رواية “الحرب تشرب الشاي في المقهى”.. سرديات متضاربة ومصير مشترك

“كان المقهى مكتظا بالزبائن؛ صخب وضجيج وحيوية. لاحظت أن الثورة السورية حاضرة على كل طاولة، بكل ما لها وما عليها. نقاش حاد هنا، وآخر هادئ هناك. نكات هنا، وضحك هناك. صبايا وشباب ذاقوا مرارة التهجير، ويبحثون عن وطن بديل يأويهم”.

بهذه الكلمات يصف أمير (راوي وشخصية) المقهى الذي يجمع شتات السوريين في مدينة إسطنبول بتركيا -الدولة الأكثر استقبالا للاجئين السوريين- والذي سيكون مسرحا للأحداث في رواية “الحرب تشرب الشاي في المقهى” للروائي السوري منصور المنصور.

يناقش الروائي في روايته -الممتدة إلى 230 صفحة من القطع المتوسط- مجموعة من القضايا المرتبطة بالثورة والحرب السوريتين ولا سيما قضيتي الاغتراب واللجوء اللتين يعاني من آثارهما ما يزيد على 13 مليون سوري منذ اندلاع الثورة قبل 11 عاما.

ويلجأ المنصور في الرواية الصادرة عن دار سامح للدراسات والنشر (السويد) إلى أسلوب تعدّد الأصوات؛ فيعطي لكل شخصية مساحتها الخاصة لتعبر بضمير الأنا عن وجهة نظرها وموقفها ومشاعرها المختلفة حيال ما جرى خلال أعوام الثورة والحرب، ليكون القارئ بذلك أمام المشهد السوري مكتملا بسردياته المتشابهة حينا والمتضادة أحيانا.

الروائي منصور المنصور أصدر عدة روايات آخرها “الحرب تشرب الشاي في المقهى” (الجزيرة)

إسطنبول الوجهة والمحطة

في مقهى على أطراف مدينة إسطنبول التي احتضنت مئات الآلاف من اللاجئين وشكلت أيضا محطة على طريق لجوء ملايين السوريين باتجاه بلدان أوروبا الغربية، يجتمع أبطال روايتنا المحملون بمشاعر مختلطة حيال ما جرى معهم ومع أبناء شعبهم خلال سنوات الثورة والحرب، وبالرغم من أن جميعهم يقفون في صفّ الثورة (أو هكذا يُفترض) فإن لكل منهم موقفه الخاص منها، وبالتالي سرديته التي يحاول أن يتلوها علينا ويجعلها تعبّر عنه بوصفه نموذجا معاصرا لما شهده المجتمع السوري من تحولات ومخاضات خلال سنوات السلم والحرب.

تنفتح الرواية على صوت عارف -الطبيب القادم من مناطق سيطرة المعارضة في الغوطة الشرقية لدمشق- الذي تنصل من مسؤوليته كطبيب عندما احتدم الصراع في منطقته، وقرر الخروج من البلاد خوفا على نفسه وأمواله التي حرص على نقلها لتركيا لتتاح له ممارسة هوايات “الأيام الخوالي” في التسكع ومطاردة النساء وتصيّدهن.

بينما اتخذ أمير -طبيب و”صديق العمر” لعارف- قرارا بالبقاء في تلك المناطق لمداواة المدنيين وجرحى الثورة ضمن مستشفى ميداني، غير أنه اضطر للخروج أخيرا بعد أن استهدف منزله ببرميل متفجر فأودى بحياة أفراد أسرته.

أما ندى -الناشطة في مجال إغاثة اللاجئين- فباتت وحيدة بعد أن قضى أفراد عائلتها هي الأخرى خلال سنوات الحرب وطلّقت من زوجها، فقصدت تركيا بغرض دعم اللاجئين ومساندة النساء والدفاع عن حقوقهن.

وهكذا تجمع الأقدار الأصدقاء القدامى مجددا في مدينة إسطنبول ومعهم منى -الأرملة الأربعينية- لتبدأ بذلك الأحداث الفعلية للرواية خاصة مع إعجاب منى (صاحبة المقهى) بأمير لنراها حائرة بين “نارين”؛ نار الإخلاص لزوجها الشهيد، ونار حبها للطبيب الشاب الذي بذل كل ما يملك في سبيل ثورة الشعب.

أثر الذات ونموذج المرأة السورية

وتمثل هذه الشخصيات الأربع نماذج لسوريين أراد منصور المنصور تسليط الضوء عليها في سياق الثورة واللجوء، والقذف بها إلى حيز المتخيل لتقدم للقارئ -إلى جانب سيرتها- تأملا عميقا في التأثير الذي تحدثه الذات، بما يمكن أن تنطوي عليه من فردانية وأنانية أو صدق ونُبل، في مسار الأحداث ومصائر البشر لا سيما حين تكون كل الأشياء على المحكّ كما هي الحال مع أبطالنا عندما كانوا في غوطة دمشق ثم في محطة لجوئهم إسطنبول.

فعلى الرغم من أن كليهما يُفترض أنه يقف إلى صفّ الثورة، نجد التناقض واضحا بين شخصيتي أمير وعارف، الأخير الذي أراد النجاة بأمواله في أحلك الظروف رغم حاجة الناس إليه، ثم استغلال النساء اللواتي هاجرن مضطرات جنسيا وعاطفيا، وصولا إلى ازدواجية موقفه من الثورة التي يحمّلها في حينٍ وزر ما حدث مع السوريين من موت وتهجير بينما يقف في أحيان إلى صفها لأغراض اعتبارية و”ذكورية” تصب في صالحه.

في حين أن أمير يمثل نموذج الإنسان الطيّب والشجاع القادر على تجاوز أناه الفردية لصالح المجموع عندما تقتضي الحاجة، فنجده ملتزما بموقفه من الثورة داخل البلاد وخارجها رغم كل الخسارات التي مُني بها بدءًا بمنزله ونهاية مع وفاة جميع أفراد أسرته.

ومع سير الأحداث، يبدو قرار ندى بهجران عارف الذي لا يفكر إلا باستغلالها، وارتباط منى بأمير الذي أحبها وشكل رمز الحماية لها ولابنها، كبوصلة أخلاقية أراد من خلالها الروائي الإيحاء للقارئ بأن شخصية كعارف لا بد من أن تخسر رغم نجاتها بروحها ومالها، وأن شخصية كأمير لا بد من أن ينصفها القدر رغم كل الخسارات المعنوية والمادية التي مُنيت بها في سبيل الحرية.

أمّا الشخصيات النسائية (منى وندى) فأراد لها الروائي أن تعبّر عن نموذج المرأة السورية “المتمردة بطبيعتها على الرغم من التقاليد والعادات وكل ما مرت به من ظروف خلال الحرب” كما يقول المنصور في حديثه للجزيرة نت.

ويضيف “نلاحظ أن روح التمرد لدى ندى جلية منذ كانت في دمشق، أما منى -مع أنها أقل عنفوانا وجنوحا من ندى- لكنها شخصية استطاعت التعبير عن نفسها وقفزت قفزة نوعية ساعة وقعت بحب أمير. ويمكننا القول إنني حاولت بلورة صورة المرأة السورية بشكل إيجابي، فهي ليست المرأة الخانعة تحت كنف الزوج والأب، بل هي المرأة العاملة، المستقلة والناشطة حقوقيا”.

فضاء المقهى.. مصير مشترك

وربما أكثر ما يميز رواية “الحرب تشرب الشاي في المقهى” الجهد الاستثنائي لكاتبها في اشتغاله على الفضاء الذي يجمع شخوصه؛ حيث يشكل “مقهى منى” فسحة واسعة تسمح لنا بالتعرف إلى نماذج مختلفة من السوريين المهجرين وإلى قصصهم وتجاربهم ومآسيهم وأحلامهم وهواجسهم، فنراهم غير قادرين على الانفكاك والانسلاخ عن عالمهم القديم في وطنهم الأم سوريا، وهو ما يجعل المقهى مكانا مولدا لشعرية خاصة تسبح بشخوصها في بحر حنين إلى البلاد، لتجمع بينهم هموم الثورة والاغتراب وتفرقهم أشياء أخرى كثيرة.

وليس المقهى في الرواية مجرد فضاء حنين يجذب إليه الناس، بل أيضا هو مكان إقامة مؤقت واختزال لإمكانيات عديدة؛ فإما الهروب باتجاه أوروبا أو العودة إلى سوريا، إنه مرصد يُنظر من خلاله إلى عالم يندثر وآخر يبزغ، فنرى ندى وعارف وصديقيهما كريم وفيصل يقع خيارهم على المقهى دائما للقاء المهربين والبحث عن طريق يعبرون من خلاله إلى أوروبا كحال غالبية رواده.

بينما يقول منصور المنصور عن المقهى في روايته “إنه مكان يتبادل فيه السوريون همومهم، سوريا دائما حاضرة، الصراعات حاضرة، وفيه نرى نماذج متعددة من السوريين، يفردون فيه طموحاتهم وأحلامهم لفترة من الزمن قبل مغادرتهم مدينة إسطنبول إلى وجهتهم الجديدة”.

ومن جهة أخرى، يجسد المقهى نبعا لا ينضب من الحكايات، حيث تجمع بين رواده أواصر عميقة تنفتح على الماضي والحاضر والمستقبل في آن؛ فهو المكان الذي يجتمع تحت سقفه أصدقاء الماضي ويكون شاهدا على صراعاتهم سواء أكانت سياسية أم عاطفية أم اجتماعية، وهو المكان الذي يؤمن الرزق لبطلينا (منى وأمير) اللذين يخططان للزواج ويتدارسان احتمالاتهما حول المستقبل القريب والبعيد.

وفي الصفحات الأخيرة من العمل يلتهم حريق هائل المقهى مخلّفا حسرة وحزنا عظيمين في قلوب أبطالنا، فلقد اقترن هذا المكان رمزيا بما تمثله إسطنبول كوجهة آمنة ومحطة راحة وتخطيط، وبعلاقات الود والحميمية التي تجمع رواده.

ومن هنا لا يجد الأصدقاء من سبيل للحياة مجددا في إسطنبول، فيحددون موعدا نهائيا للسفر عبر البحر مخاطرين بأرواحهم في سبيل الوصول إلى بر الأمان.

وعلى مستوى الدلالة يبدو احتراق المقهى مجازا لاحتراق البلد الأم سوريا، وهجرة الأصدقاء من إسطنبول كهجرتهم من منطقة الغوطة الشرقية لدمشق، وقد يكون للأسباب ذاتها: الصراع الداخلي، والمكيدة، وانعدام الوعي بحجم ارتباط مصلحة الفرد بمصلحة الجماعة.

وبالرغم من أن رغبة الروائي كانت “تسليط الضوء على شرائح مختلفة من المجتمع السوري كعارف رمادي الطيف والذي على الرغم من رماديته مُني بخسارات عديدة مقابل أمير الشاب الثائر، والسيدتين (منى وندى) اللتين على الرغم من اختلافهما قررتا التمرد على كل عرف وتقليد”.

غير أنه آثر أن يجمع هذه الشخوص -مع انغلاق الرواية- على متن مركب واحد متجه نحو الشواطئ اليونانية، قاصدا تجاهل الصراعات القائمة بينهم ومؤكدا على وحدة مصائرهم كـ”لاجئين هاربين من الحرب لدوافع وأسباب معينة”.

تعدّد الأصوات

وركن الكاتب على مستوى الخطاب الروائي إلى أسلوب تعدد الأصوات، فكانت لكل من ندى ومنى وعارف وأمير مساحاتهم الخطابية المستقلة التي ينسجونها بأصواتهم ليعبّروا من خلالها عن مواقفهم وآرائهم ومشاعرهم المتباينة.

وسمح هذا الأسلوب للروائي بأن يزيل كل الحواجز بين القارئ وشخوصه، بينما يقف هو موقف الحياد فلا ينحاز ولا يختار من بين توجهاتهم ما يلائمه، بل يمتحنها جميعها ويشاركها ويعرف كل حدودها من موقعه ذاك، فيتيح للقارئ حرية التأمل والحكم على الشخوص وأفكارها وقراراتها المختلفة.

وعن اختياره لهذا الأسلوب يقول منصور المنصور “إن ضمير المتكلم يمنح العمل نوعا من المصداقية والواقعية، فيتوحد الكاتب مع كل بطل على حدة حتى يصبح كل فصل من العمل أشبه بسيرة ذاتية، لقد أعطيت الـ أنا في الرواية لـ4 شخوص تختلف كل منها عن الأخرى، وبذلت جهدا كبيرا في صياغة وصناعة الصوتين النسائيين تحديدا، إنه عمل ممتع لكنه شائك وصعب”.

وقد تمكن المنصور -بركونه إلى تقنية تعدد الأصوات- من أن يخلق لكل شخصية مجالا ونطاقا خاصا بها، أكسبها صفات جعلتها مميزة ومتفردة عن غيرها من الشخصيات، ليوفر للقارئ إطلالة على مجمل المواقف السياسية والأخلاقية التي اتخذها السوريون إزاء ما حدث في بلادهم خلال 11 عاما من الثورة والحرب.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه