اللاجئون السوريون والرهان الخطير على العودة إلى الوطن

55

ليس من السهل أن يقرر المرء العودة إلى بلاده بعد أن يفر منها ويصبح لاجئا، إذ قد يكون الثمن هو التضحية بحريته، بل وحياته، والأدهى من ذلك، في حال السوريين، أنه يبقى طي النسيان.

هذا ما يمكن أن يلخص مقالا للكاتبة الفرنسية خريجة معهد أبحاث ودراسات الشرق الأوسط نينا شاستل بدأته بسرد قصة عودة المعارض الروسي أليكسي نافالني وكيف أنه ضحى بحياته ثمنا لذلك وتصدرت قصته وسائل الإعلام الغربية وغيرها.

لكن، في المقابل، ثمة عدد ممن تسميهم الأمم المتحدة “العائدين” رجعوا إلى سوريا وبعضهم واجه نفس المصير، لكن “أحدا لم يحي شجاعتهم”، رغم أنهم جميعا يواجهون تهديدات متعددة، ومن لا يستطيع التغلب عليها يموت في صمت.

وأوضحت شاستل أن قصة نافالني انتشرت في وسائل الإعلام وعبر شبكات التواصل الاجتماعي بدءا من قراره بالعودة إلى روسيا بعد تسميمه ونقاهته في ألمانيا إلى سجنه وموته وما تلا ذلك من تعليقات لزعماء غربيين سموا فيها المسؤول عن قتله ودعوا إلى إجراء تحقيق فيه.

غير أن من سلكوا طريق العودة إلى سوريا يظلون منسيين -كما تقول الكاتبة- فمن ذا يتذكر مازن الحمادة وعودته واختفاءه لدى وصوله مطار دمشق في صمت يصم الآذان؟ ومن ذا صفق وبكى على شجاعة باسل شحادة؟ ومن ذا الذي غضب من عودة رفعت الأسد؟ ومن ذا الذي قلق بعد فتح معبر باب الهوى الحدودي للسماح بمرور أكياس الجثث قبل المساعدات الإنسانية؟ ومن ذا الذي قلق على مصير السوريين العائدين إلى بلادهم اليوم؟

فشل ثلاثي

واستعرضت الكاتبة قصة باسل شحادة الذي كان منخرطا في الثورة منذ البداية، وخرج في منحة دراسية عام 2011 لدراسة السينما في الولايات المتحدة.

وبعد عودته إلى سوريا قرر البقاء، ثم ذهب إلى حمص حيث قام بتدريب نشطاء المدينة على التقنيات السمعية البصرية واستمر في توثيق المظاهرات والحصار والمقاومة، حتى قتل عام 2012 جراء قصف لقوات النظام وعمره 28 سنة، ولكن عودته والتزامه ووفاته لم تتصدر الصفحات الأولى في أي من وسائل الإعلام الغربية.

ومثل باسل، أمضى مازن الحمادة ما يقارب 3 سنوات في السجون السورية، وبعد نفيه عام 2014، قدم شهادته في جميع أنحاء العالم على التعذيب الذي تعرض له في سوريا، وأمام عدم الاستجابة وتقاعس المؤسسات الدولية، غضب وعزل نفسه قبل أن يستقل الطائرة عام 2020 عائدا إلى دمشق، حيث اختفى فور وصوله المطار.

باسل شحادة قتلته قوات النظام في قصف بحمص (المصدر صفحته الشخصية على الإنترنت).

وترمز قصتا العودة إلى سوريا هاتان -حسب الكاتبة- لفشل ثلاثي، إعلامي وسياسي وقضائي، وهما تجسدان الصمت والتقاعس الغربي الذي يصاحب انتهاكات النظام السوري، ونسيان أو هجران أو تعريض من قدموا شهاداتهم للخطر، وبالتالي يموت الضحايا في سوريا كما في غزة مرتين.

فشل إنساني

ونادرا ما ينظر إلى من يعودون إلى سوريا كأبطال، فهؤلاء فروا من الحرب، خاصة إلى تركيا أو لبنان ثم اختاروا العودة، لأنهم غير مستقرين ويعانون من العنف من قبل السلطات والمدنيين، ولأن سوريا مثل روسيا نافالني، هي بلدهم الوحيد، كما تقول الكاتبة.

يعاد توطين هؤلاء العائدين في المناطق التي يسيطر عليها النظام أو السلطات المحلية الأخرى، ثم يختفي الكثير منهم، ففي عام 2019، أفاد تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية، أن ما لا يقل عن 638 لاجئا اختفوا بعد عودتهم، و15 منهم ماتوا تحت التعذيب.

وفي عام 2021، نشرت منظمة العفو الدولية تقريرا تحت عنوان “إنك ذاهب نحو الموت”، يوثق حالات الاغتصاب والاختفاء القسري التي تعرض لها الأشخاص العائدون إلى سوريا، انتقاما منهم للاشتباه في معاداتهم للنظام، رغم أن معظمهم عادوا ظنا منهم أن ملفاتهم الشخصية لا تدعو للقلق، وبالتالي لا خطر عليهم.

المصالحة إذلال

ومنذ عام 2016، أحصت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 388 ألفا و679 عائدا رغم الظروف الاقتصادية والأمنية والإنسانية الكارثية، وهم في أغلب الأحيان، يغادرون تركيا أو لبنان حيث لا يتمتعون بأي وضع مقبول، وبالفعل نشرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان هذه السنة تقريرا مثيرا للقلق حول التهديدات التي يتعرضون لها.

أما الذين يريدون العودة عبر القنوات الرسمية لتجنب خطر الأعمال الانتقامية، فيجب عليهم الخضوع لعملية “المصالحة”، وقد تم وضع هذا النظام الغامض والمهين بشكل غير رسمي من قبل النظام، حيث يتعين على المتقدمين دفع المال لوسيط حكومي لضمان عدم تعرضهم للمضايقات من قبل أجهزة المخابرات، وعندما يعود معظمهم، يجدون ممتلكاتهم مدمرة أو مصادرة، ويدفع بعضهم الآن الإيجار للسلطات المحلية للعيش في منازلهم.

أما النساء فهن أول من يعاني من عذاب العودة بل أكثر من غيرهن حيث تجبرهن عائلاتهن على العودة ككشافة ضد إرادتهن -حسب تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان- ورغم أنهن غير معنيات بالتهديدات المرتبطة بالخدمة العسكرية، فإنهن أكثر عرضة للخطر، حيث يتعرضن للاغتصاب والمضايقة والترهيب والتهديد، ويجدن صعوبة في العثور على وسيلة للعيش.

غير أن العودة للوطن -كما ترى الكاتبة- ليست دائما مسألة شجاعة أو التزام أو تضحية، خاصة أن تطبيع النظام السوري مع عدد من دول المنطقة يثير مخاوف من زيادة هذه العودة، مع أن تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان يوصي حكومة الرئيس بشار الأسد، بضمان الأمن والكرامة للاجئين.

وإذا كان مازن الحمادة عاد إلى سوريا بسبب خيبة أمله في العدالة الدولية، فإن رفعت الأسد (عم بشار) -مسؤول الجيش أثناء مجازر حماة عام 1982- فر من باريس إلى دمشق هربا من الإجراءات القانونية، رغم أنه عاش في فرنسا مكرما ونال وسام جوقة الشرف “للخدمات المقدمة” قبل أن يحكم عليه القضاء الفرنسي أخيرا، عام 2020، بالسجن لمدة 4 سنوات بتهمة غسل الأموال واختلاس الأموال العامة.

اقرأ المقال من المصدر