الحزن على المستوطنين الراحلين أم الفرح لمن استرد الأرض؟ اعترافات المستعمر الفرنسي في “مهاجمة الأرض والشمس”

بروايته “مهاجمة الأرض والشمس” الفائزة مؤخرا بجائزة لوموند الأدبية لعام 2022، يكون الروائي الفرنسي المقيم في إيطاليا ماثيو بليزي أضاف حلقة جديدة، غير منتظرة واستثنائية أيضا، إلى ما اتفق النقد الفرنسي على تسميته “ثلاثية الجزائر”، وهو عمل ضمّ 3 روايات لاقت ترحيبا نقديا وجماهيريا معتبرا، بداية بروايته “كانت أرضنا” التي صدرت عن دار النشر الفرنسية الشهيرة ألبين ميشال، ونهاية بروايته “خطوة خاطئة في حياة إيما بيكار” الصادرة عام 2015 عن دار فلاماريون، مرورا بعمله الموسوم “المجانين المُسنّون” عن دار النشر نفسها.

يعدّ بليزي واحدا من أكثر الروائيين الفرنسيين الشغوفين بالمغامرة، ليس على مستوى المواضيع التي تثيرها أعماله فحسب، بل أيضا على مستوى القناعات الفكرية والأدبية والشخصية.

عرف بشغفه الكبير بالسفر، فمنذ مغادرته مدينة ليموج الفرنسية (مسقط رأسه) عام 1953، أقام في دول كثيرة كالولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك ونيبال والجزر اليونانية والإيطالية، ليستقر منذ عام 1999 بإيطاليا متفرغا للكتابة، حيث نشر باسمه الحقيقي 3 أعمال، وعملا وحيدا باسم “آن ماري” ليستقر في النهاية على اسمه الأدبي الذي نال به شهرته، ماثيو بليزي.

رواية “مهاجمة الأرض والشمس” لماثيو بليزي فازت بجائزة لوموند الأدبية لعام 2022 (مواقع التواصل)

مستوطنون وجنود

في هذا العمل، فاجأ بليزي قراءه بأسلوب كتابة لم يعتمده سابقا في أعماله الأخرى، جمع بين التكثيف اللغوي والخروج عن النمطية السردية، عبر اعتماده مستويات مختلفة من اللغة، سواء عند الانتقال في السرد من راو إلى آخر أو عند قطع النص بحوار ما، في محاولة جريئة لمساءلة التاريخ عبر حوارية مشهدية كُتبت بشاعرية صادمة تغرف من المأساة.

أبطال الرواية مستوطنون وجنود فرنسيون، قطعوا البحر إلى أرضٍ صُوّرت لهم على أنها جنة بلا صاحب، بحثا عن حياة أقلّ لؤمًا من تلك التي احتضنتهم في فرنسا موطنهم الأصلي، وجنود شاركوا في استعمار وطن وهم يعتقدون أنهم يحملون معهم رسالة الحضارة إلى أمة همجية، ليدركوا -بمجرد انخراطهم في حرب لا عدالة فيها- أنهم يحملون كل شيء إلا الحضارة.

وكأن الروائي ماثيو بليزي، بجمله المختلفة وعباراته المحبوكة ببراعة، يحاول تقديم تفسير سردي أقل فلسفة وأكثر واقعية للاقتباس الذي وظفه في بداية روايته لكلود ليفي ستروس “حضارة رائعة ومفرطة في الإثارة تقلق دائما صمت البحار”.

“مهاجمة الأرض والشمس”

لكنّ الرواية، على خلاف الاقتباس، لا تُظهر من خلال أحداثها أي حضارة رائعة، فالأمة الفرنسية -التي قدّمها بليزي عبر مجموعة من المستوطنين، الحالمين بامتلاك أرض ليست لهم، والجنود الفرنسيين المتجردين من أي إنسانية- ليست تلك التي نقرأ عنها في الكتب، بل لا تعدو أن تكون إلا أمة استعمارية استيطانية لم تتمكن يوما من تبرير دمويتها، ولعل عبقرية رواية “مهاجمة الأرض والشمس” تظهر في هذه النقطة بالذات، فقد تمكن من كتابة نص قلق، مفجع، مؤلم تتخلله أحداث فظيعة للغاية، إلى حد أن القارئ يشعر بالانزعاج أحيانا من قدرة الكاتب على البقاء بعيدا عن الأحداث، مفضلا تقديم شهادة من طرف واحد وعلى لسان واحد، لكنها شهادة لا تبرؤه، بقدر ما تدينه.

اختار بليزي صوتين لتمثيل هذا الشاهد: صوت سيرافين التي تأتي إلى الجزائر مع عائلتها من فرنسا بإلحاح من زوجها، بحثا عن موطن جديد وحياة أخرى وعدتهم بهما الجمهورية الفرنسية، وصوت جندي دموي تخلى عن إنسانيته وروحه بمجرد أن صدق أن من يقوم بقتلهم أو اغتصابهم ليسوا بشرا حقيقيين حتى يشعر تجاههم بأي شيء، وأن ما يقوم به من أعمال إعدام وإبادة هي أعمال تتطلبها الغاية النبيلة المتمثلة في تمكين شعب من البرابرة من الحضارة.

وهذا الانفصام العقلي الصارخ، وجد مبرره في الوهم الجمعي الذي عادة ما تستغله الأنظمة الكولونيالية (الاستعمارية)، أحسن التعبير عنه بليزي على لسان ضابط الجيش الذي استقبل المستوطنين بخطاب حماسيّ فاضح “صحيح أننا لسنا ملائكة، لكن، هل نحتاج فعلا إلى ملائكة من أجل تهدئة هذه الأراضي الهمجية؟”.

المستوطنون الـ500

ومع أن بليزي حاول تقديم مجتمع المستوطنة الصغير، الذي يتألف من 500 شخص، على أنهم مجرد بائسين لم تحملهم إلا الظروف القاسية في فرنسا القرن الـ19 للرحيل إلى الجزائر بغاية استيطانها، ساردا مشاهد مؤلمة من المعاناة التي تكبدوها في رحلتهم أو في أثناء قيامهم بأعمال البناء والتصليح، إلا أنه لم يستطع فصلهم عن الأحداث التي كان أبطالها جنود ارتكبوا أشنع الجرائم في سبيل تهيئة الظروف لهؤلاء المستوطنين.

صحيح أن المستوطنين الـ500 لم يشاركوا في تلك الجرائم بأنفسهم، لكنهم كانوا شهودا صامتين، لم يلجمهم الخوف بقدر ما أسكتتهم رغبتهم في تحقيق وعود الجنة التي أطلقتها الجمهورية الثانية: “كونوا مطمئنين، أيها الطيبون المجتمعون هنا، إن حكومة الجمهورية ستعتني بكم، مثلما يعتني الأب بأولاده. ليلا أو نهارا، ستكون الحكومة بجانبكم لتمدّكم بيد العون، ومهما حدث، فلا يخالجكم اليأس منها، فعينها لا تنام وآذانها لأتفه شكاويكم، وستفعل كل شيء من أجلكم، ومن أجل أن تكافئ كل واحد منكم نظير ما يبذل من جهود مضنية، لأنكم الذكاء والدم الجديد الذي يجري وتحتاجه فرنسا في هذه الأراضي الهمجية، ومثل هذا الذكاء والقوة والدم ثمين للغاية”.

النأي عن الأحداث

محاولة بليزي النأي بنفسه عن أحداث الرواية بخلق مسافة بينه وبين شخصياته، سمحت له برسم صورة صادمة عن واقع الاستيطان الفرنسي للجزائر في بداياته، لنقل إنها صورة قاتمة وقريبة من الحقيقة التي كثيرا ما وصفها المؤرخون المحايدون كشارل أندري جوليان في كتابه الشهير “تاريخ الجزائر المعاصر.. الغزو وبداية الاستعمار”، لا سيما في فترة ما بعد الجمهورية الثانية، التي انتظمت فيها عمليات الاستيطان المسبوقة دائما بعمليات إبادة جماعية، أو كما كان يسميها القادة الفرنسيون آنذاك “عمليات تهدئة”، تحضيرا لظروف استيطان مثالية.

هذه الصورة القريبة من الكتابة التاريخية المحايدة، قاطعها بليزي في رسمه لشخصية الجندي الدموي منعدم الضمير بالحقيقة المتضمنة في معظم ما نشر من مذكرات ورسائل لفرنسيين شاركوا في استعمار الجزائر، والمتمثلة في تبرير ما لا يبرر بخصوص دوافع المستعمر في ما يخص غزوه الجزائر، أو في ما يخص المذابح المرتكبة في حق المدنيين العزل، وهي حقيقة أحسن التعبير عنها ماثيو بليزي على لسان الجندي، بحيث طابقها مع الفكر التبريري المنتشر في تلك الفكرة، مثلما نقرأ في مذكرات الدكتور بونافون “اثنتا عشرة سنة في الجزائر” الصادرة عام 1880، أو في مذكرات الجنرال كونت دي كورنولييه لوسينيار الموسومة “الاستيلاء على بونة وبوجي” الصادرة عام 1895، وأيضا في ملاحظات ريفاي دي بوريغارد المتعلقة ببداية الغزو الفرنسي المنشورة عام 1890.

هذا النأي عن الأحداث، وإن سمح لماثيو بليزي بالتزام حيادية ما، فقد أثر بشكل واضح في خياراته المتعلقة بالشخصيات، فأكثر ما يؤخذ عليه في هذا العمل أنه تجاهل متعمدا -في أغلب الظن- الاشتغال على الجانب السيكولوجي للشخصيات التي لم يحسن نحتها على نحو يليق بالجو العام الذي فرضته الرواية، التي جعل منها شبه محاكمة تاريخية، أو محاورة لضمير شبه ميت.

لكن، هل يعد هذا مأخذا حقيقيا على هذه الرواية؟ سنجازف لنجيب بالنفي؛ فالقراءات السابقة لأعمال ماثيو بليزي -لا سيما تلك المشَكِّلة لما تسمى “ثلاثية الجزائر”- تضعنا أمام يقين واحد لا غير؛ إننا أمام روائي صاحب صنعة، وفكرة أنه لم يستطع التعمق في شخصيات روايته حكم متسرع بلا شك؛ فأغلب الظن أنه تجاهل عن عمد الخوض في سيكولوجية شخصياته من مستوطنين وجنود، خشية أن يضطر لاحقا إلى إلغاء المسافة الآمنة التي وضعها لنفسه بعيدا عن نصه، والتي بفضلها فقط تمكن من أن يمنح روايته كل هذا البهاء الذي اتصفت به.

ربما بسبب خياره هذا -عدم الخوض في سيكولوجية الشخصيات- اضطر صاحب “مهاجمة الأرض والشمس” إلى كتابة نص بلسان واحد تعددت نبراته، فمرة يتحدث بنبرة المستوطنين ومرة أخرى بنبرة الجند، صوت صاحب الأرض وحده لم يسمح له بالارتفاع، ووحده لسان من سمي استخفافا “أنديجان” (ساكن أصلي) قطع لئلا تزداد الصورة قتامة، وتتحول رواية “مهاجمة الأرض والشمس” إلى محاكمة للتاريخ نفسه، فمهما كان التعاطف الذي بلا شك سيشعر به القارئ تجاه مجتمع الـ500 ذاك، بسبب هول ما لقيه من بؤس وآلام وأحلام مجهضة، فإنه سرعان ما يزول أمام حقيقة ما عاشه الجزائري المستعبد حينئذ.

لأن السؤال الأجدر بالطرح هنا ليس ذاك المتعلق بمشاعرنا تجاه هؤلاء الذين عمروا ربعا خاليا وزرعوا أرضا جرداء، ليضطروا لاحقا للرحيل عنها مجبرين؛ بل هو سؤال آخر من شاكلة “هل يجب أن نحزن على من طرد من بيت بناه على أرض سلبها ظلما، أم نسعد لمن استعاد أرضه التي سلبت منه بكل ما بُني عليها؟”.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه