“أوديب في الطائرة”.. رواية تكشف السر الأهم للثورة المصرية

منذ انتهاء موجتها الأولى بتخلّي الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن الحكم، وثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 لا تكفّ عن إلهام أرباب القلم بكتابات متنوّعة تمتد من التأريخ والتحليل السياسي والمساجلات الدستورية والقانونية، وتقديم الشهادات العينية وطرف من سير ذاتية أو غيرية، إلى إبداع القصص القصيرة والأشعار والروايات والمسرحيات.

والرواية بوصفها فنًا عابرًا لأنواع الكتابة يمكنها أن تضمّ الكثير عن الثورة، مبتعدة عن المسار الرسمي لها، وهي قادرة عبر حيل فنية، ومنها الرمز والاستعارة والوصف والحوار والتخييل، أن تسرد على مهل  هذا الحدث الكبير، وتبين جوانب خفية فيه، لم يلتفت إليها كثيرون في سياق التجاذب والتنافس والصراع السياسي المرير الذي انطلق بعدها، ليطمر الكثير من الحقائق في غمرة المصالح المتعارضة، والكذب المتداول الذي صاحب التنصل من تعثرها، والتكالب على منافعها، والهروب من تحمل السيئ من تبعاتها.

غضب ورحيل

آخر الأعمال الأدبية التي اتخذت من الثورة موضوعًا لها هي رواية الأديب محمد سلماوي “أوديب في الطائرة”، الصادرة مؤخرًا عن “دار الكرمة” بالقاهرة في مائة وخمس وعشرين صفحة من القطع المتوسط. وتأخذ الرواية بعض أهميتها من تماس مؤلفها مع دوائر سياسية قبل الثورة وبعد جريانها، وكونه واحدًا ممن بشّروا بها في روايته “أجنحة الفراشة” التي رأت النور عام 2010.

ففي “أجنحة الفراشة” توقع سلماوي اندلاع احتجاج عارم، يمثل الشباب كتلتَه الاجتماعية الرئيسة، ويتوسل بالتقنيات الحديثة، التي منحتها ثورة الاتصالات بعد انتشار الإنترنت في مجتمعنا، وخصوصًا مواقع التواصل الاجتماعي.

ورسمت هذه الرواية مسارًا لعصيان مدني، وهبوط الناس من بيوتهم غاضبين، لتفيض بهم الشوارع، ثم احتشادهم في ميدان التحرير، مطالبين بسقوط النظام، ونجاحهم في إجبار أهل الحكم على الرحيل، وهو ما تحقق بالفعل.

أما “أوديب في الطائرة” فقد اتخذت، عبر بنية دائرية وراوٍ عليم وأمثولة أدبية تاريخية، من اليوم الأخير لمبارك في الحكم موضوعًا لها، ولم تطرح هذا في صيغة مباشرة، مثلما تفعل الروايات التسجيلية أو الواقعية الفجة، إنما استعار الحكاية الشهيرة عن الملك أوديب، التي وردت عند واحد من أهم كتّاب المسرح – في بلاد الإغريق – الأقدمين، وهو سوفوكليس، ثم أعاد توفيق الحكيم طرحها في مسرحيته “أوديب ملكًا”.

وإذا كان الحكيم قد انشغل من إرث سوفوكليس بفكرة التعاسة التي تعقب اكتشاف الحقيقة وتعريتها، فإن سلماوي في روايته هذه اهتم بفضح الأكاذيبب والأساطير الخادعة المصاحبة لوجود السلطة السياسية التي اندلعت ضدها الثورة، ليجعل من الملك أوديب المعادل الروائي للرئيس مبارك، وتصبح “طيبة” في النص القديم هي معادل “مصر” و”أسبرطة” تلك الإمارة العسكرية الصِّرف معادلًا لـ “إسرائيل”، بينما كانت شخصية “ديتر”، هي معادل رئيس أركان الجيش المصري وقت اندلاع الثورة، و”كريون” هو وزير دفاعه، الذي آلت إليه السلطة بعد رحيل مبارك، ويبقى “توبياس” رئيس مجلس الشيوخ في طيبة هو رئيس مجلس الشعب المصري، فيما بدا “الطاعون” كوباء انتشر في طيبة هو المعادل لشيوع الفساد والآثار الضارّة للاستبداد في ربوع البلاد.

مأزق الجنرال

أراد سلماوي أن يضعنا في فهم لحقيقة ما جرى في اليوم الأخير لرئيس حكم ثلاثين عامًا، وشاعت رغبته في توريث نجله بين الناس، بحيث ندرك، في خاتمة المطاف، أن ما وقع في ذلك اليوم المشهود، وهو 11 فبراير/شباط 2011 كان انقلابًا على مبارك والثورة معًا.

أخفى سلماوي استنتاجه وسط لفائف مستعارة ومستعادة من المسرحية الإغريقية وراء المشهد الثوري الذي حضر على استحياء مُجملًا في خلفية السرد، أو مدسوسًا في أصداف عدة بعضها عتيق على قدر قدم مسرحية سوفوكليس، وبعضها جديد متمثلًا في مشاهد متقطعة من الفعل الثوري، الذي صار جانبًا مهمًا منه الآن في حكم “العلم العام”، أو الحكايات الرائجة المتداولة على ألسنة من شاركوا في الثورة، وصنعوا سرديتها الكبرى.

يبدو الطريق إلى هذا الفهم، أو هذه الحقيقة التي توارت خلف كثير من الادعاءات والدعايات، واضحًا منذ السطور الأولى للرواية التي جاءت في فصل حمل عنوان “مأزق الجنرال”، حيث بدأ بتصوير “أوديب” جالسًا في مقعده بطائرة حطت على مطار السجن، يرفض النزول، كي يُودَع في محبسه تنفيذًا لنبوءة الإله “زيوس” الذي نطق أمام الجميع متهمًا أوديب بنشر الوباء في مملكة “طيبة”.

ونستدل على شخص “ديتر” من سؤال وجهه إليه “أوديب”: “ألم أقم بترقيتك قبل أشهر قليلة؟”، وهو ما حدث مع الفريق أول سامي عنان رئيس أركان الجيش المصري وقت الثورة، ثم نستدل على شخصية مبارك من قول أوديب عن نفسه: “رفضت أن أترك طيبة وأهرب إلى الخارج. هذا بلدي الذي ولدت به، وأخلصت في خدمته.. لقد رفضت دعوات الاستضافة التي جاءتني من ملوك العالم وحكامه”.

ثم يمعن الكاتب في الكشف عن هذه الشخصية حين تقول: “هل نسيتم الانتصار في الحرب على أسبرطة؟ لقد جلبت لكم النصر بعد سنوات الهوان. كانت ضربتي القاضية هي التي حققت النصر لقواتنا.”، وذلك في إشارة إلى ضربة الطيران في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 حيث كان مبارك قائد القوات الجوية، وربط شرعية حكمه بها، حتى إن من حوله اختزلوا الجيش في سلاح الجو، وجعلوا من ضربته مفتاح النصر، بل النصر كله.

تعرية الأكاذيب

ولا يترك الكاتب هذا التهويل، أو هذه المبالغة، في دور مبارك على حالها، إنما يُعري الأكاذيب التي حملتها الدعايات التي صاحبتها على ألسنة إعلاميين وساسة موالين للرئيس على مدار ثلاثة عقود، مثلما تعرت أكذوبة أوديب حين كان الناس يعتقدون أنه بطل مغوار، صارع الوحش على باب طيبة وقتله ودخل المدينة مظفرًا ليجلس على عرش المملكة، ثم اكتشفوا أن القتيل كان أباه “لايوس”، الذي تخلص منه طفلًا رضيعًا قبل سنوات طويلة، وألقاه إلى راعي أغنام في الجبال بعد أن أنبأته الآلهة بأن ابنه سيقتله، وأن المرأة التي تزوجها أوديب وهي الملكة “جوكاستا” ليست سوى أمّه.

هكذا تنزع البطولة من أوديب، بل تسقط شرعيته باكتشاف سره البغيض، وينجرح الخيال الأعمى للجماهير، التي تضفي الأساطير على القادة، وتستمرئ هذا وتستنيم له، وتنكر ما هو ضده، مثلما أنكرت زوجة أوديب وابنتاه الحقيقة التي كشفها هو بنفسه، معتبرات إياها هذيانًا من فرط الفجيعة التي أصابته بإسقاط حكمه، وتهديده بالسجن.

كما تكشف الرواية حقيقة من سعوا في إزاحة الملك، المعزول عن شعبه، في محاكاة تلقي القديم في قلب المعاصر، حين يقول أوديب عنهم لزوجته: “أتتصورين أن هؤلاء السفهاء لديهم الحل؟ أنا أعرفهم جيدًا. هم لا يشغلهم إلا شيء واحد فقط. هو كيفية الاحتفاظ بمناصبهم. في هذا هم عباقرة، أما ما دون ذلك فلا يفقهون فيه شيئًا”.

فترد عليه: “لابدّ أنهم يدركون أن الأوضاع لو استمرت في التدهور بهذا الشكل فلن يحتفظوا بتلك المناصب التي يحرصون عليها”. فيقول أوديب: “هم لا يدركون شيئًا ولا فائدة ترجى منهم”. فترد بلا تردد: “قد يكون، ولكن ليس لديك من تتباحث معه في أمور الدولة غيرهم”.

ويكشفهم أوديب أكثر حين يقول لهم متحديًا: “لقد طال جلوسي على العرش واستماعي إلى ترهاتكم. لقد استعديتم عليَّ الشعب بسياساتكم الفاشلة، وأججتم غضب الجماهير بسرقاتكم الفاضحة، والآن تريدون إلقاء اللوم عليَّ؟”. أما رئيس مجلس الشيوخ فينكشف أمره على لسان الراوي حين يصفه بأنه “ثعلب ماكر لا يُظهر ما يُبطن”.

حوارات كاشفة

وهذه المحاكاة تنتقل بنا إلى مساحة قد تشي بكشف جانب مما جرى في زماننا، ينبئنا بها أوديب حين يقول ردًا على “توبياس” بعد أن أخبره أن الحكم بعده سيؤول إلى “كريون”: “إذن فقد رتبتم كل شيء. ألم تدركوا أن الجماهير تمقتكم جميعًا ..” فيردّ “توبياس”: “لا تنسَ يا أوديب أن المجلس الذي يطالبك اليوم بالتنازل عن العرش هو الذي أجلسك عليه”. وهنا يسأل أوديب: “ما معنى هذا؟ أهو تهديد بخلعي؟” فيجيبه “توبياس”: “هو تذكرة بالتاريخ”.

إن هذا حوار كاشف، لا يتوارى صوته في تاريخ غابر، بل سمعه البعض في زماننا، داخل غرف مغلقة، ثم انتقل همسًا إلى خارجها، ليصل إلى دوائر كانت قريبة من مؤسسات السلطة، واتسعت الدوائر، حتى إنه لم يعد اليوم خافيًا على كثيرين ذلك التطاحن الصامت الذي واكب انتقال الحكم، لتظن الجماهير الغفيرة أنها لحظة إعلان نجاح الثورة.

ففي مواجهته “كريون”، يقول له أوديب ردًا على اتهامه بالتسبب فيما تعاني منه المملكة، ومطالبته بتنفيذ أمر الآلهة بالتنازل عن الحكم: “هي مؤامرة للاستيلاء على الحكم. الأمر اتضح الآن وضوح الشمس. لقد كنت تطمع في العرش من زمن. وطالما حذروني منك، لكنني لم ألقِ لذلك بالًا. المؤامرة انكشفت الآن. تريد اغتصاب العرش”.

بينما يصف في مواضع أخرى من خلعوه بأنهم “خونة”، ويصف الثورة بأنها “مؤامرة خسيسة”. بينما هي “ثورة تم التآمر عليها”، حسبما أردد دومًا، ويتفق معي سلماوي في حديثه عن روايته، أو كما هو معروف عن انحيازه للثوار، وتعاطفه معهم، فيما نظر نص روايته إلى الثورة باعتبارها فعلًا ممتدًا، يخبو ويزدهي، ويغور ويطفو، ويجب عدم الإيمان بانتهائه إلا إذا تحققت الأهداف التي يصبو إليها، وإن أُلقيت في طريقه عثرات كثيرة من القوى المضادة له.

يلعب في الرواية دور المبشر بالثورة “تيريسياس”، العجوز الأعمى، الذي دخل غير مرة في حوارات كاشفة مع أوديب بعد أن أتى به إليه مُقيدًا بالسلاسل الحديدية، فهو يمضي في شوارع طيبة صائحًا: “يا ملوك الاستبداد، القوة زائلة، والملك لا يدوم. يا ساكني القصور، لا يأخذكم غرور السلطة فعقاب الآلهة آتٍ لا محالة”.

أما شباب الثورة فيمثله الفتى “بترو” والفتاة “هيباتيا”، فهما ينزلان الشارع لتحريض الجماهير على الغضب، فيعتقل الشاب وتنتظره الفتاة وتكمل ما بدأه، كمصور محترف يلتقط بكاميرته مشاهد الثورة في عنفوانها. تُجسد هاتان الشخصيتان الكثير عن دور الشباب فيما جرى، لكنهما تبدوان في النص أكثر وعيًا من كثير من الشباب الذين ثاروا في الواقع، وربما أراد الكاتب أن يتخذ منهما قناعًا ليبث لنا وعيه هو بمعنى الثورة التي لم تكتمل.

حصاد قليل

فحين يبتهج الناس بإجبار أوديب على الرحيل، وتبتهج الفتاة بإكمال الفيلم الذي تم تصويره عن الثورة، يقول هو: “فرحة الناس في الشوارع بنزول أوديب عن العرش أعطتني النهاية التي كنت أبحث عنها لاكتمال الفيلم. لكن الثورة لن تكتمل إلا بإقامة الدولة الجديدة التي نحلم بها. دولة ديمقراطية حديثة لا تعتمد على الأساطير الخرافية، ولا تقوم على قدرية رغبات الآلهة”.

لكن الرواية، التي اتسمت بأسلوب سلس، تُلمح أيضًا إلى أسباب تعثر الثورة حين تنتهي، بينما أوديب لم تزل عنه قوته، التي ترمز هنا إلى احتفاظ النظام الذي قامت عليه الثورة بالكثير من أوراق اللعبة، فالحارس الذي يصحبه في الطائرة “يؤدي له التحية العسكرية”، وحين يستأذن هذا الحارس بالسماح له بمساعدته على النزول ينهره فيرتعد، ويلوذ بالصمت، ثم يهرب من أمامه.

أما حصاد الثورة فيبدو ضئيلًا قليلًا قياسًا على الأحلام المجنحة التي طارت بها جماهير فاضت بهم الشوارع، بمن فيهم من كانوا قد خاصموا السياسة مثل صاحب الأستوديو “ليون”، ومقارنة بالجهد الذي بذله كل هؤلاء في سبيل تغيير الأوضاع إلى الأفضل، إذ لم يتعد النجاح أن يكون فرديًا معزولًا، حققه البعض، ويمثله في الرواية نجاح الفتى والفتاة في قنص جائزة من مهرجان أمستردام للأفلام التسجيلية، ثم تكليل الحب الذي قام بينهما خلال أيام الغضب بالزواج.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه