فيلم “الباقون” ثلاثة أرواح حزينة تبحث عن العزاء

|

يشتهر المخرج “ألكسندر باين” بتقديمه أفلاما عن شخصيات لا يمكن أن تحبها من أول وهلة، بعضها تكرهه بالفعل من النظرة الأولى، ولكنه يصطحب المشاهدين في رحلة تستكشف أن بداخل كل إنسان ما هو أعمق من مجرد أفعال سخيفة أو تصرفات وقحة، ودون أي شرح مباشر أو رسائل أخلاقية يجعل المتفرج يقع في حب شخصياته كما يفعل هو بنفسه.

فيلم “الباقون” (The Holdovers) أحدث ما قدمه “ألكسندر باين”، وهو من بطولة “بول جيماتي” في تعاون ناجح آخر بينه وبين المخرج، و”دومينيك سيسا” في دور نقله من مرحلة الوجه الجديد إلى النجم القادم، و”دافين جوي راندولف”.

ترشح الفيلم وفاز بعدد كبير من الجوائز، آخرها 5 ترشيحات لجوائز الأوسكار تتضمن أفضل فيلم وأفضل ممثل في دور رئيسي وأفضل ممثلة في دور مساعد وأفضل سيناريو أصلي وأفضل مونتاج.

فيلم “الباقون” (The Holdovers) ترشح لـ5 جوائز أوسكار (المصدر: آي إم دي بي)

قصة شوهدت من قبل

يفاجئ فيلم “الباقون” المشاهد منذ النظرة الأولى، فهو يبدو كفيلم تمت مشاهدته من قبل عشرات المرات، ويبدأ بتعريفنا بـ”بول هونام” المعلم بإحدى المدارس الداخلية الخاصة بالولايات المتحدة خلال السبعينيات، رجل صارم على تلاميذه وزملائه بذات الدرجة، لا يبالي بكونه غير محبوب، بل يستمتع بكراهيته، همه الأوحد تطبيق قوانين المدرسة العريقة التي تَعَلَم فيها سابقا ويُعَلِم بها حاليا.

يعاقب مدير المدرسة “بول”، نتيجة لرفضه تغيير نتيجة أحد طلبته من أبناء الطبقة الراقية، ويفرض عليه الإقامة بالمدرسة في إجازة أعياد رأس السنة مع الطلبة “الباقين” أي الذين لن يعودوا إلى منازل أسرهم في هذه العطلة الطويلة ومضطرون للإقامة في المدرسة مع معلم للحفاظ على سلامتهم.

ومع بدء العطلة يبقى في المدرسة 3 أفراد فقط، المعلم “بول” والطالب “أغنوس” الذي تزوجت والدته حديثا وذهبت لقضاء شهر العسل تاركة ابنها المراهق في المدرسة لتتفرغ لحياتها الجديدة، و”ماري” مديرة كافتيريا المدرسة التي فقدت ابنها الشاب مؤخرا في حرب فيتنام.

ادعاء أن “الباقون” يبدو كفيلم شوهد من قبل ليس افتراء عليه، فهو بالفعل ذو قصة بسيطة تم طرحها عشرات المرات حول بقاء عدد محدود من الشخصيات في مكان منعزل ثم يبدؤون بالتدريج في الانفتاح على ماضيهم وبناء علاقات فيما بينهم لم تكن موجودة قبل هذا الظرف، ولكن ما يصنع كل الاختلاف الرقة التي بنى بها سيناريو الفيلم شخصياته والنظرة الرحيمة لعيوبهم قبل مميزاتهم.

يمكن النظر لـ”بول هونام” كمعلم مدرسة مليء بالمرارة بسبب فشله، تلك المرارة التي يفرغها على طلبته الذين يغار من وضعهم المادي والاجتماعي، ولكن في الوقت ذاته أرانا الفيلم لمحات بسيطة من ماضيه الذي سُرق منه كما سَرق أحد زملائه بحثه خلال دراسته الجامعية وتسبب في طرده وضياع مستقبله الأكاديمي، لتصبح العودة للمدرسة الثانوية التي تعلم بها في مراهقته وأنقذته من بيئة منزلية مسمومة ملاذه الأخير. بينما يعاني “أنغوس” -الطالب المدلل والمتلاعب ذو اللسان السليط- من الاكتئاب سرًا بعد تشخيص والده بمرض نفسي يلزمه بالبقاء في مصحة باقي حياته وزواج والدته وانفصاله عن كل منهما، وتعكس علاقته المبنية حديثا مع معلمه احتياجه لشخص ناضج يساعده في مرور هذه الفترة العصيبة من حياته.

أما “ماري” المرأة السوداء المنعزلة السِكِيرة الغاضبة فقد عاشت حياتها تبني لابنها مستقبلا مميزا، وعملت في هذه المدرسة خصيصا لتضمن انضمامه إليها -وهو الشرف الذي لا يناله الكثير من أصحاب الأصول الأفريقية- ولكن لعدم قدرتها على دعم دراسته الجامعية بنفس الأسلوب ارتأى الشاب الانضمام للجيش وأتت الحرب الفيتنامية فأهدرت كل أحلامها.

فيلم الباقون the holdovers المصدر: imdb
“الباقون” يعتمد بشكل أساسي على أداء أبطاله بعدما أعطى كل منهم شخصية متكاملة بما فيها من تعقيد بشري (آي إم دي بي)

هل هي فعلا حياة رائعة؟

يمكن ملاحظة التشابهات بين فيلم “الباقون” والفيلم الكلاسيكي “إنها حياة رائعة” (It’s a Wonderful Life)، فكلاهما دارت أحداثه خلال الكريسماس ولكن على عكس أفلام هذه العطلة التي تتسم بالخفة فهما فيلمان عن رجلين يعانيان من المرارة تجاه ماضيهما، عاشا حياة لم يرغباها قط، وظل شبح هذا الماضي يطاردهما ليمحي كل آمالهما في المستقبل، وبدلًا عن الملاك في فيلم “إنها حياة رائعة” الذي يقود البطل في رحلة لماضيه ويريه مستقبل العالم دون وجوده ليشرح له أهمية حياته، يخوض “بول” في فيلم “الباقون” الرحلة ذاتها بصحبة “أنجوس” فيستعيد إيمانه بنفسه وقدرته على تغيير مستقبله للأفضل.

تصعب مشاهدة فيلم تتوقع ما سيحدث فيه تاليا مشهدا بعد الآخر، ولكن يسهل القيام بذلك مع فيلم “الباقون” الذي لا يهتم بمفاجأة المشاهد أو كسر أفق توقعاته بل بالصورة التي يقدم عبرها حبكته، ويعتمد بشكل أساسي على أداء أبطاله بعدما أعطى كل منهم شخصية متكاملة بكل ما فيها من تعقيد بشري، ويقدم الفيلم أفضل أداء للممثل “بول جياماتي” على الإطلاق، والذي فاز عنه حتى الآن بغولدن غلوب وجائزة النقاد، وينافس ما قدمه من قبل مع نفس المخرج عام 2004 في “طرق جانبية” (Sideways).

يمكن اعتبار فيلم “الباقون” فيلم “كريسماس” ولكن بشكل معاكس، فهو يخاطب هؤلاء الذين لا يستطيعون الشعور بالسعادة في الأعياد، بل تثقلهم هذه المناسبات بما تحملها من مراجعات للذات ومقارنات مع الغير وتذكرهم بالقرارات التي أخذوها في بداية العام ولم يستطيعوا تنفيذها والأشياء التي قرروا الامتناع عنها ثم عادوا إليها بمجرد مرور أسبوع على السنة الجديدة. ينتهي الفيلم بمجموعة مشابهة من القرارات، ويترك المشاهد بشعور من الأسى الممتزج بالأمل، وقد خاض مع  الشخصيات الفيلمية مغامرة جعلته يقع في حبها ثم يتركها لمصيرها.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه