فيلم “وايت نُويز”.. تصوير أنيق لكارثة تؤدي إلى انفجار كوميدي أسود 

كم هو مثير أن تقف الممثلة والكاتبة الأميركية الشابة غريتا غيرويج، مخرجة الروائع “ليدي بيرد” (Lady Bird) 2017، و”ليتل وومن” (Little Women) 2019، التي رُشحت لـ3 جوائز أوسكار، أمام النجم آدم درايفر المرشح أيضا لجائزتي أوسكار؛ لتشاركه بطولة فيلم من تأليف وإخراج زوجها نوح بومباخ المرشح أيضا لـ3 جوائز أوسكار ومخرج الفيلم الحاصد للجوائز “مارياج ستوري” (Marriage Story) 2019.

“الضوضاء البيضاء” (White Noise) الذي افتتح به مهرجان البندقية السينمائي لهذا العام، وسوف يُفتتح به مهرجان نيويورك السينمائي أواخر الشهر الجاري، ويُنتظر عرضه في ديسمبر/كانون الأول القادم؛ فيلم يجمع على مدى 136 دقيقة بين الدراما والغموض، والكوميديا والرعب، مأخوذ عن رواية للكاتب الأميركي دون ديليلو، صدرت بالعنوان نفسه عام 1985، ضمن موجة ما بعد الحداثة.

تلك الرواية التي تُعدّ “كابوس ديليلو الفلسفي الحماسي المتشدد، حول الاستهلاك غير المحدود، والكارثة البيئية، والهوس الأميركي بالموت”، والتي كان يُنظر إليها منذ مدة طويلة على أنها “لا يمكن تصويرها”، كما تقول الناقدة السينمائية ريبيكا روبين. قرأها بومباخ أول مرة في أواخر الثمانينيات، عندما كان طالبا جامعيا، ورأى فيها سردا ساخرا، وجوهرا للكوميديا ​​السوداء الدقيقة، في تعبيرها عن الحزن الذي يلف العالم.

الحياة ليست مثالية

في أحدث وأغرب “انفجار للكوميديا السوداء” -على حد وصف الناقد المُخضرم بيتر براشو– للكاتب والمخرج الأميركي نوح بومباخ، “نرى أستاذا جامعيا في منتصف العمر، بشعر كثيف، وحزام خصر سميك، وإحساس متصاعد بقرب الموت؛ يتحوّل بسلاسة إلى بطل (أكشن)، يستحق مزيدا من الجوائز”، على حد قول الناقد نيكولاس باربر.

ففي خامس تعاون له مع بومباخ، يلعب آدم درايفر (جاك غلادني) دور مُحاضر في دراسات هتلر والنازية، بإحدى كليات الغرب الأوسط الأميركي، ويتمتع بكاريزما طاغية، محبوب من طلابه، وزميله المبتهج دون تشيدل (موراي) الذي يُعبّر عن مخاوفه الحياتية الكامنة من خلال تجواله الطويل في ممرات السوبر ماركت، وحرصه الواضح على تفحص جميع الأشياء.

يبدو جاك سعيدا مع زوجته المُشرقة دائما، بشعرها الأشقر المُجعّد، غريتا غيرويج (بابيت)، وهما شغوفان بأطفالهما الأربعة الأذكياء، والعديد من الأطفال الآخرين. لكن، عندما تتحمس بابيت وتقول له “الحياة جيدة يا جاك”، يتأمل قبل أن يرد قائلا “لكنها ربما ليست مثالية”.

ربما بسبب الأفكار التي تدور في رأسه ورأس عائلته التي تعدّ الإدمان أمرا لا مفرّ منه، وتكافح للبقاء ضد جميع الاحتمالات، في عالم يئنّ تحت ضربات الأوبئة والحروب والعنف، وتغير المناخ والكوارث البيئية، والنزعة الاستهلاكية الخارجة عن السيطرة، والهيمنة الإعلامية، ودعاة المؤامرة الذين يحققون تقدما، والأكاديميين الغارقين في الفوضى.

كارثة هوليودية

وسط هوس أطفال هذه الأسرة الغريبة -هاينريش (سام نيفولا) ابن جاك البالغ من العمر 14 عاما، وأخته غير الشقيقة دينيس (رافي كاسيدي)، وستيفي (ماي نيفولا) ابنة جاك من زواج آخر- بحوادث الطائرات والمآسي من أي نوع، والتصاقهم بالتلفزيون طوال الوقت، ينتظرون أخبار الكوارث بفارغ الصبر، ونسيان الزوجة بابيت الذي أصبح واضحا، بسبب الحبوب الغامضة التي تتناولها، وشعور الزوج جاك المتزايد بالقلق من أن يكتشف زملاؤه، في المؤتمر الكبير الذي يحضره عن هتلر، أنه لا يستطيع التحدث بالألمانية.

يدهمهم انفجار حمولة شاحنة من المواد الكيميائية الشديدة السمّية بالقرب من مدينتهم، مرسلا سحابة سوداء مُروّعة إلى السماء، وصفتها السلطات بأنها “حدث سام محمول جوا”، يُجبر عائلة جاك والسكان الآخرين على الحجر الصحي الجماعي والإخلاء.

ليكتشف جاك أن ثقته العلمية وولعه بالمناقشات الدقيقة لا يكفيان للتعامل مع الموقف الذي أصبح فجأة كأنه فيلم كوراث هوليودية، في مشهد مترع بالأخبار الحكومية المشؤومة، ومراكز الإخلاء، والطرق المزدحمة بالمرور نحو المجهول.

يحتاج لأكثر من مشاهدة

يدور فيلم “الضوضاء البيضاء”، على نحو مذهل، حول هوس الانتشار المتزايد للمعلومات والتفسيرات الأحادية، والأخبار المزيفة والضبابية بلا أفق. وصفه دينيس ليم، المدير الفني لمهرجان نيويورك السينمائي، بأنه “أكثر أفلام بومباخ طموحا واتساعا، فهو ممتع ومضحك جدا في سخريته من الطريقة التي نعيش بها الآن، فلم يكتف بومباخ باستخلاص جوهر كتاب دون ديليلو الشهير والملائم للعصر فحسب، بل حوّله إلى فيلم يتحدث بعمق عن لحظتنا”.

يُطلق بومباخ العنان لفكاهته الذكية والملهمة التي يُفجرها من قلب أزمة أب لـ4 أطفال، انقلبت حياة عائلته المُريحة في الضواحي الجامعية، لتصبح ذات أبعاد مخيفة وغير معروفة تدفعهم إلى “محاولة العبور بطريقة ما، من العيش تحت سحابة سامة مُظلمة، بالمعنى الحرفي والمجازي، إلى الجانب الآخر من الجنون”، على حد تعبير هاموند.

وذلك ما جعل نيكولاس باربر يرى في الفيلم “صرخة احتجاج حاد على المعلومات الخاطئة المُضللة، والنزعة الاستهلاكية المُتفشية، وليس مجرد محاكاة ساخرة بارعة للغرور الأكاديمي”.

ويضيف أن “كل شيء فيه مُمتع جدا، الألوان الزاهية التي تذكرنا بالمخرج ويس أندرسون، وحوار الشخصيات المُتقطع الذي يحتاج إلى بعض الوقت للتعود، لدرجة أن احتمال المشاهدات المتعددة له مرة أخرى مُغر بالفعل، فقد حُشر في ساعتين وربع لكنه يحتاج إلى أكثر من مشاهدة لفك أسراره”.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه