فيلم “النحال”.. سينما الوهم تُسقط الرئيس الأميركي

رغم الاحترافية العالية في تصميم وتنفيذ المعارك في فيلم “النحال” فإن الثقة التي يتمتع بها الممثل البريطاني جيسون ستاثام -والتي تظهر على وجهه- هي الدافع الأهم لدى المشاهد ليصدق أن رجلا واحدا استطاع أن يهزم مئات المسلحين من قوات النخبة الأميركية، وأن يحرق عددا كبيرا من المباني ويسقط رئيس الولايات المتحدة الأميركية بنفسه.

واللافت في الفيلم -الذي أخرجه ديفيد آير- هو ذلك التشبيه الجديد من نوعه لدولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية بخلية النحل، والتي يتم فيها بشكل سري تماما اختيار شخص واحد يتوجب عليه تطهير الخلية من أي تهديد داخلي تتعرض له الدولة حتى لو كان هذا التهديد هو رئيس الدولة نفسه.

ورغم العدد الهائل من القتلى على يد شخص واحد ومشاهد الحركة التي تفترض دائما أن خصوم هذا الشخص مجرد دمى لتلقي الضربات فإن الفيلم ينطلق من مساحة إنسانية رقيقة للغاية، حيث يعبر آدم كلاي (جيسون ستاثام) عن امتنانه لسيدة عجوز بعد موافقتها على منحه جزءا من حديقة بيتها ليستخدمه في رعاية خلايا النحل الخاصة به.

يذهب “النحال” الغامض إلى عمله، فيما تعود السيدة إلى بيتها وتتعرض من خلال جهاز الحاسوب إلى عملية احتيال إلكتروني ويتم السطو على أموالها، فضلا عن أموال المؤسسة الخيرية التي تديرها، وهو ما يدفعها إلى الانتحار.

الممثل البريطاني جيسون ستاثام في دور آدم كلاي بفيلم “النحال” (متروجولدوين ماير)

يبدأ “النحال” رحلة للانتقام من المحتالين، في الوقت الذي تحاول ابنتها العميلة في المباحث الفدرالية فيرونا باكر (إيمي رافير لامبمان) الوصول إلى الجناة، ولكن ظهور ضحايا واحتراق وتدمير عدد من المباني يدفعها إلى مطاردة كلاي الذي يسعى للانتقام لموت والدتها.

تكشف الأحداث أن كلاي ليس مجرد مربي نحل، بل عضو في منظمة سرية تعتبر الولايات المتحدة خلية نحل، وتلزم أعضاءها بحماية تلك الخلية من الفساد بكل أنواعه، خاصة ذلك الذي تقع تبعاته على الضعفاء والوحيدين.

كان كلاي قد اعتزل بالفعل، لكنه عاد إلى العمل ليواجه محتالا من نوع مختلف، فهو مجموعة من شركات المعلومات الكبرى التي يملكها ابن رئيسة الولايات المتحدة الأميركية ويدعى ديريك دانفورث (جوش هوتشرسن)، ويتولى تأمين الشركات الرئيس السابق لجهاز المخابرات الأميركية (جيريمي آيرونز).

إيقاع الخلية

كشف الفيلم في بدايته عن هدوء وجمال في الحي الذي قرر آدم كلاي الاستقرار فيه، وهو نوع من المناطق السكنية التي يقطنها المتقاعدون وكبار السن، ويتميز بنسبة أمان عالية وهدوء ووجود الحدائق الملحقة بالبيوت.

يقدم ديفيد آير في كشفه للحي بالكاميرا عمقا مخيفا للمتأمل في المشهد، فثمة رعب قادم لم تتنبأ به الموسيقى، لكنه العمق الظاهر خلف البطل بامتداده وسط حي فارغ تماما إلا من الشجر والأضواء الضعيفة، وينبئ بما هو قادم.

وقد استخدم صانع العمل مونتاجا متوازيا لعمليتي استخلاص النحل من الخلايا التي يقوم بها كلاي مع عملية الاحتيال التي تقوم بها العصابة على السيدة العجوز، ورغم الإيقاع والتقطيع بين الخطين الدراميين فإن ذلك الربط في البناء السردي بينهما عبر المونتاج بدا غير موفق.

نحن أمام عملية احتيال تتسم بالخسة والحقارة، وهناك رجل ينتج العسل بهدف إهدائه إلى جيرانه من المتقاعدين وكبار السن والضعفاء، ويأتي الربط بينهما بقطع متواز مثير للجدل، فلا يكفي أن يكون حدوثهما داخل خلية واحدة أو تناقضهما التام مبررا للقطع المتوازي في أحسن الأحوال، فذلك التوازي يشير إلى غرام المخرج بالإيقاع السريع والمتداخل لفيلم أكشن بدأ ناعما، فخشي صاحبه من فهمه خطأ من قبل المشاهد على أنه فيلم اجتماعي.

لا مكان للمنطق

استطاع كلاي القضاء على عشرات المقاتلين من الحرس الرئاسي والمرتزقة ورجال عصابة المسلحين في أوضاع قتال فردية رغم وجودهم معا، كان يشبك مع الواحد منهم، فيما يشاهد الآخرون حتى ينتهي من زميلهم، ثم يأتي دور التالي ليقضي عليه، وهكذا ليتخذ الفيلم شكل لعبة فيديو بدلا من شكل فيلم سينمائي يحتاج إلى بعض المنطق في أحداثه، ليصل الأمر أحيانا إلى درجة السخافة.

تبدو تلك البطولات المستحيلة وهمية تماما، لكنها ضرورية في السينما التجارية التي تمنح المشاهد أملا ووهما كاذبا وقدرة غير حقيقية على تحقيق المستحيلات فيما يجلس في مقعده أمام الشاشة.

تجاوز ديفيد آير في الفيلم ذلك الخط الفاصل بين الوهم والكذب المتفق عليه بين المشاهد وصانع العمل، إذ قدم وهما خالصا لم تدعمه سوى تلك الثقة التي كست وجه ستاثام، وهو ما ينطبق أيضا على موقف ابنة الضحية الأولى في العمل فيرونا باركر التي تعمل في المباحث الفدرالية، والتي يظل موقفها حادا وواضحا ضد كلاي طوال العمل، فهي تعمل في خدمة القانون، وتفضل البحث عن الجناة ومحاكمتهم، فيما يطاردهم “النحال” ويقتلهم، وفي نهاية العمل تتركه ليهرب، مما يعني تنازلا عن قيمة الالتزام بالقانون.

العدالة أم القانون؟

ينضم جيسون ستاثام بشخصية آدم كلاي إلى طابور طويل من الشخصيات السينمائية والأدبية في الثقافتين الغربية والعربية، والتي تقرر العمل من أجل العدالة وتتجاوز القانون في سبيل ذلك.

ولعل سؤال العدالة أم القانون هو الأقدم في الأدب والسينما، خاصة في الأعمال البوليسية التي قدمت نماذج لأبطال يهدفون إلى تحقيق العدالة، لكن القانون يعوق تحقيقهم لها فيتجاوزونه ويضحّون بوجودهم الاجتماعي لإقرار العدالة.

الممثلة ايمي رافير لامبان أو العميلة فيرونا باكر في " النحال"
الممثلة إيمي رافير لامبان أو العميلة فيرونا باكر في فيلم “النحال” (مواقع التواصل الاجتماعي)

وقد بالغ صناع فيلم “النحال” في “تعقيد” الدراما، إذ قدموا شخصية الرئيس السابق لجهاز المخابرات المركزية الأميركية باعتباره مسؤولا عن المؤسسة التي تحتال على الضعفاء، وقد تعرض لانتقام كلاي، كما اختلف كلاي مع المنظمة السرية التي يفترض أنه ينتمي إليها وقتل خليفته فيها.

خرج البطل النحال في الفيلم على القوانين المعلنة والسرية التي تقف في طريق تحقيقه العدالة، وبدلا من محاكمة السيدة التي احتلت منصب الرئاسة الأميركية وابنها المجرم وتابعيه قتلهم جميعا باستثناء السيدة التي اعترفت بالحقيقة وقررت دفع الثمن.

خرج ديفيد آير على كل الأعراف السينمائية والسياسية، في مبالغة تشير إلى طرح لا يبرئ أحدا ولا يستثني أحدا من الإدانة.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه