وليد سيف: الشعب الفلسطيني أكثر تمسكا بحقوقه والعدوان رسخ مركزية القضية

163

يرى الأكاديمي والكاتب الدرامي الفلسطيني وليد سيف أن وسائل الاتصال الحديثة قد أسهمت إسهاما عظيما في “كسر حواجز الإعلام الصهيوني والمتصهين، فوصلت إلى قاعدة عريضة كانت محجوبة عن الحقائق وعن السردية الفلسطينية، ومحكومة بالصور النمطية المضللة”.

ويعتبر الناقد والأديب -الذي يعد من أبرز مؤلفي الدراما التاريخية في الوطن العربي، بأعماله الكبيرة “التغريبة الفلسطينية” و”عمر” و”الخنساء” و”صلاح الدين” و”ربيع قرطبة” و”صقر قريش” وغيرها- أن ثورة الاتصالات الحديثة قد كسرت حاجز الاحتكار الإعلامي والرسمي للسرديات ولكن ينبغي، في رأيه، “أن نبني على هذا التغيير بالعمل المؤسسي الشعبي”.

ويرفض سيف -في حواره مع الجزيرة نت- المفاضلة بين التدوين التاريخي والتدوين الأدبي، لكنه يرى في الوقت ذاته أن النص الأدبي إذا ارتقى إلى المستوى العالمي المنشود أعمق أثرا وديمومة، فإلى الحوار:

  • هل تشكل عملية الأقصى استمرارا لنكبة وتغريبة فلسطين أم تغييرا في مسارها، وكيف تقرأ مستقبل القضية الفلسطينية؟

تعرضت القضية الفلسطينية منذ النكبة لتقلبات كثيرة على الصعيدين السياسي والعسكري، ولكن الثابت فيها أن الشعب الفلسطيني بجملته لم ينس قضيته كما راهن زعماء الحركة الصهيونية، ولم يتوقف كفاحه ورفضه المعنوي والعملي الدؤوب لكل المحاولات الرامية إلى تصفية القضية وطمس الهوية.

بل هو الآن، وبعد 75 عاما على النكبة، أكثر تمسكا بحقوقه الوطنية المشروعة وأكثر استعدادا للتضحية والكفاح في سبيلها وتطوير أدوات النضال والمقاومة.

والثابت الثاني، في المقابل، هو تصاعد العنف الصهيوني والتطرف في الاتجاهات السياسية. فالاستجابة الفلسطينية تتناسب مع تصاعد التحدي الصهيوني.

والثابت الثالث هو التواطؤ الرسمي الغربي الاستعماري والدعم الإستراتيجي غير المشروط للكيان الصهيوني.

والثابت الرابع هو استمرار العجز العربي الرسمي الذي يتراوح بين التخاذل والتواطؤ، على أن العدوان الهمجي الأخير على غزة قد أحدث تغييرا غير مسبوق على صعيد التعاطف الشعبي الدولي مع الحقوق الوطنية الفلسطينية، وربما امتد إلى بعض الجهات الرسمية التي أدركت أن السياسات الصهيونية العدوانية ذات كلفة عالية على المجتمع الدولي، وعلى الأمن الإقليمي والدولي معا.

كما أسهم بقدر كبير في كسر احتكار الإعلام الغربي المتحيز للرواية الصهيونية، مما أدى إلى توسيع دائرة الوعي العام بحقائق القضية والمظالم الفادحة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني عبر 75 سنة، ووضع الأحداث الراهنة في سياقها التاريخي الطويل.

يضاف إلى ذلك أن هذا العدوان الهمجي الغاشم قد أعاد القضية إلى موضعها المركزي على المستويين الإقليمي والدولي، وكل هذه مكاسب حقيقية لا ينبغي التقليل منها.

وإذا أحسنا استثمارها وتطويرها، فيمكن أن تنتهي إلى تغييرات إيجابية في مصلحة القضية. وفي ضوء هذه الاعتبارات والقراءات، فإن القضية ليس لها غير مسار واحد مهما تكن التقلبات الفرعية، وهو المسار الذي يؤدي إلى تحقيق العدالة والحقوق الوطنية والإنسانية للشعب الفلسطيني.

  • ما الذي جعل الرواية الفلسطينية تخترق حواجز المنع والخطر عربيا وغربيا؟ هل لأن الشعب الفلسطيني كان ضحية للسيطرة العالمية أم لأنه مقاوم لها؟

لا شك في أن وسائل الاتصال الحديثة قد أسهمت إسهاما عظيما في كسر حواجز الإعلام الصهيوني والمتصهين. فوصلت إلى قاعدة عريضة كانت محجوبة عن الحقائق وعن السردية الفلسطينية، ومحكومة بالصور النمطية المضللة عن العرب والمسلمين عامة وعن الشعب الفلسطيني وقضيته خاصة.

وفي تقديري أن الصورة المتحصلة تجمع بحق بين عذابات الضحية وصمود المقاومة معا في وجه أعتى أشكال العنف الصهيوني، فما الذي يدعو شعبا إلى كل هذه التضحيات الباهظة غير جملة الحصارات والمظالم التي لا تترك له خيارا غير المقاومة: الحرية، أو الموت. فالإنسان بطبعه لا ينفجر مقاوما ومضحيا على النحو الذي شهده العالم إلا حين يدرك أنه لا يملك بعد ما يخسره.

  • هنالك شغف شعبي عربي برموز طوفان الأقصى تقابله تحركات حكومية في الغرب قبل العالم العربي ضد هذا الشغف والانتشار، هل يمكن للسيطرة الأمنية والإعلامية أن تنسي الشعوب طوفان الأقصى وتأثيراته؟

كما ذكرت آنفا، فإن ثورة الاتصالات الحديثة قد كسرت حاجز الاحتكار الإعلامي والرسمي للسرديات ولكن ينبغي، في رأيي، أن نبني على هذا التغيير بالعمل المؤسسي الشعبي الذي يقطع حدود المجتمعات للحفاظ على زخم الدعم الشعبي وتطويره ليصير قوة سياسية فاعلة تراكم الضغوط على المؤسسة الرسمية مع تنامي الوعي بأن السياسات الصهيونية تهدد أيضا المصالح الإستراتيجية والأمنية للعالم بأسره، وأن الشعوب الغربية نفسها تدفع جزءا مهما من تكاليفها المادية والسياسية والأمنية. وعلى كل حال، فإن كفاح الشعب الفلسطيني منذ النكبة حتى الآن كفيل بإشعال الذاكرة فلا ينسى العالم حتى ننسى، ولن ننسى.

  • ما الذي أثار انتباهك في عملية الطوفان إلى الآن، وترى أنه يجب الكتابة عنه والحفاظ عليه؟

كله يدفع إلى التفكير والتأمل والنشاط والتفاعل، والكتابة على المستويات العاطفية والإنسانية والسياسية، بل الفلسفية أيضا. والمقام لا يسمح هنا باستعراضها جميعا، ولكن من الأمور المهمة التي تتعلق بالموضوع إثارة الوعي والتفكير في مجمل الحضارة الغربية ورؤيتها للآخر المختلف، وما تنطوي عليه من نزعات العنف والازدواجية بين المبادئ والقيم الإنسانية الكونية المعلنة وبين الممارسات العملية، وتحكم فكرة المركزية الغربية التي ترى الآخر أقل إنسانية من الإنسان الأوروبي الأبيض.

وبعد أن كانت هذه أسئلة فكرية فلسفية تنحصر في النخب الثقافية والفكرية، فقد اتسع الآن نطاق التفكير فيها ونقدها وتفكيكها. وأدت إلى إحراج شطر كبير من طبقة الليبراليين الجدد في عالمنا العربي وهم المستغربون المستلبون للمركز الغربي الذين يسوقون التبعية له، وتقمص ثقافته الاجتماعية، شرطا للتقدم.

فإذا كانت الأحداث الراهنة قد وسعت الوعي بالقضية الفلسطينية وحقوق شعبها، فقد وسعت الوعي بالواقع الاستعماري الغربي وخطاباته والعلاقة الشرطية بينه وبين الكيان الصهيوني الذي يراه امتدادا له في حيز حضاري مختلف متهم بالتخلف والإرهاب ومعاداة القيم الحضارية الغربية التي يلقي عليها المركز الغربي قيمة كونية مطلقة، وفي المقابل أيضا أبرزت الأحداث الأخيرة العلاقة الشرطية بين مطلب التحرر الفلسطيني ومطلب التحرر والنهوض العربيين، وبذلك أُعيد الاعتبار لفكرة العمق العربي الإسلامي للقضية الفلسطينية بوصفها القضية المركزية التي تأتلف عليها المطالب العربية الأخرى.

وأكرر هنا ما قلته في غير موضع ومناسبة ونص: إن الطغاة كانوا دائما شرطة الغزاة، والذي غلّ أيدي الشعب الفلسطيني في النكبة وما بعدها هو الذي غلّ أيدي العرب، وما زال يغلها منذ ذلك الحين، ليس هذا شعارا فكريا مجردا، وإنما هو حقيقة أكدها تاريخ القضية وتاريخ العرب الحديث في زمن الاستعمار المباشر وما بعده، ولكن يجب الاستدراك، فليس الغرب ماهية واحدة، فثمة نخب من المفكرين وقوى شعبية إلى جانبها تنحاز إلى الحقوق الإنسانية، وتشكل حليفا حقيقيا للمظلومين والمقهورين والمهمشين في داخل مجتمعاتهم وخارجها، فلا ينبغي أن تجرنا المواقف الغربية الرسمية والعامة حتى الآن إلى الانزلاق إلى فكرة صراع الحضارات، وهي الفكرة التي يعمل عليها الغرب الرسمي للتمويه على الجوانب الحقوقية للصراع.

  • لو قُدر لك كتابة سيناريو لفيلم غربي حول ما جرى خلال أشهر طوفان الأقصى، ما الذي ستنقله للمشاهد الغربي؟ وأي العينين أقوى تأثيرا وبقاء في نقل ما جرى: عين المؤرخ أم عين الأديب؟

القضية الفلسطينية معين لا ينضب للأعمال الأدبية والدرامية التي يمكن للمعالجة الراقية أن تنتقل فيها من الظرفي الخاص إلى الإنساني العام، لتلامس الشرط الإنساني على اختلاف الأمكنة والأزمنة. وتلك سمة الفنون والآداب المتميزة، ولا يسعني أن أعيّن اختيارات مخصوصة. ففي الآداب والفنون تتشابك الأبعاد والجوانب بين العاطفي العميق الذي يمس الوجدان الإنساني والفكري والسياسي والتاريخي، وفي مركزه الإنسان نفسه.

أما المفاضلة بين التدوين التاريخي والتدوين الأدبي فلا أراه مناسبا. فلكل شروط وغايات ووظائف، وإن تشابكت في كثير من الجوانب، ولكن يمكنني القول إن النص الأدبي إذا ارتقى إلى المستوى العالمي المنشود أعمق أثرا وديمومة، ويخاطب قاعدة أوسع من المتلقين، فهو يخاطب العقل والوجدان والذائقة الفنية معا، وأقدر على إقحام المتلقي في عالمه الداخلي، ومن شأنه أن يحول المادة التاريخية الجافة إلى مادة إنسانية مشخصة.

فتاريخ الصراعات ليس مجرد تاريخ وأرقام وحوادث عامة، وإنما يترجم إلى مآسٍ إنسانية، وإلى بشر من لحم ودم وأحلام وآمال وآلام وأسئلة وجودية واستجابات متفاوتة بين اليأس والأمل والانسحاب والمقاومة، وقد تجتمع هذه كلها في سيرة الإنسان الواحد.

  • هل ستعرض لكم أعمال درامية خلال شهر رمضان القادم أو الذي يليه؟

أنجزت كتابة نص درامي، وأعمل الآن على نص آخر سيكون عملا تاريخيا ضخما إن شاء الله. وأرجو العمل على تنفيذهما ليعرضا في رمضان العام التالي.

اقرأ المقال من المصدر