مسلسل “فراولة”.. التسويق الهرمي للوهم في مجتمع يائس

80

تلجأ المجتمعات المأزومة إلى البحث عن الأمل ولو كان كاذبا، وينجح المغامرون والمحتالون دائما في بيع الوهم لهؤلاء الذين أُغلقت في وجوههم أبواب الحياة، ولعل الشاهد الأكثر حضورا في الواقع الاجتماعي على ذلك هو الإقبال على السحرة والمشعوذين والدجالين بنسب مثيرة للقلق، أما في مسلسل “فراولة” للمخرج محمد علي وبطولة نيللي كريم فهو ذلك الطابور الهائل الذي أغلق مدخل بناية عملاقة بحثا عن أحجار الطاقة الإيجابية في الحلقة الثانية من العمل.

يوثق المسلسل، الذي بدأ عرضه في النصف الثاني من رمضان، لحالة أفراد مجتمع قوامها اليأس، فهم بين مهدد بالطرد من بيته لعجزه عن دفع الإيجار الشهري، وبين شاب انتهى مشروع زواجه قبل أن يبدأ بسبب التكلفة التي لا يستطيع الوفاء بها، وبين عاطل أعياه البحث عن عمل.

تدور قصة “فراولة” في إطار كوميدي خفيف حول فتاة قادمة من أسفل السلم الاجتماعي لأب يعمل حارس عقار وأم تعمل في قراءة الفنجان، وتحلم الفتاة “فراولة” بإعادة كتابة تاريخ عائلي مختلف ومستقبل مبهر، وتجرب العمل في التسويق العقاري، ورغم نجاحها، تعجز عن الحصول على ما تستحق، فتضطر للتسويق الهرمي لوهم يسكن في الأحجار ويسمى الطاقة.

ومن حافة التشرد والطرد من المنزل، تضطر “فراولة” للالتحاق بشركة تعمل عبر التسويق الهرمي في بيع الوهم للبشر بمقابل مادي كبير، ولكنها تعمل على توريطهم في الحلم بمقابل مادي كمسوقين بعد شرائهم السلعة، وهكذا يبيع “الزبون” السلعة لزبون آخر ما يلبث أن يتحول إلى مسوق.

تنجح فراولة في القفز من أسفل السلم الاجتماعي إلى أعلاه، وتتحول إلى سيدة أعمال يشار لها بالبنان.

مكانة خاصة

تحتل نيللي كريم مكانة خاصة بين ممثلات جيلها، فقد اقتحمت عالم التمثيل قادمة من عالم الباليه لتقدم بطولات سينمائية، أشهرها دورها في فيلم “أنت عمري” مع منة شلبي، وفي السنوات الأخيرة قدمت ميلودراما فاقعة من خلال عدد من المسلسلات أشهرها “سجن النساء” للمخرجة كاملة أبو ذكري، لكن المخرجة نفسها قدمتها فيما بعد في مسلسل كوميدي هو “بـ100 وش”، أثبت قدرتها على الأداء الكوميدي بالكفاءة نفسها التي قدمت بها الميلودراما.

وتمزج نيللي في “فراولة” بين أدائها الميلودرامي والكوميدي، إذ يعبر العمل عن حالة من الدراما الفاقعة والبؤس الخالص، والذي نجح السيناريست محمد سليمان عبد المالك في تغليفه بالكوميديا الخفيفة. وبين المواقف الكوميدية والأداء الخفيف الظل لنيللي، وتلك الدموع المخفية في محجريها، تم استعراض قصة مأساوية لطفلة تتساءل دوما عن سبب فقر والديها في مقابل ثراء المحيط، إذ تعيش في واحد من أرقى وأكثر أحياء مصر ثراء وهو “الزمالك”، لكن والدها حارس عقار سجن فيما بعد.

مخرج العمل محمد علي بدأ مسيرته بفيلم ناجح هو “لعبة الحب” بطولة خالد أبو النجا عام 2006، وكان آخر أعماله للسينما هو فيلم “محمد حسين” للممثل محمد سعد عام 2019، لكنه انتقل إلى الدراما التلفزيونية، وقدم في السنوات الأخيرة مسلسلات” الكادود” و”لما كنا صغيرين” و”لدينا أقوال أخرى”.

استطاع علي أن يضبط إيقاع العمل، وساعد على ذلك عدد حلقات المسلسل التي لا تزيد على 15 حلقة، وبالتالي تخلص من الملل الذي يعد سمة بارزة في مسلسلات رمضان 2024 نتيجة للمط والتطويل.

استفاد محمد علي أيضا من التقنيات التي قدمتها منصة “نتفليكس” في أعمالها، وظهر ذلك واضحا في مشهد المقدمة في كل حلقة، ويستعرض غالبا ما تحتفظ به ذاكرة فراولة من ذكريات بائسة وأحزان تتعلق بحياتها كطفلة فقيرة لأم ضعيفة وأب ظالم وقاس وأناني.

وتقدم مقدمة الحلقة مشهدا محزنا وبائسا ومذلا في أحيان كثيرة للطفلة “فراولة”، وتستعرض الحلقة في الأغلب لحظات النجاح والتفوق للفتاة، وأضفى ذلك التناقض حالة من الراحة للمشاهد الذي يرى العدالة العاجلة تتحقق في الحلقة نفسها، وهي تقنية ناجحة على مستوى الخيال بالتأكيد، لكنها خادعة للغاية إذا ما أراد المشاهد أن يجدها في الحياة الواقعية.

برزت إلى جوار نيللي في المسلسل الممثلة علا رشدي التي تؤدي دور فتاة غنية قعيدة، لكنها طيبة القلب، تقف دائما إلى جوار صديقتها، وقد أدت رشدي دورها ببساطة دون تعقيد، مما ساعدها على الوصول إلى القلب بسهولة.

أما الممثل والموسيقي صدقي صخر، فقد أثبت من خلال أدائه أنه مشروع ممثل كبير واعد بملامحه الثرية بالتعبير وتلقائيته. اقتحم صخر عالم التمثيل قادما من عالم الموسيقى، حيث بدأ في برنامج راديو مع الممثلة والمذيعة لبنى عبد العزيز وهو في 15 عاما، وكان عضوًا في فرقة “الطمي” المسرحية لمؤسسها سلام يسري منذ 2003، واشترك في التمثيل في عدة أفلام قصيرة وطويلة لمخرجين مثل كاملة أبو ذكري وهالة القوصي وإيمان النجار وشريف البنداري.

لعب صخر عدة أدوار في المسلسلات الدرامية منها “زي الشمس” و”الجماعة الجزء الثاني”، وهو أحد مؤسسي فرقة “يسرا الهواري” الموسيقية عام 2012 حيث يعزف على آلة الهارمونيكا.

مسلسل نادر

يتقاطع موضوع “فراولة” مع عدد من الظواهر الآنية التي يعيشها المجتمع المصري، لعل أبرزها التسويق الهرمي الذي تحوّل إلى هوس في السنوات القليلة الماضية، لكنه انتهى بفعل وصول عدد من ممارسيه إلى المحاكم، وهو أقرب إلى مشروع احتيال هرمي أو نموذج عمل غير مستقر هدفه جمع المال من أكبر عدد من المشتركين، بينما يكون المستفيد الأكبر هو المتربع على رأس الهرم.

والظاهرة الثانية هي العلاج بالطاقة، الذي أثار الجدل على مستويات عدة منها الديني والطبي، وقد ظهر في العمل من خلال بعدين، أحدهما الابتزاز المالي للفقراء والأغنياء على حد سواء، والثاني هو الادعاء بوجود طاقة للسعادة والأمل والشفاء في بعض المعادن أو الأحجار، وهي أمور غير ثابتة علميا وأقرب إلى بيع الوهم للبسطاء.

أما الظاهرة الثالثة، التي تعد الخط الدرامي الرئيسي في العمل، فهي محاولة فتاة فقيرة الانعتاق من الفقر وطموحها لحياة أفضل، والمبالغة في البحث عن “نجاح انتقامي” يتجاوز حد الستر إلى الخلاص من ذكريات البؤس بإنشاء ذكريات جديدة.



اقرأ المقال من المصدر