخصيات العمل موضوع هذه الأسئلة؟!”.

الأسلوب السردي

أما في ما يتعلق بطريقة الطرح فيرى ذبيان أن “التقنية التي ترسم معالم “خزامى” تتعلق بالمضمون أكثر منه بالشكل، ويقول “من النافل أن المتلقي قد يباغت المؤلف أثناء قراءته للعمل كما يعلمنا تاريخ التلقي، وهو “تكنيك” يقوم على طرح الأسئلة الكبرى حول الوطن والنسيان والذاكرة والانتماء والموت والذوبان أو السيلان”.

ويكمل ذبيان “ما يميز هذا الطرح أنه تم بطريقة مباشرة دون إرهاق القارئ بلغة شعرية أو تنظيرية أو بدفع يتوسل الفلسفة على سبيل المثال، فالتكنيك هنا هو جملة الأسئلة التي يقوم عليها هذا العمل، أي أن العملية السردية هي رهن هذه الأسئلة من جهة تشكل هذه العملية وتطورها مع تقليب الصفحات”.

ويكمل الناقد متحدثا عن شخصية الرواية قائلا “حتى رغبته الظاهرة في الحصول على الجنسية الأميركية هي في بعض وجوهها رغبة عارمة باللاانتماء، فالعراق لم يعد وطنا، وأميركا بدورها لن تكون الوطن البديل، وربما تلك المجاهرة الكاذبة بالانتماء إلى وطن ثالث هي تجسيد لهذه الرغبة باللاانتماء”.

ويختم “لا أرى بأسا باستنطاق الأدب ربما بما يتجاوز قصد كاتبه، فها هنا تكمن متعة القراءة بالدرجة الأولى”.

اقرأ المقال من المصدر