“سيلفي الحرب”.. ركض وراء الخبر والأمل في يوميات مراسل ميداني

0

صدرت مؤخرا عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، باكورة الأعمال الورقية للصحفي اليمني محمد القاضي، مراسل شبكة الجزيرة في اليمن، تحت عنوان “سيلفي الحرب”.

وجاء الكتاب في 219 صفحة من القطع المتوسط، وتضمن أحداثا وقصصا ملحمية ومواقف ومشاهد حية شهدها وعاشها المؤلف في يومياته أثناء تغطيته الميدانية للحرب بين عامي 2014 و2017.

وكان المؤلف دقيقا في اختيار عنوان الكتاب، لأن ما تضمنه من أحداث كان لصيقا بمعظمها، وقد أوضح في مقدمته أن صور السيلفي كانت مطلب المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها دليلا على صحة الأخبار التي ينقلها المراسل عن جبهات تختلف بشأنها الروايات.

مشاهد يومية

وقد أشار المؤلف في المقدمة إلى أن ما دونه في الكتاب هو “بعض من المشاهد اليومية للحرب” من الزاوية التي كان يقف عليها، موضحا الصعوبات التي واجهها خلال كتابته عن وطنه المثخن بالجراح وهو يتجه نحو مزيد من الخراب والدمار والآلام والأحزان وصراخ الأطفال ونحيب الثكالى.

ولسنا هنا بصدد عرض كتاب تقليدي مؤلف من أبواب وفصول ولغة أكاديمية، وإنما مجموعة من القصص أشبه بمسلسل ملحمي مؤلف من 75 حلقة، يقدم صورة مكثفة ومختزلة لكل جوانب الحرب التي أعقبت سيطرة الحوثيين على صنعاء وما أفرزته من تداعيات على معيشة وحياة اليمنيين بمختلف مستوياتهم وفئاتهم العمرية ومكوناتهم السياسية والفكرية والدينية.

وفي إطار الصورة الكبيرة للحرب، استطاع الكاتب أن ينقل لنا سلسلة معارك جزئية داخلها بطريقة سلسة ومتماسكة، ومنها معاركه للقيام بعمله والبقاء على قيد الحياة، ومعاركه لإنقاذ أسرته من مرمى النيران، ومعارك أخرى لصحفيين وسكان ومواطنين يجاهدون للنجاة بحياتهم وحياة أحبابهم.

كتاب “سيلفي الحرب” صدر حديثا عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر (الجزيرة)

معارك متسارعة

وكان المؤلف قد اعتبر أن ما كان يقوم به لمواكبة تفاصيل الحرب وتطوراتها المتسارعة بمثابة “معركة” غالبا ما كان يحسمها بتزويد المتابعين بالأخبار العاجلة والصور الحصرية والخاصة، وخلال تلك السنوات، يظهر أنه خاض معركتين رئيسيتين انتهت كل جولة منهما بإزاحته قسريا إلى خارج البلاد هربا من الموت أو الاختطاف، وتخللهما معارك فرعية كانت تضطره للتنقل بين المدن اليمنية شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وقد نجا من موت محقق عدة مرات في أثناء عمله.

ولم يقتصر على توثيق جوانب مهمة من الأحداث الدراماتيكية لسقوط المدن اليمنية، واحدة تلو أخرى في قبضة المجموعات المسلحة؛ لدرجة أن الصحفي لم يعد يجد له موطئ قدم على امتداد جغرافيا وطنه ليمارس عمله، بل أيضا سلط الضوء على مواقف الأمم المتحدة والدول الفاعلة والمعنية بملف اليمن، وقدم صورة واسعة وواضحة لخلافات القوى السياسية اليمنية.

وتبدأ أحداث الصراع في الكتاب من “تلاشي الحلم” في 21 سبتمبر/أيلول 2014، حينما اجتاح الحوثيون العاصمة اليمنية صنعاء، بقوة السلاح، وانتشر مسلحوها في أحياء المدينة وشوارعها، وساد الخوف والرعب في أوساط السكان.

وفي خضم هذه الأحداث وجد الصحفيون أنفسهم هدفا مباشرا للمسلحين، وقد نجا القاضي وأحد مصوريه من الاختطاف في أثناء تغطيتهما لمظاهرة وسط صنعاء، كانت بمثابة محاولة شعبية أخيرة لمناشدة العالم ورعاة التسوية السياسية التي أعقبت ثورة الشباب السلمية 2011، لمنع انهيار الدولة اليمنية وسقوط البلاد في الفوضى الدامية.

مغادرة “آخر القلاع”

ووثق الكتاب لحظات سقوط “آخر القلاع” في العاصمة صنعاء حينما هاجمت المليشيات الحوثية في 19 يناير/كانون الثاني 2015 دار الرئاسة ومعسكر النهدين (جنوب)، بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وحينها كان الصحفي القاضي بين مهمتين؛ إنقاذ أسرته التي تسكن جوار قصر بات في مرمى النيران، ومهمة تغطية الأحداث ونقلها للعالم، وكل واحدة منهما أخطر من الأخرى.

ويسرد الكتاب مشاهد الرعب، التي التقطها القاضي وهو ينقذ أسرته، لمجاميع متفرقة من مختلف الأعمار وهم يهيمون على وجوههم في الشوارع هربا من الموت وفي حالة من الفزع والخوف، وكان ذلك المشهد الأخير قبل أن تنتقل بعدها دائرة الحرب الدامية إلى مناطق أخرى من خارطة اليمن.

واستطاع الكاتب أن يضع القارئ العادي -سواء كان يمنيا أم أجنبيا- أمام الصورة الكاملة لحقيقة ما جرى ويجري في اليمن، حتى مغادرته للبلاد مكرها في أغسطس/آب 2016، في سلسلة طويلة من الأحداث والمواقف والمشاهد المحزنة والمفرحة والمضحكة والمخضبة بالآلام والآمال.

وتناول الكتاب فرار رئيس البلاد من قبضة الحوثيين في صنعاء إلى منزله بمنطقة العريش في مدينة عدن في 21 فبراير/شباط 2015، وفراره منها مرة أخرى أمام زحف المليشيات وتحت ضرباتها الجوية إلى سلطنة عمان ومنها إلى السعودية في 26 مارس/آذار 2015، مقدما خلاصة أول 100 يوم من انطلاق “عاصفة الحزم” بقيادة السعودية عشية ذلك اليوم.

الريف اليمني

وقدم الكتاب صورا حية وفريدة للأرياف اليمنية وهي ترزح تحت ضغط النزوح إليها من المدن التي اجتاحتها المليشيات، والضغط النفسي الذي يعيشه الأهالي وهم يترقبون مداهمة منازلهم بحثا عن الفارين من قبضة تلك المليشيات. وصورا أخرى لفرحة أبناء عدن بعد تحرير مدينتهم وآمالهم العريضة بعودة الكهرباء والمياه قبل أن تتحول إلى خيبة أمل ونكبة ضاعفتها الفوضى الأمنية والسلاح المنفلت.

كما قدم الكاتب عرضا موجزا وشيقا لخارطة العمليات العسكرية التي أطلقها الجيش والمقاومة من أطراف مدينة مارب، غربا وصولا إلى مدينة صرواح وجنوبا وصولا إلى تحرير مدينة حريب وثم بيحان في محافظة شبوة، ومن الجهة الشمالية الغربية وصولا إلى مديرية نهم شرقي صنعاء، وشمالا وصولا إلى مدينة الحزم عاصمة محافظة الجوف، وإلى الغيل ثاني أهم مديرية فيها. ناقلا صعوبة التضاريس وصلابة الجنود وجسارة القادة وتضحيات القبائل والتحام المجتمع بالجيش، ونشوة الجميع بالانتصارات وأحزانهم في الانكسارات وخسارة الأبطال والقادة الكبار.

وإنسانيا كان القاضي من أول الشهود على حصار الحوثيين لمدينة تعز، وعلى معاناة أهالي عدن، واستطاع أن يلتقط مشهدا نادرا لأبشع مجزرة ارتكبها الحوثيون في مرفأ التواهي، ويعرض صورا حية لمعاناة المهجرين والنازحين في مارب، ومعاناة المسافرين عبر طريق العبر الدولي، وعن لعبة الموت التي أفقدت الطفلة “مينا” قدمها اليمنى، وقتلت شقيقها الأصغر وأصابت والدها ووالدتها وشقيقتها وشقيقها.

صورة حية

وبشيء من التفصيل، قدم الكتاب صورة حية وحقيقية للمخاطر الجسيمة التي يعيشها الصحفيون في اليمن، سواء من خلال روايته للمواقف المميتة التي تعرض لها والمعاناة التي قاساها وأسرته، أو معاناة الصحفيين الآخرين الذين تعتبرهم المليشيات أعداء ولا تتردد في الفتك بهم.

وفي النهاية، غادر الكاتب مسرح المعركة تاركا خلفه قوافل الحزن وفصولا متوالية من الأحداث الدامية، وهو ما يشير إلى أننا في انتظار جزء أو أجزاء جديدة من “سيلفيهات” الصحفي القاضي عن يومياته وشهاداته على الأحداث التي ما تزال مجرياتها مستمرة حتى الآن.

وبعد هذا الركض الطويل لتغطية الأحداث الساخنة متنقلا بين المدن اليمنية، يقول القاضي إنه اكتشف أن الخبر لم يكن وحده “الهدف والغاية” بقدر ما كان يبحث ويركض “وراء الخبر والأمل معا؛ الأمل في لقاء الأحباب، والعودة إلى الديار، وتحقيق الحلم؛ حلم الدولة العادلة والضامنة للحياة الآمنة والعيش الكريم”.

وما يميز الكتاب أن مؤلفه أحد أبناء البلد، وهو الشاهد على الحرب وضحيتها، وهذا نادرا ما يكون في كتب المراسلين الميدانيين الذين دونوا شهاداتهم عن حروب متفرقة حول العالم شاركوا في تغطيتها كموفدين.

وما يزيد من قيمة مضمونه استناد المؤلف على وثائق مصورة ومواقف عايشها ووقف عليها بنفسه وأحاط بكل تفاصيلها انطلاقا من وجوده في موقف الحدث وخبرته الطويلة وعلاقاته الواسعة بالمسؤولين والفاعلين، ومتابعته اللصيقة للأحداث من بدايتها.

اقرأ المقال من المصدر

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق