“لقلق النبي يونس”.. رواية محاكمة غيبيات التاريخ في مدينة الكوفة

0

في روايته الجديدة التي حملت عنوان “لقلق النبي يونس ومخطوطة التاريخ الآخر” يلعب الروائي محمود جاسم عثمان النعيمي على موضوع الانتظار ومحاولة استدراج تاريخ شهدته مدينة الكوفة، مناقشا كذب وصدق ما روي من أحداث عبر إيجاد صوت افتراضي يحوله إلى محاكمة عكسية من الحاضر إلى الماضي، عن الغيبيات والأقوال غير المنطقية.

النعيمي في هذه الرواية يريد أيضا الكشف عن وهم الحب عبر انتظار البطل الإشكالي، من خلال وجود أمل يريده أن يكون حاضرا لتغيير المسارات، سواء منها الواقعية أو التاريخية، فما قصة طائر اللقلق؟

العقل والأساطير

محمود جاسم عثمان النعيمي المولود عام 1949 ضابط متقاعد في الشرطة العراقية وحاصل على بكالوريوس كلية القانون والسياسة ويشغل حاليا رئيس اتحاد أدباء النجف، وأصدر روايات “حي السعد” (2009) و”انكشف عن حجر الصوّان” (2015) و”الآسرة وخاصرة التفاح” (2018).

محمود النعيمي: اللقلق حقيقة واقعة، وقد اتخذ له مكانا فوق منارة مقام النبي يونس في مدينة الكوفة (الجزيرة)

النعيمي يقول إن “الكتابة مهمة صعبة كونها في هذا الزمان تحدّ كبير وهي جملة قالها بطل الرواية”، معتبرا أن اللقلق “حقيقة واقعة وقد اتّخذ له مكانا فوق منارة مقام النبي يونس في مدينة الكوفة، ومكانه في المسجد جعل الناس البسطاء ينسجون حوله الأقوال والخرافات، منها أنه لقلق مبارك، وخصوصا عند النساء اللواتي كن يقدمن النذور عن طيب خاطر”.

ويرى النعيمي أن بطل الرواية -وهو أستاذ جامعي- “يمثل الطرف المقابل والمضاد للوعي وتحكيم العقل”، وجعله الروائي “يخوض صراعات مريرة مع المجتمع من أجل تحكيم العقل والمنطق في تفسير الظواهر الاجتماعية والتاريخية ولكن من دون جدوى”، ويرى أن البطل واجه “بعض رجال الدين كونهم ضد حركة المجتمع نحو الأمام، والإبقاء على التفسير العقيم للمرويات التاريخية”، لكن البطل يشعر بالخذلان كون اللقلق كانت نهايته على “يد مربّي الحمام (المطيرجية) حيث قاموا بذبحه ولم يكن على يد المفكّرين ولا رجال التنوير لصعوبة زحزحة الأسطورة”، وفق رواية النعيمي.

ويمضي الروائي بالحديث عن الفكرة وتشعباتها بقوله إن “البطل كان مشجعا للتظاهرات ضدّ ما حصل بعد الغزو الأميركي وخاصة تظاهرات تشرين، كما عاش قصة حب من طرف واحد تخيّلها داخل نفسه، وكان ينتظر حبيبته كانتظار غودو (مسرحية الكاتب الأيرلندي صامويل بيكيت) والرواية تمنح الموت للبطل دون تحقيق حلمه بالتغييرات الاجتماعية أو الحب أو التغيير السياسي”، فهي كما يقول “صراع العقل المثقف مع الأساطير غير المفهومة التي تغلغلت في المجتمع”.

العبث والانتظار

وقد أصدر النعيمي مجموعته القصصية “تداعيات فتى مراهق” (2011) وكتبا في النقد والتاريخ، منها “معجم كتّاب القصة في النجف الأشرف” (2011). و”عبد الحسين الشيخ جعفر محبوبه – رحلة قلم” (2014)، و”القصة في النجف الأشرف النشأة والتطور” (2020).

وتقول الناقدة أشواق النعيمي إن “عبث الانتظار هي ثيمة النص الموازية في استدراج نوافذ التاريخ المطلّة على أزقة الكوفة” باعتبار أنه المكان المختار وله دلالة كبيرة من خلال صوت “افتراضي يدافع عن نفسه بحدة فينحاز الحوار إلى أسلوب المحاكمة العكسية التي أُجبر فيها التاريخ محاوره على الاحتكام إلى العقل”.

أشواق النعيمي: الرواية تحاول النهوض بالمقارنة الجدلية بين ماضي وحاضر المكان (الجزيرة)

وتقول أشواق النعيمي إن الروائي ترك سؤالا في المتن “لماذا تخلّت النخبة المستنيرة التي تؤمن بالعقل عن دورها التاريخي، وتركت زمام الأمور؟” وتعتقد أنه سؤال المحور، حيث البطل -وفق الرواية- “يستدعي الصور المتسلسلة في محتواها بعض أزقة الكوفة ودكاكينها وأعيانها، كما تعمل صورة الأب التي توسطت جدار الغرفة كجهاز عرض سينمائي يبثّ مشاهد استرجاعية طويلة ارتبطت بحياة الأب ودارت أحداثها وسط المجتمع الشعبي الكوفي آنذاك”؛ بمعنى أن النص يحاول “النهوض بالمقارنة الجدلية بين ماضي وحاضر المكان”، ولذا فإن موت اللقلق “بداية نهاية الأسطورة وانحسارها لصالح الحقائق”.

 أسلوب نجيب محفوظ

ويحدد الناقد عبد الله الميالي 4 صور لوجوه بطل الرواية، الأولى أنه “العاشق الولهان الذي يحتفظ في ذاكرته بمشهد رؤيته لفتاة سرقت لُبّه” والثانية أنه “أستاذ الفلسفة والأستاذ الجامعي والمفكر والمؤلف الذي يحمل نقدا لاذعا لمجتمعه ولتراكمات التاريخ والماضي” وثالث الصور أنه “المشارك باندفاع في احتجاجات وتظاهرات وكأنه قطبها، رغم إعاقته بسبب حادث تعرّض له في طريقه إلى بغداد جعله قعيد كرسي متحرك”.

الميالي: أسلوب الروائي يشبه أسلوب نجيب محفوظ في توظيفه للحارات والأزقة والأماكن الشعبية (الجزيرة)

والصورة الرابعة أنه “العاشق لمدينته (الكوفة) كما هي بتاريخها وبيئتها ومجتمعها وماضيها وحاضرها وإرثها، باحثا لها عن قراءات معاصرة جديدة تختلف عن الرؤية التقليدية”، ويرى أن الروائي أحسن “الوصف لمدينة الكوفة بلغة وصلت إلى الشاعرية أحيانا”، ويصف أسلوبه بالكتابة التي تشبه “أسلوب نجيب محفوظ في توظيفه للحارات والأزقة والأماكن الشعبية”.

العقل والتنوير

اما الناقد حميد الحريزي فيرى أن الرواية استعرضت “الوضع السياسي في العراق عموما، مثلما تناولت دخول الأفكار السياسية المختلفة إلى العراق، وإلى الكوفة تحديدا، بعد الحرب العالمية الثانية مثل أفكار الشيوعيين والبعثيين والقوميين، كونها محظورة من السلطات الحاكمة في العهد الملكي”.

الحريزي: الروائي يأخذ قارئه عبر جولات بطله وهو يدعو إلى العقل والتنوير (الجزيرة)

ويؤكد الحريزي أن الروائي “يأخذ قارئه عبر جولات بطله وهو يدعو إلى العقل والتنوير أيام الطفولة والصبا والشباب والنضوج، في شوارع ومحلات وأسواق وبيوت المدينة وبساتينها، حيث شارع السكة، ومسجد النبي يونس، والجسر ومراحل تطوره وتاريخ إنشائه، ومعمار الدار الكوفية، وتربية الطيور، وأنواع لعب ولهو الأطفال الشعبية المختلفة”.

ويؤكد أن الروائي “أحكم سيطرته على حبكة الرواية، وأمسك بخيوط السرد الممتع وفيها موائد غنية بالفكر الحر والعقلانية والتفكر”.

اقرأ المقال من المصدر

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق