“الحريفة”.. اللعب النظيف في الفن السابع

96

على أعتاب صالة السينما، كان الاختيار صعبا بين أحد الأفلام العالمية على الشاشات العرض وفيلم مصري يحمل اسم “الحريفة”، بطولة وجوه شابة جديدة، قد تبدو مشاهدة الفيلم مغامرة، لكن بعد دقائق قليلة من بداية العرض تكتشف أنك ستعيش متعة خالصة في حالة سينمائية فريدة.

بعد دقائق عدة من مشاهدة أجواء باذخة لعائلة غنية، وتحديدا مع بداية ظهور “عمر” الطالب الذي يبدو طالبا طيبا في مدرسة “الأبطال الثانوية للبنين”، بدأ الضحك يسري في الحاضرين بالقاعة، ومع الدخول المفاجئ لباقي الشخصيات، تعيدك التفاصيل إلى ذكريات مدارس الثانوية العامة.

عادة تبدو تلك الأفلام القائمة على فكرة وجود “الشلة الفاسدة” في المدارس بتنوعها بين المسيطر والضائع والمتنمر، شباب يهربون من الحصص ويضربون الآخرين، معروفة النتائج حتى قبل أن تبدأ، لكن فيلم “الحريفة” اختار مؤلفه إياد صالح أن يأتي هذه المرة بحكايات مخالفة للتوقعات، بداية من البطل لاعب كرة القدم في أرقى نوادي العاصمة، الذي بدأ حياته غنيا ثم افتقر ليلعب في دوري الشوارع، وصولا إلى خيارات هذه الشلة المدرسية التي أعادتنا إلى القيم المصرية الأصيلة القائمة على الترابط والحماية، وليس على تأصيل الضياع و”الفهلوة”. أنت هنا في مباراة من نوع آخر اختار القائمون عليها الالتزام بخطة اللعب النظيف والرهان على موهوبين، يبحثون عن نجاح مرهون بالأداء وترك بصمة حقيقة.

حرفية صناعة النجوم

الفيلم يدور حول كرة القدم، خيار ذكي من القائمين على العمل، فمن لا يحب كرة القدم؟! تلك التي يجتمع على عشقها الناس من كل بقاع الأرض لتصنع لغة محكية عالمية في النصر والهزيمة. يحبها الغني والفقير، الكبير والصغير.

وها هي تجمع بين “ماجد” وهو اسم يرجعنا إلى ذلك العمل “الكرتوني” الطفولي الشهير”كابتن ماجد” وبين “ششتاوي” و”حتة” و”نصة” و”عمر” وأستاذ “شلش”، ولكل منهم قصة مغموسة بطعم “الجدعنة” المصرية. فهؤلاء الشباب لدى كل منهم نقطة تميز جعلته ماهرا في أداء دوره بامتياز، رغم كونها التجربة الأولى لأغلبهم.

نور النبوي الذي يجسد شخصية ماجد يتصدر ملصق الفيلم، بحجم أكبر قليلا من زملائه، ربما لأنه راكم قدرا من النجومية في أعمال تلفزيونية عدة خلال الأعوام السابقة مقارنة بزملائه، وربما لكونه بطل القصة، ورغم أن الجميع هنا كانوا أبطالا تماما كما في كرة القدم، إلا أن ذلك لا يمنع وجود هداف وكابتن للفريق، لكنه لا يستطيع أن يصنع هدفه وحيدا بل عليه أن يمرر الكرة، ويتلقاها ويتحين الوقت المناسب للتسديد. وهكذا نور النبوي، نال أول بطولة سينمائية وحقق نجاحا كبيرا في وقت قصير، رغم حمولة إرث ثقيل كونه ابن فنان شهير “خالد النبوي”، يحمل ملامحه الدقيقة، ولكنه ظهر بروح مختلفة وأداء بعيد عن تلك المساحة التي لعبها والده في أدواره.

أبطال فيلم “الحريفة” (من اليمين) نور النبوي (يسار) عبد الرحمن محمد (مواقع التواصل الاجتماعي)

أحمد غزي الذي جسد دور “الششتاوي”، ممثل شاب لديه قدرات متنوعة فهو يعرف إمكاناته جيدا، وكيف يظهر روحه من دون تكلف. لعب أدوارا عدة في أعمال تلفزيونية مصرية كدور “عثمان” في مسلسل “رسالة الإمام”، وشارك في مسلسل “ضرب نار” وفيلم “الاختيار 2 ” إلى جانب أعمال أخرى.

لم يكرر غزي دورا واحدا في مشاركاته التلفزيونية، بل قدم مساحات متنوعة ومختلفة وتميز في أدائها بين المدمن وابن البلد. وسبق زملاءه بخطوة مختلفة بمشاركته في مسلسلات بريطانية أهمها “التاج” The Crown بجزئه الخامس المعروض على منصة نتفليكس في دور عدنان خاشقجي شابا. وقدم في “الحريفة” صنعة متقنة لشخصية “ابن البلد” المسنود من عزوته وأهله، العارف بقيم الحارة وتبعات كونه مسؤولا رغم إخفاقه التعليمي وحبه للكرة.

مطرب “المهرجانات” أحمد خالد خميس الشهير بـ “كزبرة” الذي أدى شخصية “حتة”، كان اكتشاف هذا الفيلم، فرغم كونها المرة الأولى التي يمثل فيها فهو بالأساس مطرب “مهرجانات” شاب، لكن الأداء الكوميدي الذي قدمه ينبئ بنجم سينافس كبار نجوم الكوميديا قريبا لقدرته على الإضحاك، دون جهد يذكر وتميزه بملامح مصرية خالصة.

عبد الرحمن محمد الذي أدى شخصية “عمر”، الكوميديان الواعد الذي لم تتوقف مشاهده عن إضحاك المشاهدين في السينما، يبدو كظل خفيف للفنان الراحل علاء ولي الدين، يحمل كثيرا من ملامحه وروحه ويزيد بنظارته. لا تشعر وأنت تشاهده بأنه يمثل ولا بعناء الاندماج بل تضحك بمجرد ظهوره على الشاشة. كان حضوره مع كزبرة، وتلك المباراة بينهما في الفيلم اكتشافا لجيل جديد من مقدمي الكوميديا الشباب.

أحمد حسام، لاعب كرة القدم المصري المعروف بميدو، أو “الأستاذ شلش” كان مفاجأة حقيقية، وللوهلة الأولى لن تتعرف إليه، بتلك النظارة السميكة والملابس الفضفاضة والجسد المترهل، استطاع “ميدو” الاندماج سريعا في عالم السينما، ولعب دوره باقتدار. تذكرنا معه ملامح كابتن حسن شحاته مدرب منتخب مصر بهدوئه، الذي ينقلب عاصفة عندما تلوح الهزيمة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل كرر المؤلف الخلاف الشهير بين ميدو وكابتن حسن شحاته في مشهد من مشاهد الفيلم بين “عمر” و”كزبرة” لتضحك من قلبك، وأنت ترى بطل الموقف حاضرا يحاول تهدئة الطرفين متذكرا الخلاف الحقيقي بصوت ميدو وقتها.

 

مخرج يحترف التأليف

إياد صالح، مخرج وكاتب سينمائي، أخرج العديد من الأفلام الوثائقية وعمل مساعد مخرج، وشارك في كتابة العديد من الأعمال الدرامية التلفزيونية، إضافة إلى برامج تلفزيونية عدة منها “صاحبة السعادة”.

قدَّم إياد قبل 10 سنوات فيلم وثائقي بعنوان “سنوات الكور الضائعة” وتساءل فيه عن أسباب غياب مصر عن كأس العالم، ويبدو أن ذلك الحلم ظل يراوده حتى جاءته الفرصة هذه المرة، ولكن كونه مؤلفا لأول عمل سينمائي له، ويدور حول كرة القدم.

يقول إياد صالح  للجزيرة نت “مدرسة الأبطال هي مدرستي الحقيقية، وأغلب تلك الشخصيات التي ظهرت في الفيلم عشت معها، وأنا طالب في الثانوية العامة، وكان حلمي تقديم ابن البلد في المناطق الشعبية على طبيعته كما عرفته بين زملائي، وليس كتلك الصورة التي انتشرت خلال السنوات القليلة الماضية عن غرقه في البلطجة والمخدرات، وأساليب الحوار التي لا تشبهنا”.

وعن ردود الفعل حول الفيلم يقول صالح “أعظم الهدايا التي صادفتني بعد عرض الفيلم هو رد فعل الأمهات والآباء حول سعادتهم بالأفكار التي أعجبتهم، وأن الفيلم أثر في أبنائهم كثيرا، ليعرفوا كم يبذل الأهل من مجهود كبير لتوفير فرص جيدة لحياة الأبناء، إضافة إلى خلو الفيلم من الأفكار الغريبة التي تنتشر بين الشباب اليوم”.

نجح المؤلف في إعادتنا إلى تلك القاعدة التي بتنا نفتقد حتى طرحها، وهي هل يحدد الجمهور ما يقدمه المبدع أو العكس؟ ويؤكد أنه من الممكن للسينما أن ترسم خطوط المجتمع وليس دوما العكس.. ليعيدنا معه هذه المرة إلى ذكريات قاربنا على نسيانها من طول تشويهها، فرغم اللهجة، والملابس وقصات الشعر، برزت تلك الحارة المصرية التي افتقدنا تفاصيلها خلال السنوات الأخيرة، إما لتهميش قاتم بين جرائم وضياع، وإما غنى فاحش بين قصور فخمة، وحياة باذخة بأفكار غربية صرفه.

الإخراج مهارة الجمال والسهولة

المرات الأولى في الإخراج السينمائي لكثير من المخرجين تأتي مرتعشة أو باهتة، أما “الحريفة” فكان فيه كثير من الجهد والتميز لمخرجه رؤوف السيد، بداية من اللقطات العامة للشوارع والملاعب الصغيرة في الحارات مع تلك التي توازيها في نوادي القمة، لتدرك حجم التفاصيل المبهجة للشارع المصري، واختلاف الاحتياجات لطبقاته المتنوعة.

تناغم المؤلف مع المخرج في جذب الانتباه إلى عالم الحارة ومناسباتها، كما شاهدنا في مشهد الاحتفال بـ”التنجيد” الشائع في المناطق الشعبية، وهو مناسبة تحضير فرش الزوجية والاحتفال بتجهيزاته مقارنة، بمشاهد الحفلات الصاخبة باهظة التكلفة للأثرياء.

بين دفء بيوت الطبقة المتوسطة وضيقها، واتساع المسافات بين غرف قصور الأغنياء وفردانيتهم بين محاولات الاندماج، عبر لغة وإشارات طبقات اجتماعية مختلفة ونجاحات صغيرة لخلق صداقات في محيط من الترقب، لمسنا كل تلك المشاعر ونحن نشاهد الفيلم المغموس بأجواء البيوت ورائحتها والشوارع وصخبها.

كما نجح المخرج في توظيف إمكانات أبطاله رغم تجاربهم المحدودة في التمثيل، بل كانت المحاولة الأولى لأغلبهم من دون الوقوع في فخ المبالغة، أو الانتقاص من أدوارهم، فكل شخصية تدخل قلبك دون استئذان.

فيلم الحريفه
أحمد غزي أحد أبطال فيلم “الحريفة” (مواقع التواصل الاجتماعي)

طارق الجنايني مايسترو مغامر وذكي

لا يمكن أن يحصل ممثل أو كاتب أو مخرج موهوب على فرصة إلا من خلال منتج مغامر، يراهن على طاقات جديدة. طارق الجنايني نجح في فيلم “الحريفة” أن يثبت للآخرين أنه مراهن ذو ثقل، فليس الأمر مجرد إتاحة فرصة لشباب مغمورين لمنافسة نجوم كبار في موسم واحد، بل لتحمسه لمثل تلك الأفكار التي لا يقدمها سواه، فخلال السنوات الأخيرة شاهدنا أعمالا كثيرة بتوقيع الجنايني، وكل ما يجمعها أنها مختلفة عن السائد.. في هذا العام فقط، وخلال أقل من شهرين جاء في السينما “الحريفة” وفي المنصات “حالة خاصة” ليتربعا على عرش المشاهدة بامتياز.

تصدّر “الحريفة” شباك التذاكر خلال 5 أسابيع كاملة وحقق الإيرادات الأعلى حتى الآن متخطيا حاجز 40 مليون جنيه حتى كتابة هذه السطور، ومنافسا لنجوم كبار؛ مثل: محمد عادل إمام وماجد الكدواني في فيلم “أبو نسب”، “مقسوم” بطولة ليلى علوي، “شماريخ” بطولة آسر ياسين، و”رحلة 404″ بطولة منى زكي.

خلطة فنية رابحة

منذ سنوات ربما نبحث طويلا فلا نجد فيلما نستطيع الاستمتاع به مع أبنائنا دون الخوف من تمرير أفكار أو ممارسات لا تشبهنا. “الحريفة” استطاع أن يكون ذلك الخيار بكل أريحية وجمال؛ ففي الوقت الذي تستمتع فيه بأداء تمثيلي مبهر ويسير وخالٍ من التعقيدات والمبالغة، لن تقلق من الشتائم البذيئة المتوقعة، ولن تجد مشهدا للمخدرات وتسويقها كحل سهل، ولن تلوث سمعك بمقاطع من أغاني المهرجانات، التي تتأرجح بين وصف فعل فاحش، أو عمل منافٍ للدين والفطرة.

“الحريفة” جاء ليؤكد أنه مع فتح باب الإبداع للكتاب بتشجيع من منتج لديه نظرة أخرى للفن غير تحقيق إيرادات مغمسة بالعبث في الثوابت.. ومع مخرج يريد أن يترك أثرا مميزا، يمكن أن نصنع خلطة فنية مميزة ورابحة ونظيفة.

اقرأ المقال من المصدر