الطرق الالتفافية أخطر إجراءات الاستيطان التهويدية بالضفة الغربية

55

نابلس- قبل 4 سنوات، حين لملم الفلسطيني محمد ضميدي ما تبقى من جذور أشجار زيتونه التي اقتلعتها الجرافات الإسرائيلية من أرضه، في بلدة حوارة جنوب نابلس في الضفة الغربية، وأعاد زراعتها ثانية، لم يكن يعلم أن أطماع الاحتلال ستطالها ثانية، بل وستتعداها لتستهدف الأرض كلها لصالح طريق التفافي استيطاني، شقه الاحتلال لخدمة المستوطنين وحفظا لأمنهم.

فشارع “حوارة الاستيطاني” -كما بات معروفا- واحد من عشرات الطرق الاستيطانية التي تلتف بها إسرائيل على القوانين والتضاريس وحياة الفلسطينيين وممتلكاتهم، لتصادر أراضيهم بالضفة وتخدم بها المستوطنين وتحفظ أمنهم.

وعبر أرض “الصبَّات” التي يملكها المواطن ضميدي، مرَّ الشارع الاستيطاني الجديد، مقتطعا 10 دونمات منها (10 كيلومترات مربعة) من أصل 25 دونما تشكل مساحة الأرض كاملة، واقتلع 150 شجرة زيتون معمرة، ليدمر بذلك الأرض، ويفقدها أكثر من 50% من ناتجها السنوي من الزيت.

ضميدي ووالده يسيران بالطريق الاستيطاني الذي شقه الاحتلال في أرضهم (الجزيرة)

استهداف ما تبقى

لم تقف أطماع الاحتلال عند قطع الشجر وشق الطريق ومصادرة الأرض، بل تمدد الخطر ليطال ما تبقى منها، وذلك بعد أن شيَّد نقطة عسكرية فيها، وأصدر أوامر للمواطن ضميدي بعدم الاقتراب من الشارع مسافة 150 مترا، متذرعا بالخطر الأمني.

وبعد أن حدَّ الشارع الاستيطاني من حريته وتنقله لأرضه، يقول للجزيرة نت “قيَّدت إجراءات الاحتلال وحواجزه ونقطته العسكرية وصولي للأرض، زمانا ومكانا، والطريق الذي كان يستغرق نحو 5 دقائق صار يحتاج لأكثر من نصف ساعة”.

وإضافة لذلك، غيَّر الاحتلال تضاريس الأرض وهيئتها بتجريفه الواسع لها، ليفقد أصحابها قيمتها الجغرافية والمعنوية معا، وكل ذلك يحدث أمام عين ضميدي الذي يطالع ما يجري بحسرة ولا يملك أن يفعل شيئا.

وضميدي واحد من حوالي 300 مواطن فلسطيني تضرروا بفعل طريق “حوارة الاستيطاني” من بلدة حوارة والقرى المجاورة، بعد أن صادر 1.100 دونم من أراضيهم، لصالح الشارع الممتد لنحو 10 كيلومترات، ويخدم بشكل خاص 5 مستوطنات جنوب وشرق نابلس، إضافة لمستوطنات شمال الضفة.

عاطف دغلس- المواطن محمد ضميدي بعد ان زرع زيتونه الذي جرفه الاحتلال ثانية وحرمه ارضه- الضفة الغربية- نابلس- جنوب المدينة- الجزيرة نت10
ضميدي يتفقد زيتونه الذي جرفه الاحتلال مرة ثانية وحرمه أرضه (الجزيرة)

نهب بحجة الأمن

تقول رنا أبو هنية المتابعة لملف الاستيطان في بلدية حوارة “ظهرت أضرار الطريق والتهامه للأرض بشكل تدريجي، فبعد مصادرة 1.100 دونم، أتبعها الاحتلال بحوالي 500 دونم أخرى لصالح أبراج ونقاط عسكرية نصبها بمحاذاة الشارع، وارتدادات بعرض 50 مترا هوائيا من كلا جانبيه مسماة بـ”حرم الشارع” وعلى طوله الممتد لحوالي 10 كيلومترات”.

وتضيف أبو هنية للجزيرة نت “تكمن خطورة الشارع باستهدافه الأراضي السهلية المقدرة بـ 2.400 دونم، والتي تشكل مصدر دخل المواطنين، ويُحظر على الفلسطينيين الاقتراب من الشارع لكونه منطقة عسكرية”.

ونصب الاحتلال بوابات عسكرية على طرف الشارع الاستيطاني، ليغلق بذلك البلدة ويحولها إلى سجن كبير، ويقطع اتصالها بالقرى المجاورة “والأخطر من كل ذلك أن المستوطنين سيستخدمون الشارع الاستيطاني لشن هجماتهم واعتداءاتهم على المواطنين المارين عبر شارع حوارة الرئيسي والقديم الذي يمر منه الفلسطينيون فقط” حسب أبو هنية.

وتتخوف أبو هنية من أن يستمر المستوطنون باستخدام الشارع القديم، خاصة وأنهم يعمدون إلى ذلك الآن، ويتظاهرون ضد الفلسطينيين بحال استخدام الشوارع التي يسلكها المستوطنون.

وبكل الطرق، سعت إسرائيل لتهويد أراضي الضفة والاستيطان بها، عبر إجراءات كثيرة تنوعت بين الأوامر العسكرية والاستملاك، وإقامة الجدار الفاصل، ووضع اليد على الممتلكات، وتشييد المحميات الطبيعية والطرق الالتفافية، ومنع البناء، وغيرها الكثير.

عاطف دغلس- شق طريق استيطاني يربط مستوطنات ارائيل القائمة على ارضي مدينة سلفيت شمال الضفة بمستوطنات جنوب نابلس- الضفة الغربية- نابلس- جنوب المدينة- الجزيرة نت1
شق طريق استيطاني يربط مستوطنات “أرائيل” القائمة على اراضي سلفيت شمال الضفة (الجزيرة)

“كنتونات فلسطينية”

ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن هذه الإجراءات تصادر 42% من مساحة الضفة، أي ما يعادل 5.800 كيلومترات مربعة، و69% من مجمل مساحة المنطقة المصنفة “ج” بيد أن ما تصادره الطرق الالتفافية وحدها يصل إلى 135 كيلومترا مربعا من مجمل مساحة الضفة، منها 112 كيلومترا من مناطق “ج”.

ويقول خبير الاستيطان ومسؤول التوثيق بهيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود إن “الطرق الالتفافية تعد من أخطر إجراءات الاستيطان، فهي تُشيد لربط المستوطنات والبؤر الاستيطانية ببعضها، ويراد بها ربط المستوطنات داخل الضفة مع الداخل الفلسطيني الذي تحتله إسرائيل منذ عام 1948”.

وأخطر ما في الأمر حسب وصف داود أن “هذه الطرق تعزل التجمعات الفلسطينية وتحولها إلى كنتونات، وهو مفهوم تعمل إسرائيل عليه منذ 30 عاما، وعشناه واقعا خلال الحرب الحالية”.

وتُشق الطرق الالتفافية داخل المستوطنات بهدف التوسعة ومصادرة الأرض أيضا، ومع بداية الحرب أغلق الاحتلال طرقا يستخدمها الفلسطينيون منذ سنوات واعتبرها عسكرية، وبعضها جرى وضع اليد عليها، وخاصة تلك التي وقع بها أو بالقرب منها عمليات فدائية.

عاطف دغلس- في هذا الطريق جنوب نابلس يلاحق المستوطنون المواطنين ويحاولون عسكرة الطريق- الضفة الغربية- نابلس- جنوب المدينة- الجزيرة نت7
المستوطنون يلاحقون المواطنين بهذا الطريق جنوب نابلس لفرض السيطرة (الجزيرة)

التفاف على القوانين

ويقول داود “في عملية دير بزيغ الفدائية قبل أسبوع، قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، ووزيرة المواصلات ميري ريغيف، إنهم بصدد شق شارع التفافي جديد يحمل اسم 935 ويربط المستوطنات والشوارع هناك ببعضها، وقبل ذلك حظروا سير الفلسطينيين بشارع مستوطنة معاليه أدوميم شرق القدس”.

وبشق هذه الطرق لا تصادر أرض الفلسطينيين فحسب، بل تخترق -حسب داود- القانون الدولي أيضا “الذي يجيز للمحتل استملاك الأرض بهدف خدمة مصالح الجمهورين، الفلسطينيين والمستوطنين، ويمنع شق طرق خاصة بالمستوطنين”.

وبعد ذلك، يضيف داود “يغلق الاحتلال تلك الطرق على الفلسطينيين ويمنحها للمستوطنين، والأخطر أن المستوطنين أنفسهم باتوا يأخذون زمام المبادرة لشق طرق استيطانية عبر أراض فلسطينية خاصة، ولاحقا تثبت حكومة الاحتلال لهم ذلك كسياسة أمر واقع”.

اقرأ المقال من المصدر