العنف والإبادة في رحلة الاستيطان الأوروبي منذ غزو الأميركتين وتأسيس إسرائيل

99

ترافق الصعود الأوروبي الحديث وتمدد الغرب حول العالم، ونشوء العالمية الأوروبية الراهنة، مع ظواهر متعددة تركت آثارها الكارثية البالغة على حياة ومصير ومستقبل البشرية عدة قرون.

واتسم صعود الغرب برؤية معرفية إمبريالية تنزع القداسة عن الإنسان والطبيعة، فتختزل العالم وتلغي الخصوصيات والثقافات والتنوعات الاجتماعية والحضارية، وتبلغ ذروتها في مفاهيم وممارسات توحش علاقة بالإنسان والطبيعة وتحولهما إلى “مادة استعمالية سائلة” أو “حوسلة” العالم بتعبير المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري.

ورافق ذلك موجات إمبريالية عاتية من الغزو والاحتلال والنهب، اتخذت من دعاوى “الاكتشافات الجغرافية” وعبء الرجل الأبيض والحرب العادلة والامتيازات التجارية ومعاهدات الاستسلام أساسا لشرعنة غزو البلدان واحتلالها والسيطرة عليها وإبادة أهلها أو استعبادهم وشحنهم بعشرات الملايين من غرب أفريقيا إلى مزارع القطن وقصب السكر في الجنوب الأميركي وجزر الكاريبي، ونزح ثرواتها إلى عواصم وحواضر أوروبا، وتقاسمت الإمبرياليات قارات العالم وأقاليمه وأصقاعه.

الإمبريالية التجارية

في المرحلة الإمبريالية الميركانتيلية (التجارية) تكونت لدى الأوروبيين ثروات هائلة، وأدى تراكم النهب من المستعمرات لتراكم الرأسمال والثورة الصناعية والرأسمالية بفكرها وسماتها وأزماتها المزمنة.

وبناء على احتياجات المشروع الإمبريالي الرأسمالي، جرى تحرير تدريجي لأقنان الأرض وعبيدها الأوروبيين وإعدادهم لخدمة هذا المشروع، وتم توسيع فرانشايز (نطاق) الديمقراطية ليشمل هؤلاء، وكانت النساء آخر من نال حق التصويت ببريطانيا (1929) لأنهن الأقل نفعا لذلك. فقامت المنظومات السياسية والتشريعية والدستورية التي تكفلت باستدامة المشروع الإمبريالي الرأسمالي وهي لا تبتعد في جوهرها كثيرا عن الفاشية.

في هذا السياق، قامت مشروعات استيطانية كبرى كثيرة في القرون الماضية، كان أبرزها في الأميركتين وأستراليا وأفريقيا. وارتبط نجاح المشروعات الاستيطانية بالقضاء على أهل البلاد الأصليين بالإبادة والحصار والمسخ كما وقع بأميركا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وأميركا اللاتينية.

أما المشروعات التي لم تتمكن من القضاء على السكان الأصليين كما في الجزائر وروديسيا وجنوب أفريقيا، فقد تفككت وتمت تصفيتها بعد نضال طويل وتضحيات هائلة بلغت ملايين الشهداء قدمتها شعوب البلاد الأصلية وحركات التحرر الوطني بها.

وفي فلسطين، عجز المشروع الصهيوني الإمبريالي الاستيطاني الاقتلاعي الإحلالي عن القضاء على شعب فلسطين وهويته العربية والإسلامية وارتباطاته بالأمة، وهو المشروع الاستيطاني الوحيد المستمر لكنه يتجه تاريخيا نحو مآلاته الحتمية من اضمحلال وتراجع وانحطاط إستراتيجي في سياق الهيمنة الغربية، وتعرضت مرتكزاته للتآكل والاهتزاز.

وهناك قدر كبير من السمات المشتركة بين مختلف مشروعات الاستيطان الأوروبية حول العالم، الباقية والزائلة، بما فيها المشروع الصهيوني في فلسطين.

الاستعمار والاستيطان الأوروبيين

ارتبطت مشروعات الاستيطان ارتباطا وثيقا بالاستعمار الأوروبي وأنشأت أوضاعا ونظاما استعماريا استيطانيا قائما على علاقات مؤسسية وشخصية.

وتجمع بين عنصرين: إقامة المستوطنات وإنزال المستوطنين بها، ونزوع دول لاستعمار بلاد أخرى والسيطرة عليها.

وجرت إقامة المستعمرات كإعادة إنتاج ناجحة للمجتمع الأوروبي في سياق استعماري استيطاني، وباعتبار ذلك فرضاً ناجحاً للسيطرة السياسية والاقتصادية على إقليم مُستعمَر.

ويمكن تعريف المجتمع الاستيطاني انطلاقا من وصف الدولة الاستيطانية الذي يركز على اقتلاع السكان الأصليين بعد تضمين أو صهر متعدد الثقافات، وقد سادت طويلا في الغرب وما زالت فكرة أن إسرائيل هي “أوروبا ما وراء البحار”.

وفي نفس الإطار، يتم اعتبار الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا -بالإضافة إلى بريطانيا- وحدة عضوية غربية أنجلوساكسونية واحدة في سياق منظومة الهيمنة الغربية.

أساطير التأسيس

ثمة أساطير مشتركة مبثوثة في سياق تأسيس مشروعات الاستيطان الأوروبي تهدف إلى شرعنتها وتبرير ممارساتها وتداعياتها الكارثية على أهل البلاد الأصليين، تبدأ بعبء الرجل الأبيض ودوره في تمدن العالم وتحديثه واستعماره ونقله إلى حضارة أوروبا وأنوارها ومدنيتها. وكانت بعض هذه الأساطير مبنية على أسس دينية.

وقد يظن البعض أن الديباجات الدينية المؤسسة للمشروع الصهيوني في فلسطين تخصه دون مشروعات الاستيطان الأوروبي نظرا لتوظيف اليهودية والتوراة في الاستيطان الصهيوني. لكن الحقيقة أن تلك المشروعات الاستيطانية قد سبقت الصهيونية في استعارة ديباجاتها من نصوص التوراة وسردياتها وأبطالها ورموزها ومُثُلِها وجغرافيتها.

فالمهاجرون إلى أميركا الشمالية من البيض البروتستانت الذين استمدوا رؤيتهم الكونية وسرديتهم الدينية والأخلاقية من نصوص التوراة، بيوريتانيون وحجاج ومعمدانيون وإيفانجيليون وغيرهم، وكانوا غير مرغوب بهم بمواطنهم الأوروبية، استلهموا قصص وأحداث التوراة وتماهوا معها تمامًا.

فقد اعتبروا أنهم قد خرجوا مما يشبه الأسر الفرعوني لبني إسرائيل (في مصر التوراتية) إلى أرض الميعاد. وامتلأ خطابهم بتعبيرات أرض الميعاد وميثاق الرب وشعب الله المختار والاستكشاف وارتياد التخوم والغزو وإبادة السكان الأصليين.

وصاحب ذلك اعتقاد بفرادة تاريخية لتجربة الاستيطان وأنها جزء من أجندة الرب وأن أميركا بتعبير التوراة “مدينة على جبل” و”منارة الأمم”. وفي جنوب أفريقيا، تمت صياغة جزء كبير من القومية الأفريكانية (قومية الأقلية البيضاء الهولندية البريطانية) حول فكرة العهد أو الميثاق الخاص بين الرب وجماعات الاستيطان المبكر.

نفي وإنكار الآخر

الحقيقة أن نفي السكان الأصليين وإنكار التاريخ مستقر في الفكر الاستعماري الاستيطاني، وخاصة البريطاني، منذ زمن طويل. فعندما كان ونستون تشرشل وزيرا للمستعمرات وراعيا للمشروع الصهيوني في فلسطين، وحوّله من “وطن قومي يهودي” إلى “دولة يهودية” أنكر حقوق شعب فلسطين حينما واجه من يسأله عنها قائلا “إن وجود الكلب في البيت لا يعطيه حقا في البيت”.

ولا تذكر وثائق الانتداب البريطاني شعب فلسطين إلا بتعبير “المحمديين” وبالتالي لا علاقة لهم بالأرض، واستمر الإنكار بعد قيام الكيان الصهيوني عقودا عديدة حتى زمن رئيسة وزراء الكيان الإسرائيلي غولدا مائير، صاحبة الصورة الشهيرة بالمنظار المقرّب مصحوبة بعبارة: أين هم الفلسطينيون؟ ومقولتها المشهورة عن اللاجئين الفلسطينيين: الكبار يموتون والصغار ينسون.

وتطور الإنكار مؤخرا إلى دعوة تهجير وإبادة كما يزعم بتسلئيل سموتريتش أن الشعب الفلسطيني “اختراع من الدول العربية” وتخييره فلسطينيي الضفة الغربية بين “التهجير أو القتل أو الاستعباد لليهود” ومقترح عميحاي إلياهو حول محو غزة بالسلاح النووي. وأن على إسرائيل “إيجاد طرق أكثر إيلاما من الموت” بالنسبة للفلسطينيين لحسم المعركة وهزيمتهم وكسر معنوياتهم، كما فعلت الولايات المتحدة مع اليابان.

نزع الإنسانية عن أهل البلاد

إنسانية المُستعمَر، التي يرفضها المُستعمِر، تصبح مطموسة. فمن العبث، كما يُصر المُستعمِر، أن تحاول التنبؤ بأفعال المُستعمَرين (إذ لا يمكن التنبؤ بشيء عنهم، ومعهم لا يمكن التأكد من شيء أو معرفة شيء). ويخيل لدى المُستعمِر أن هناك نوازع غريبة ودوافع مقلقة تسيطر على المُستعمَر.

فلا بد أن الأخير غريب أو شاذ جداً، خاصة إذا ما استمر غامضاً بعد سنوات من العيش مع المُسْتعمِر. وغالبًا ما يرفض المستعمِر تقدير أو الاعتراف بإنسانية الشعوب الواقعة تحت سيطرته، وبالتالي يعتبر المستعمِرون هذه الشعوب حالة شاذة، لا يمكن التنبؤ بسلوكها. ويبقى العنف والعنف البالغ والإبادة اللغة التي قد تفهمها.

وقد اضطردت شواهد ذلك على مدى 75 عاما من عمر الكيان الصهيوني، خاصة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد أوردت محكمة العدل الدولية عددا وافرا من تصريحات قادة إسرائيل الحاليين الداعية إلى الإبادة الجماعية في حيثيات حكمها الأولي الصادر في 26 يناير/كانون الثاني 2024.

العنف المؤسس والمستدام والإبادة

يلاحظ المسيري أن من المؤشرات على دخول مشروعات الاستيطان طور النهاية والتفكك هو ارتكابها قدرا هائلا من العنف والتدمير وإلحاق الأذى البالغ بالسكان الأصليين، يبلغ حد الإبادة الجماعية والتدمير اجتماعيا واقتصاديا وصحيا ومؤسساتيا.

ويترافق هذا السلوك مع ارتباك شديد، وسعي خلف أهداف متعارضة بل متناقضة تفاقم أزمة الكيان الاستيطاني وتشققاته الداخلية ونزع الشرعية عنه وتصاعد الدعوات لـ”مقاطعته وسحب الاستثمارات منه وفرض العقوبات عليه”.

ويقدر خبراء أن كمية المتفجرات التي ألقيت على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي تعادل قوة تدمير عدة قنابل ذرية تماثل قنبلتي هيروشيما وناغازاكي. وهذا يحيلنا إلى عقيدة القوة والعنف والردع الاستيطانية “ما لا يتحقق بالقوة، يتحقق بمزيد من القوة”.

يقول رونين بيرغمان في كتابه «انهض واقتل أولا: التاريخ السري لإسرائيل» إن مبدأ القتل الجماعي والإبادة الجماعية لا ينفصل عن العقيدة الراسخة في عقل الدولة الإسرائيلية منذ قيامها وحتى الآن.

لذلك تبذل كيانات الاستيطان جهدا هائلا لاحتكار واستدامة العنف وأدواته وحرمان حركات التحرر الوطني من التسلح والتنظيم بقمع مستمر واجتياحات واغتيالات وعقوبات جماعية، كما يفعل الكيان الصهيوني بالضفة الغربية، وبمسميات دالة: “جز العشب” و”كاسر الأمواج”.

وبحسب وثائق بيرغمان، نفّذت مخابرات إسرائيل عمليات اغتيال ضد عرب صنفتهم أعداءً، وبلغت، خلال 70 عاما، 2700 عملية على الأقل.

الدور الإمبريالي

من أهم وظائف المشروع الاستيطاني الصهيوني استدامة التجزئة الناجمة عن تقسيم وتفتيت بلادنا وإجهاض محاولات الوحدة والنهوض والتنمية، واستدامة وضع المنطقة وشعوبها في حالة خضوع وتبعية وإفقار، وحرمانها من الاستقلال والوحدة وعودة الأمة في الواقع.

وإستراتيجيا، يمثل المشروع الصهيوني الحل الإمبريالي الأنجلوساكسوني النهائي للهيمنة الاستعمارية على المشرق وفصل آسيا العربية عن مصر وشمال أفريقيا.

وقد تواترت في الغرب، وأميركا خاصة، مقولة “لو لم تكن إسرائيل موجودة لتحتم إيجادها” وأن عدم وجودها يقتضي نشر عشرات السفن الحربية وحاملات الطائرات في المنطقة العربية، مما يؤكد دور إسرائيل المركزي في استدامة المشروع الإمبريالي والهيمنة الغربية، وهذا يفسر مسارعة الغرب لإنقاذ إسرائيل ودعمها وتسليحها المفرط بعد صدمة وترويع 7 أكتوبر/تشرين الأول.

العسكرة والاجتماع الاستيطاني

تمتلك كل الدول الطبيعية جيوشا أما “إسرائيل فهي جيش يمتلك دولة”. يعني باختصار تشكيل متعدد المستويات لتشكيل من عصابات السطو المسلح. المفارقة أن تنظيم المجتمع الاستيطاني وعسكرته على هذا النحو ليس أمرا مستجدا تاريخيا.

فقد كان للأمير أسامة بن منقذ، زمن الحملات الصليبية، مشاهدات لأحوال الفرنجة والاجتماع الصليبي، فكان الفرسان الصليبيون في رأس الهرم السياسي والعسكري والاجتماعي، ولذوي الشأن والمكانة منهم وحدهم الحق في إبرام الأحكام وإنزال العقوبات “والإفرنج خذلهم الله ما فيهم فضيلة من فضائل الناس سوى القتل والقتال ولا عندهم تقدمة ولا منزلة عالية إلا للفرسان، ولا عندهم ناس إلا الفرسان، فهم أصحاب القضاء والرأي”.

اقرأ المقال من المصدر