العتابا والميجنا والدلعونا.. فنون الهوية ومواجهة المحتل في القوالب الشعرية الفلسطينية

تتعدد القوالب الشعرية والغنائية المشهورة في التراث الفلسطيني، واللافت لمن يتابع تطور تلك القوالب ما شهدته من تحول مع تطور القضية الفلسطينية قبل النكبة وبعدها، حتى تم تطويعها وتوسيعها لتغدو قوالب شعرية وطنية، يعبر من خلالها الشعراء عن مختلف هموم الشعب الفلسطيني، ويودعون فيها عناصر الهوية والمقاومة، ويؤرخون للأحداث المؤثرة والبارزة التي شغلت الفلسطيني وأثرت في مسيرته، إلى جانب حفظ مكونات الشخصية الفلسطينية، ذلك أن من أبرز مهمات الأدب المقاوم أن يسهم في إبعاد عوامل اليأس والهزيمة، وأن يبرز عناصر الوحدة، ويؤشر إلى المستقبل الذي يتركز على حتمية تحرير الوطن، ورحيل المحتل، وعودة اللاجئين.

العتابا والميجنا

لعل “العتابا” و”الميجنا” أشهر قالب شعري وغنائي من ناحية شيوعه وكثرة استعماله في فلسطين، فهي: “الأغنية المفضلة في فلسطين، لا سيما في ريفها، وهي التي كنت تسمعها أينما تجولت في أنحاء الريف على ألسنة الرعاة والمزارعين والعمال، وفي السهرات ومناسبات الأفراح. وقد تطلق عليها كلمة “عتابا” وحدها، أو كلمة “ميجنا” وحدها، أو الكلمتان معا، أو كلمة أوف وحدها”[1].

و”ترتبط العتابا بالميجنا ارتباطا وثيقا، فأينما تذكر العتابا تذكر الميجنا، حتى إن البعض جعلها أصلا من أصول العتابا ونوعا من أنواعها، ومنهم من يرى أن العتابا هي الأصل. ويقال إن العتابا والميجنا نشأتا نشأة واحدة، أو ربما تكون الميجنا نشأت قبل العتابا… فالميجنا لازمة لفن العتابا وممهدة له، وتغنى قبل العتابا لأنها تعتمد على نبرة صوت منخفضة تمهد لبيت العتابا بنبرة هادئة منخفضة وبعد الانتهاء منها يأتي الشاعر ببيت العتابا الذي يتطلب قوة الصوت، فإذا غنى الشاعر بيتا من الميجنا فلا بد له من أن يلحقه ببيت من العتابا ويمكن التغني بالعتابا دون الميجنا، ولكن لا يمكن التغني بالميجنا دون العتابا، وكأن العتابا هي الأصل والأساس، والميجنا تمهيد للعتابا”[2].

ويلتزم في نظم الميجنا ببحر الرجز التام، أي بـ6 تفعيلات، “وهي كالعتابا تعتمد الجناس في الأشطر الثلاثة الأولى، ويختم الشطر الرابع بالنون المتبوعة بالألف المطلقة نا”[3]. والأصل في هذا القالب “الميجنا والعتابا” أنه ذكوري الطابع، يغنيه الرجال في “الأعراس والسهرات التي تسبق يوم الزفاف، وكذلك في مناسبات الولادة والختان وعودة المسافر والحج ومعظم الأفراح.. حتى أن العتابا تغنى من قبل الرعاة في أحضان الطبيعة”[4].

أما “العتابا” فتأتي على البحر الوافر، و”تتكون من 4 أشطر معتمدة على الجناس، مختومة بقافية الباء الساكنة”[5] في الشطر الرابع. ولها تنويعات وتطويرات كثيرة فيها تغيير وإضافات على الشكل الأصلي أو التقليدي، بزيادة عدد الأشطر أو بالتزام حروف معينة تشبه نظام لزوم ما لا يلزم.

وهذا مثال على مجيء الميجنا مفتتحا وتمهيدا للموضوع الوطني:

“إذا ما رغب المغني -على سبيل المثال- التغني بالوطنية فإنه يمهد لذلك بمقطع واحد من الميجانا كقوله:

يا شجرة بالدار حاميكي أسد

تكسرت اغصانك من كثر الحسد

زرعنا الزرع وغيرنا حصد

غير التعب ما نابنا

يا ميجانا يا ميجانا يا ميجانا

فيكون هذا بمثابة الإطار العام للشعور الوطني الذي يجيش في صدره ويرغب في التعبير عنه، لتأخذ العتابا -بعد ذلك- دورها في التعبير عن العواطف الوطنية”[6]. ونلاحظ أن الشاعر لم يلتزم الجناس التزاما تاما في التقفية “أسد، الحسد، حصد”، والأكثر تمكنا من منظور شعراء الميجنا والعتابا تمكن الشاعر من المحافظة على الجناس وليس مجرد التقفية.

وقد استعمل الشعراء الشعبيون قالب الميجنا والعتابا في قصائدهم المغناة المبتدعة، ومن العتابا الوطنية على سبيل المثال قول الشاعر الشعبي عبد العزيز العجاوي[7]:

“كونوا للوطن جمل سواعد

وحلوة بشبابنا برمة سواعد

وان جاء العيد ما بنعرف سوى عيد

النصر واعلامنا تخفق طرب”

وأما طريقة الأداء في هذا القالب فإنها “لا تخرج عن الشكل التالي: تصطف مجموعتان من الرجال -جلوسا أو وقوفا- أمام بعضهما ويبرز عن كل مجموعة مغن، وتكون مجموعته بمثابة “ألكورس” كما يرافقها “المجوز” أو “الشبابة” وقد تجتمع الآلتان في الجلسة الواحدة، وهي في العادة تقتصر على الرجال وندر أن تقدمها النساء، وتأخذ في بعض الأحايين شكل التحدي بين المغنين وفي بعض مناطق الساحل الفلسطيني يقدمها الرجال -في فصل الصيف وقوفا- أما في فصل الشتاء فتؤدى جلوسا في قاعة خاصة تعرف بالمضافة، وعادة ما يرتدي الرجال ملابسهم العادية المكونة من الحطة والعقال والقمباز والبلغة”[8].

وهذه ميجنا وطنية للشاعر سعيد زيد الكيلاني “مواليد جنين 1950” [9]:

بالدم يا زيتون بلدي “حن لو” ويا منبر الأقصى فؤداي “حن لو”

ويا جرس عودة إلى أوطاني “حِن لو” حنا فداءك يا تُراب بلادنا

ونتبعها بعتابا للشاعر نفسه استعمل فيها ألفاظ الحناء والحنين بما يتلاءم مع مطالب العتابا:

زتون بلادنا بالدم “حنيت” وإلى منبر صلاح الدين “حنيت”

يا شعبي إلى أجراس العودة “حنيت” فقط بالدم تحرير الترابْ

“الألفاظ المتجانسة: الأولى من الحناء، والثانية من الحنين والشوق، والثالثة صوت الجرس”

ومن العتابا الوطنية لأبي سائد السيلاوي “1951-2022”[10]:

تغنو بالوطنْ ي اهلو “بل احْدو” وِرُفضو مين بالمولى “بلِحْدو”

الشهيد ابتبدا جناتو “ب لحدو” وأمامو نورْ لعنان السحابْ

“الألفاظ المتجانسة: الأولى من الحداء بمعنى الغناء، والثانية من الإلحاد، والثالثة من اللحد بمعنى القبر”.

قالب الدلعونا

الدلعونا: “قالب لحني مرتبط بالدبكة، فهو يؤدى في حلقة الدبكة مع عزف الشبابة أو اليرغول، ويؤدى في 4 شطرات تتحد الثلاث الأولى منها في قافية واحدة، بينما تلتزم الأخيرة النون والألف. ويستوعب هذا القالب اللحني في مضمونه الغزل كموضوع رئيسي، وقليلا ما يتحدث عن أغراض أخرى. ويعتقد البعض أن موطن هذا القالب اللحني هو شمال فلسطين وجنوب لبنان… وهذا اللحن نادر الانتشار في جنوب فلسطين”[11]. وهذا هو الأصل فيها كما هو في قوالب أخرى، ولكن الشعراء والمغنين طوعوا الدلعونا للهموم والتعبيرات الوطنية، فصاغوا مع إيقاعات الدبكة مقاطع من الدلعونا الوطنية، مثل[12]:

يا دمع عيني بلل خدودي  حارس عالأقصى واحد يهودي

وأبطال الثورة لازم تعودي  ونرفع علمنا أجمل ما يكونا

يا شعب الضفة وغزتنا قاوم  عا حصْوِه زْغيره إياك تساوِم

للورا شوية إرجع يا ظالم وقلي وين صفا النازي وِزْبُونا

دلعونا حادثة الثلاثاء الحمراء 1930

ولعل أشهر دلعونا وطنية حتى اليوم، هي دلعونا “من سجن عكا طلعت جنازة” تلك الدلعونا التي لا يعرف قائلها على وجه التحقيق، وقيل إن الشاعر المعروف نوح إبراهيم نظمها في شبابه، ولربما خشي من بطش الإنجليز فلم ينسبها إليه. فقد تركت حادثة إعدام الشهداء الثلاثة: محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي أثرا بالغا في النفوس وخلدتها هذه القصيدة الشعبية التي غدت أغنية متداولة (حادثة الإعدام في 17 يونيو/حزيران 1930)، وهي تمجد القصيدة الأبطال الثلاثة الذين حكم عليهم بالإعدام وتهاجم “المندوب السامي البريطاني” وتدعو عليه بالموت، وهي من قالب “الدلعونا” الشائع في فلسطين[13]، وهو قالب نشأ للغزل والحب، ولكن الحالة الفلسطينية اقتضت أن يتسع للوطن:

من بابك عكا طلعت جنازة محمد جمجوم وفؤاد حجازي

“رواية أخرى: من سجن عكا…”

مندوب السامي ربك يجازي تصبحْ حريمو عليه ينعونا

زوروا المقابر يوم الأعيادي امشوا لعكا زوروا الأمجادي

أهل الشهامي عطا وفؤادي لا يهابوا الردى ولا المنونا

إلخ..

وقد غنتها فرقة العاشقين، كما أدتها فرق أخرى، ومغنون كثر، ولا تزال من أشهر الأغاني الدالة على التضحية وعلى ظلم المحتلين.

دلعونا المقاومة

ركز الشعر والغناء الشعبي على المقاومة فكرة وعملا، خصوصا في مرحلة المد الثوري، وصعود حركة المقاومة، ورسم صورة مثالية للفدائي، ذلك أن طريق الكفاح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين. وهذه أبيات من الدلعونا تذكر البنادق والأسلحة على لسان الشاب الفلسطيني الذي التزم بالمقاومة وترك عمله أو وظيفته ليعمل فدائيا يسهم في تحرير وطنه، كما تتضمن الأبيات التفاتة إلى الفتاة الملتزمة بالمقاومة وأن الفدائي لا يقبل إلا الفدائية التي تحمل رشاشها إلى جانبها، وهي صورة مثالية الهدف منها دعوة الفتيات للالتحاق بالمقاومة، ومعنى هذا أن الأبيات من صنع شاعر يحمل فكر الثورة ويمرر رسائلها عبر الشعر الشعبي، ذلك أن التحاق النساء بالثورة كمقاتلات ظل محكوما بالوضع الاجتماعي الذي لم يكن يمتلك مساحة من الحرية لمثل هذا الترف الثوري، ولذلك ظلت أعداد الفتيات قليلة في تاريخ الثورة. تقول هذه الدلعونا الثورية[14]:

على دلعونا وعلى دلعونا زغرد يا كلشن أسمر اللونا

يما ويا يما اعطيني رشاشي طلبتني الثورة والصبح ماشي

وعفتِ الوظيفة وعفت المعاشي تحرير الوطن أغلى ما يكونا

والله ما باخذ غير الملتزمة تحمل رشاشها في وقت الأزمة

فيها بتقوى وبقوي عزمي ايدي في إيدها ع فلسطينا

الهوامش والإحالات:

[1] . البرغوثي، عبد اللطيف، ديوان العتابا الفلسطيني، ، ط1، مركز الوثائق والأبحاث، جامعة بير زيت، فلسطين، 1986، ص59.

[2] . صباح، همام عبد الرحيم، العتابا الفلسطينية دراسة في الشكل والمضمون، رسالة ماجستير بإشراف د.إحسان الديك، جامعة النجاح الوطنية، فلسطين، 2018، ص24.

[3] . صباح، المرجع نفسه، ص25.

[4] . عديلة، معتصم خضر، الزجل الشعبي في فلسطين: تأصيل ودراسة، ضمن: الثقافات الشعبية دراسات في السرد والشعر والغناء، مراجعة وتحرير صالح أبو أصبع ومحمد عبيد الله، منشورات جامعة فيلادلفيا، عمان، 2012، ص172، 176.

[5] . صباح، المرجع نفسه، ص36.

[6] . يوسف، أسامة فوزي، ألوان من الأغاني الشعبية الفلسطينية، الفنون الشعبية، ع5، شباط، 1975، دائرة الثقافة والفنون، عمان، ص130.

[7] . الشاعر الشعبي عبد اللطيف العجاوي، الفنون الشعبية، ع6، أيار، 1975، دائرة الثقافة والفنون، عمان، ص115. “المقال بدون توقيع، أرجح أنه من إعداد نمر سرحان سكرتير تحرير المجلة”.

[8] . يوسف، أسامة فوزي، ألوان من الأغاني الشعبية الفلسطينية، الفنون الشعبية، ع5، شباط، 1975، دائرة الثقافة والفنون، عمان، ص131.

[9] . يعاقبة، نجيب صبري، فرسان الزجل والحداء الفلسطيني، ج3، الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، رام الله، 2022، ص73.

[10] . يعاقبة، فرسان الزجل والحداء الفلسطيني، 3/113.

[11] . السهلي، محمد توفيق، موسوعة المصطلحات والتعبيرات الشعبية الفلسطينية، ط1، مركز جنين للدراسات الاستراتيجية، عمان، 2001، ص201. “مادة: الدلعونا”.

[12] . أحمد الكباريتي، الدلعونا طوعها الفلسطينيون للحب والحرب والجنس: https://ultrapal.ultrasawt.com

[13] . أوردها بهذه الرواية عبد اللطيف البرغوثي، ولها صور وروايات متعددة، فهي مثال للشعر الشعبي الذي يتعرض للزيادة والتعديل ما دامت الرواية الشفوية والإنشاد هما طريقة تداوله وحفظه.

انظر: البرغوثي، عبد اللطيف، أغاني فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، مجلة بيادر، دائرة الثقافة-منظمة التحرير الفلسطينية، تونس، ع6، 1991، ص93-94.

[14] . أبو عليوي، حسن، الشعر الشعبي الفلسطيني، في: الموسوعة الفلسطينية، ط1، مؤسسة الموسوعة الفلسطينية، بيروت، 1990. ص75.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه