الخطوط والحروف العربية بين المشرق والمغرب

148

أُثِرَ عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: “الخط الجميل يزيد الحق وضوحا”، وذلك في الدلالة على أهمية جمال الخط وصحته وحسن رسمه وبيانه، فإن كان الحق معنى جليلا فإنه لا يتحقق مكتوبا إلا بأسلوب جلي وقالب بهي يؤدي محتواه ويحيط بمراده.

والخط وفقا لتعريف القلقشندي له في كتاب صبح الأعشى: “ما تعرف منه صور الحروف المفردة، وأوضاعها وكيفية تركيبها خطا”. وهو “هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية” بحسب رأي ياقوت بن عبد الله الموصلي الذي أضاف فقال: “إن جودت قلمك جودت خطك، وإن أهملت قلمك أهملت خطك”، وأما ابن خلدون فقد عرف الخط في مقدمته مبينا أنه أحد أدوات تحقيق دلالات اللغة فقال: “صناعة شريفة يتميز بها الإنسان عن غيره، وبها تتأدى الأغراض، لأنها المرتبة الثانية من الدلالة اللغوية”.

فالخط فن وصنعة، وقيل هو ملكة تفرد بها بعض الناس عن بعضهم الآخر، ولا بد من ضبط هذه الملكة بقواعد مخصصة، وتقويتها بالمواظبة والدوام والاستمرار، فإن تركها يعيق حركة الأنامل ويثقلها.

عناية العرب بالخط العربي

قال الشاعر أبو الفتح البستي في سياق مدح الخط العربي والتغني بجماله:

كفى قلم الكتاب مجدا ورفعة *** مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم

مشيرا إلى قوله تعالى في سورة القلم: ﴿ن ۚ والقلم وما يسطرون﴾.

ولم يكتف العرب بالاهتمام بالخط العربي بوصفه أداة للكتابة والتواصل فحسب، بل جعلوا منه فنا أصيلا يمثل حضارتهم، ويحمل في طيات استداراته وبين انثناءاته وانحناءاته الخاصة روح الفن الإسلامي، لارتباطه الجوهري بلغة القرآن الكريم، وقد ساعدهم في ذلك طواعية أشكال الحروف العربية، فوظفوها وأظهروا في ذلك قدرات إبداعية فائقة، حتى صارت لوحات الخط العربي جزءا مميزا من لوحات الفن التجريدي.

ألا ترى كيف تتزين قبب المساجد الداخلية بآيات من القرآن الكريم تظهر فيها أشكال متنوعة من الخط العربي؟ فالخط العربي بوصفه فنا أصيلا لم يقتصر على الكتابة ونسخ المصاحف والكتب العربية، بل صار طرزا خاصا يستخدم في زخرفة المساجد والمباني الإسلامية، ناهيك عن استعماله في تطريز السجاد، وتزيين السيوف والحلي وزخرفتها، وتمييز الأختام والعملات.

أضف إلى ذلك تزيين شتى أنواع الثياب بمختلف أشكال الخط العربي؛ وكل ذلك في سبيل إظهار جماليات الفن الإسلامي وتجسيدها، حتى غدا الخط العربي عنوانا للهوية الإسلامية في المعالم المختلفة وأحد أهم أدوات التعبير عنها.

بعض أنواع الخط العربي وأشهرها

جاءت تسمية الخطوط بداية نسبة إلى الأقاليم التي انبثقت منها، فعرف قبل الإسلام الخط النبطي والأنباري والحاري. وبعد ذلك ظهر الخط المكي والخط المدني، واستعمل الخط الكوفي المشتق من النبطي في كتابة المصاحف الشريفة منذ عهد الخليفة الراشدي عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومع ازدياد رقعة الدولة الإسلامية صار الكتاب والخطاطون يتفننون بأشكال الخط العربي، كما عرفت مهنة الخطاط وظهرت للمرة الأولى في العصر الأموي.

ويذكر أيضا أن الخطوط العربية كانت تعرف بمقادير الزوايا المعتمدة في رسمها، فصار لدينا خط الثلث وخط النصف وخط الثلثين. وعرف بعضها بنسبته إلى المدينة التي خرج منها، كالخط الكوفي الذي يعد أقدم الخطوط العربية، ويذكر أيضا أن الخط الكوفي تفرع في نهاية العهد الأموي إلى 4 أشكال رئيسة عرفت بتسميتها بالأقلام، وفي بداية العصر العباسي اشتهر كل من الضحاك بن عجلان وإسحاق بن حماد بصناعة الخط العربي، فصارا رائدين فيه وزادت أشكال الخط حتى وصلت إلى 12 شكلا، فصار هناك قلم أي خط خاص للتدوين الرسمي ويعرف بـ “قلم السجلات”، أما “قلم الجليل” مثلا فاستخدم لتزيين جدران المساجد والقصور، وكذلك “قلم العهود” لكتابة المواثيق والعهود كما هو ظاهر من اسمه، و”قلم الحرم” الذي اختص بالرسائل المرسلة إلى النساء.

وقد عرف الخط الكوفي في العصر العباسي بوصفه خط الدين والدولة، وزادت أشكال الخطوط المشتقة منه في عهد الخليفة العباسي المأمون على 20 شكلا، فقد عرف بعنايته الفائقة بالعلوم والترجمة وتشجيع العلماء والكتاب، أما خط النسخ فكان يستعمل بين عامة الخلق، وممن نبغ في صنعة الخط آنذاك وأسهم في نشأة خط النسخ تحديدا وتعميمه ليغدو خطا شعبيا الوزير الشهير “ابن مقلة، مستثمرا وزارته لـ3 من خلفاء بني العباس، وقد أدخل على شكل الخط تحسينات جديدة، وجعله معتمدا في كتابة المصاحف والدواوين، ثم جاء من بعده خطاطون آخرون انتهجوا منهجه.

وعامة القول أن كلا من الخط الكوفي وخط النسخ كانا النوعين الأساسيين اللذين تولدت منهما أنواع الخطوط الأخرى كخط الثلث الذي نسب إلى ثخانة القلم وسمكه، والخط الديواني، وخط الرقعة، وغير ذلك.

ماذا عن خط الرقعة؟

يذكر أنه ظهر في العهد العثماني، واشتهر به خطاطون كثر من أصول تركية، ولعل أشهرهم الخطاط المشهور الذي نسخ عددا من المصاحف حافظ عثمان. وهو الخط الذي يستعمل في الكتابة اليومية لعامة الناس، لسهولته ورشاقته وخفة رسمه، ويمتاز باستقامته قياسا إلى غيره من الخطوط العربية، وجاءت تسميته من كتابته على الرقاع في بادئ الأمر، غير أن في هذا الأمر اختلاف، فقد ذهب بعض القائلين المهتمين بقضايا الخط العربي إلى أن خط الرقعة الحالي لا علاقة له بالخط الذي كان يكتب على الرقاع، وهناك خلاف على بداية نشأته وكيفيتها، لا سيما أنه من الخطوط المتأخرة الوضع.

أهم ما يميز الخطوط العربية من بعضها

يتميز الخط الكوفي بمحاكاته للأشكال الهندسية لما فيه من زوايا، أما الخط الديواني فيتميز بتراكب الحروف من جهة وبمد رسمها في أواخر الكلمات من جهة أخرى، لا سيما تلك الحروف التي تساعد بأشكالها الأصلية على ذلك كالجيم والحاء والخاء والعين والغين، وقد سمي بالديواني لاستعماله في الكتابة في الدواوين في زمن الدولة العثمانية.

أما خط النسخ فمن اسمه يظهر تخصصه بنسخ القرآن الكريم والكتب النفيسة، وبه وضعت أشكال الحروف المعتمدة في الطباعة حتى يومنا هذا، بسبب وضوحه وقابليته للمد لاستيعاب التشكيل والحركات.

وينفرد الخط الفارسي الذي ظهر في أواخر القرن السابع الهجري بشكله المائل، إذ تميل حروفه من اليمين إلى اليسار ومن الأعلى إلى الأسفل فتنتهي الكلمات فيه بحرف طويل ممدود الشكل، لا سيما إذا ما انتهت الكلمة بحرف يساعد على ذلك كالباء والتاء والثاء والفاء والقاف، وكذلك السين والشين.

أما خط الرقعة فيتميز بحروفه الرشيقة القصيرة.

ما الفرق بين الخط المشرقي والخط المغربي؟

يستند الخط المغربي إلى الخط الكوفي استنادا مباشرا، ونعني به الخط الذي انتشر في شمال أفريقيا والأندلس، ويقال إن الكتابة دخلت إلى بلاد المغرب مع الفتوح الإسلامية منذ القرن الهجري الأول، واستقرت الكتابة بداية في مدينة القيروان ثم انتشرت في أنحاء بلاد المغرب.

وكان الخط كلما دخل مدينة وامتاز بصفات مغايرة سمي باسمها، فصار لدينا الخط القيرواني والمغربي والمراكشي والفاسي وغير ذلك، إلى أن خضع المغرب للتأثير الأندلسي في القرن الرابع فاصطبغ بصبغة الأندلس التي انتشر فيها الخط الكوفي الأندلسي الذي تكثر فيه الزوايا، والخط القرطبي الذي يتميز بكثرة الاستدارات والانحناءات، وكلاهما معتمد على الكوفي المشرقي.

وفي ذلك قال ابن خلدون: “أما أهل الأندلس فانتشروا في الأقطار منذ تلاشي ملك العرب ومن خلفهم من البربر… فانتشروا في عدوة المغرب وإفريقية… وتعلقوا بأذيال الدولة، فغلب خطهم على الخط الأفريقي وعفا عليه، ونسي خط القيروان والمهدية… وصارت خطوط أهل إفريقية كلها على الرسم الأندلسي بتونس وما إليها… وبقي منه رسم ببلاد الجريد الذين لم يخالطوا كتاب الأندلس… وحصل في دولة بني مرين من بعد ذلك بالمغرب الأقصى لون من الخط الأندلسي لقرب جوارهم وسقوط من خرج منهم إلى فاس قريبا واستعمالهم إياهم سائر الدولة ونسي عهد الخط فيما بعد عن سدة الملك وداره كأنه لم يعرف”.

وللخط المغربي أنواع ومسميات عدة، مثله في ذلك مثل نظيره المشرقي، والحديث يطول ويتشعب، غير أن العاملين في مجال تحقيق المخطوطات يميزون الخط المغربي ببعض التفاصيل التي تتعلق بالتنقيط وأشكال الحروف، فحرف الفاء مثلا في الخط المغربي يتميز بنقطة تحته على خلاف حرف الفاء في الخط المشرقي المعروف الذي يعتمد وضع النقطة فوق الفاء، في حين يتميز حرف القاف في الخط المغربي بنقطة فوقه فيحسبه غير الخبير باختلاف الخطوط فاء وفقا للخط المشرقي، ناهيك عن شكل حرف الكاف والدال والهاء والياء، إذ يعسر تمييزها من دون علم معرفة مسبقة.

وعند الحديث عن الخط المغربي تتسع رقعة الكلام وتمتد وتتباين أشكال الحروف تباينا مفاجئا، فالخط المغربي من أقدم الخطوط العربية وأكثرها انتشارا في شمال أفريقيا، وتتميز حروفه بأشكالها المضلعة كالخط الكوفي، فحرفا الدال والذال مثلا يكتبان كالقوسين المعقوفتين بانحناءة للأعلى وانحناءة للأسفل، ويزيد الخط المغربي على المشرقي بحرف الجيم ذي النقط الثلاث المتمركزة فوقه، وبحرف الفاء ذي النقط الثلاث فوقه أيضا، وكذلك الكاف المنقوطة من فوقها في حين ومن تحتها في حين آخر بـ3 نقط.

إن الخط العربي لم يكن محض وسيلة للكتابة والتعبير، بل هو فن يعبر عن أحوال الكاتب، وجمال تخصصي يعبر عن خصوصية المكتوب وأهميته، وزخرفة على المعالم تبقى صوتا صادحا على مر الزمن يقول: من هنا مر العرب وهنا صنعوا حضارتهم الزاخرة بالجمال.

اقرأ المقال من المصدر