بلينكن في الشرق الأوسط.. جولة جديدة بملفات قديمة وآمال في تحقيق هدنة

بدأ اليوم وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن خامس جولة له إلى الشرق الأوسط منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قبل أكثر من 4 أشهر، وهي جولة يأمل من خلالها الضغط لتسريع خطوات التوصل إلى اتفاق هدنة، وله فيها مآرب أخرى.

وما يجعل هذه الجولة الجديدة مختلفة عن سابقاتها هو كونها جولة يتأبط فيها بلينكن عدة ملفات سبق أن ناقش بعضها في السابق، لكنه هذه المرة قد يضطر لنقاشها ضمن حزمة واحدة يؤثر فيها بعضها على نتائج بعض، كما أن بعضها تغيرت فيه الوقائع والشروط والظروف بما يستدعي التعامل معها بطريقة مغايرة.

فقد كانت الجولات السابقة للوزير الأميركي في غالبها إما نقاشا لمسار الحرب الإسرائيلية على غزة ومساهمة في تحديد إستراتيجيتها ومآلاتها العسكرية، حتى إنه في إحدى جولاته حضر اجتماع الحكومة الأمنية الإسرائيلية المصغرة (الكابنيت)، والتي تتابع باستمرار مسار الحرب على غزة وتتخذ القرارات بشأنها.

مقترح باريس للهدنة

الجولة الحالية تأتي بعد 4 أشهر من عملية “طوفان الأقصى” -التي أطلقتها المقاومة على مستوطنات غلاف غزة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي- وما تلاها من عدوان إسرائيلي على القطاع أسفر عن أكثر من 27 ألف شهيد ثلثاهم من النساء والأطفال.

وهي مدة ربما يرى صانع القرار الأميركي أنها أصبحت كافية لتحمل جولة بلينكن -التي تستمر 5 أيام وتشمل السعودية ومصر وقطر وإسرائيل والضفة الغربية- عنوانا عريضا هو “بحث سبل ضمان التوصل إلى هدنة في قطاع غزة”.

بلينكن مع مسؤولين سعوديين لدى وصوله الرياض (الفرنسية)

وقبل الجولة شدد وزير الخارجية الأميركي على أن الأزمة الإنسانية ستكون من بين القضايا التي سيركز عليها، كما أفادت تقارير إعلامية بأن الملف الرئيسي الذي سيبحثه هو مقترح هدنة صيغ قبل نحو أسبوع في اجتماع بالعاصمة الفرنسية باريس، التقى فيه مسؤولون أميركيون وإسرائيليون ومصريون وقطريون.

وينصّ مقترح الهدنة الجديد على وقف القتال لمدة 6 أسابيع مبدئيا، بينما تفرج حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن الرهائن الذين لديها مقابل إفراج إسرائيل عن أسرى فلسطينيين وإدخال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة المحاصر.

وإضافة إلى السماح بدخول المساعدات الإنسانية، تشترط حماس وقف إطلاق النار، وهو ما ترفضه إسرائيل، وتعتبر أن أي هدنة ستكون مؤقتة.

الضغط على إسرائيل

وفي هذا السياق، انتقد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير سلوك الإدارة الأميركية، وقال لصحيفة وول ستريت جورنال إن الرئيس الأميركي جو بايدن “بدلا من أن يقدم لنا دعمه الكامل، ينشغل بتقديم الوقود والمساعدات الإنسانية التي تذهب إلى حماس”.

وأفادت القناة الـ13 الإسرائيلية أن إدارة بايدن تضغط على نتنياهو من أجل الموافقة على هدنة لمدة 4 أشهر على الأقل.

كما قال مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان لشبكة “سي بي إس” الأميركية إن بلينكن سيضغط على إسرائيل للسماح بإدخال المزيد من الغذاء والماء والدواء إلى غزة.

وأضاف “سيكون ذلك على رأس أولوياته عندما يلتقي الحكومة الإسرائيلية… احتياجات الشعب الفلسطيني هي ما سيكون في محور المقاربة الأميركية”.

واعتبر سوليفان أن الولايات المتحدة “تعتقد أنه من الضروري التوصل إلى هدنة إنسانية واتفاق لإطلاق سراح الرهائن المتبقين الذين احتجزتهم حماس خلال هجومها، ومنهم أميركيون”.

وقال سوليفان “هذا يصب في مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة، وسنضغط من أجل ذلك دون كلل… هذه أولوية قصوى بالنسبة لنا”.

بلينكن (يمين) مع رئيس الوزراء القطري في واشنطن يوم 29 يناير/كانون الثاني الماضي (الفرنسية)

عرض غير عادل

ويشكك الدكتور تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس بالرباط، في إمكانية أن تمارس الولايات المتحدة ضغطا على إسرائيل للتوصل إلى اتفاق لإطلاق النار.

ويقول الحسيني في تصريحات للجزيرة نت “منذ 7 أكتوبر لاحظنا كيف أن الإدارة الأميركية تحركت على كل المستويات: عسكريا بإيفاد كل من حاملة الطائرات أيزنهاور وحاملة طائرات ثانية إلى المنطقة، وأظهرت أنها متضامنة بشكل مطلق مع إسرائيل”.

واعتبر أن “هذا النوع من التضامن القوي ظهر واضحا كذلك على المستوى الدبلوماسي”. ويضيف “لا أعتقد أن بلينكن سيكون ناجحا بالشكل المطلوب في مهمته، لأن العروض التي يقدمها تقتصر فقط على الإفراج عن حوالي 200 أسير فلسطيني لدى إسرائيل مقابل إطلاق سراح 35 من الأسرى في غزة، منهم أميركيون”.

ويرى أن هذا العرض الذي يرتبط فقط بـ6 أسابيع من الهدنة “لن يكون في صالح الفلسطينيين على الإطلاق، لأن الورقة القوية التي تتوفر عليها حماس لحد الآن هي ورقة هؤلاء المحتجزين”.

“ربما سيحاول بلينكن أن يربط بين هذه المسألة وبين الواقع الذي سيكون في غزة بعد وقف إطلاق النار -يقول الحسيني- فالولايات المتحدة تحاول أن تقول إنه ينبغي أن تكون منظمة التحرير الفلسطينية معنية بالعودة إلى غزة وتولي زمام الأمور فيها، وهذا الشيء ربما لن تقبل به حماس ولن تقبل به حتى إسرائيل”.

وانتقد العقوبات التي أعلنتها واشنطن قبل أيام ضد مستوطنين إسرائيليين بمنعهم من الدخول للولايات المتحدة وفرض عقوبات مالية عليهم، واعتبر ذلك “ذرا للرماد في العيون”.

وقال الحسيني إن “الموقف الحقيقي للولايات المتحدة هو الذي أثبته طرح الإدارة الأميركية أمام الكونغرس مساعدات لإسرائيل بقيمة حوالي 14 مليار دولار”، واعتبر أن أميركا “تساهم بشكل مباشر وغير مباشر في قصف الفلسطينيين وفي استمرار إلقاء آلاف الأطنان من المواد المتفجرة على السكان المدنيين”.

خلافات أميركا وإسرائيل

أما الخبير العسكري والإستراتيجي في مركز الرافدين للدراسات الإستراتيجية (راسام) حاتم الفلاحي فيرى أن اضطرار بلينكن إلى القيام بـ5 جولات إلى المنطقة “يبين حجم الخلافات الكبيرة بين واشنطن وتل أبيب”.

واعتبر الخبير في مركز “راسام” -وهو مركز متخصص في الشأن العراقي والعربي والإسلامي تأسس عام 2012 في تركيا- أن الجولة الحالية لبلينكن من المرتقب أن يزيد فيها الضغط الأميركي على حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأن يدفعه لقبول المقترح الذي قُدم في اجتماع باريس.

وتعليقا على تصريحات بن غفير التي انتقد فيها بايدن، قال الفلاحي إن “هذه التصريحات تأتي فقط لإزالة الضغط الكبير الذي تمارسه الولايات المتحدة على إسرائيل لقبول الهدنة وتبادل الأسرى، خاصة أن بينهم أميركيين تحتجزهم حماس”.

وأضاف الخبير العسكري والإستراتيجي أن “بن غفير لم يتكلم عن السلاح الذي قدمته الولايات المتحدة لإسرائيل طوال الفترة الماضية، ولا عن المستشارين العسكريين الأميركيين داخل الجيش الإسرائيلي، ولم يتكلم أيضا عن قوات (دلتا) الأميركية التي ساندت إسرائيل”.

واعتبر أن “هناك ضغوطا على بن غفير نفسه من قبل المعارضة وكثير من الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة، لأنه يعد الطرف المتشدد الذي يدعم بقاء حكومة نتنياهو، ويرفض أي صفقة للتبادل أو وقف إطلاق النار، ويهدد بإسقاط الحكومة إذا عقدت صفقة مع حماس”.

احتواء الحرب ومنع توسعها

ملف آخر لا يقل أهمية لدى واشنطن في جولة وزير خارجيتها، وهو السعي للحفاظ على “الاستقرار” في المنطقة ومنع توسع الحرب لتصبح إقليمية تنخرط فيها أطراف أخرى، وخاصة إيران والحركات المسلحة التي تدعمها في المنطقة.

وفي هذا السياق، تأتي جولة بلينكن بعد أيام فقط من تنفيذ الولايات المتحدة وبريطانيا ضربات عسكرية على عدة أهداف في اليمن -بينها مواقع لجماعة الحوثي- في ما اعتبرته ردا على هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر.

كما تعيش المنطقة على صفيح ساخن أيضا بعد رد الولايات المتحدة على ضربات تشنها من حين لآخر جماعات مسلحة عراقية ضد القوات والأهداف الأميركية في كل من سوريا والعراق والأردن، كان آخرها قصف على قاعدة “البرج 22” في الأردن أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين تبنته “حركة المقاومة الإسلامية في العراق”.

وكان الجيش الأميركي شنّ غارات قبل أيام على أكثر من 85 هدفا بسوريا والعراق، ردا على الهجوم الذي شنته المقاومة الإسلامية بالعراق.

وفي هذا الشأن المتعلق بالرد الأميركي على الجماعات المسلحة في المنطقة، قال مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان في تصريحاته لشبكة (سي بي إس) “ننوي شن ضربات جديدة واتخاذ إجراءات إضافية، من أجل إرسال مزيد من الرسائل الواضحة بأن الولايات المتحدة سترد عندما يتم الهجوم على قواتنا وعندما يتم قتل مواطنينا”.

وفي إشارة إلى إمكانية توسع الحرب في المنطقة قال تاج الدين الحسيني إن “الهدف الإسرائيلي خطير، وخطورته لا تتمثل فقط في تشريد الفلسطينيين وإبعادهم عن غزة، ولكن أكثر من ذلك تريد إسرائيل أن تقيم في غزة سلطة عسكرية مطلقة، وهذا يهدد المنطقة كلها بالاشتعال”.

تبادل المزايا بين الكبار

وأضاف أن جنوب لبنان “يتعرض للهجوم، كما أن ما يقع في اليمن هو مؤشر آخر غير إيجابي، وهذا يعيدنا إلى توقعات وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر قبل وفاته ببضعة أسابيع عندما صرح بأن فتيل حرب عالمية ثالثة غير بعيد عن الواقع المأساوي لما يعيشه المجتمع الدولي”.

واعتبر أن “اللعبة الآن تدور بشكل يلبي لإسرائيل كل طموحاتها”، وأن المنطقة وصلت “في إطار توازن القوى الشمولية إلى مظهر جديد لاختلال هذا التوازن، وهو الذي يتمثل في أن القوى الكبرى أصبحت اليوم تتعامل بشكل يتبادل فيه كل منها مع الآخر نوعا من المزايا والتنازلات”.

وتابع قائلا “ظهر هذا واضحا في مواجهة روسيا داخل أوكرانيا، وفي موقف أميركا من إسرائيل، وظهر واضحا أيضا داخل مجلس الأمن الدولي وفي كل المنتديات، وربما يكون هذا هو البديل الذي اختارته الدول الكبرى لحرب عالمية أو مواجهة مباشرة”.

فالحرب بالوكالة، حسب تاج الدين الحسيني، “أصبحت هي الوسيلة المعتمدة، وهناك من الأطراف المعنية من يحقق المكاسب، وهناك من يتلقى الضربات”، ويرى أنه “لحد الآن إسرائيل هي التي تحقق المكاسب في المنطقة على حساب شعب أعزل لا يتوفر على أي دفاع لا من المجتمع الدولي ولا من البلدان العربية المجاورة ولا من مجموعة البلدان الإسلامية”.

وبدوره، يرى الفلاحي أن المنطقة الآن متوترة بشكل كبير جدا نتيجة الضربات الأميركية، “وهذا يتطلب أن تكون هناك زيارات من قبل الولايات المتحدة لتهدئة الوضع، كما أن هناك مناقشات حثيثة مع تل أبيب حول حل الدولتين، وما يمكن أن يتم بشأن الوصول إلى سلام إقليمي مع بعض الدول العربية، ووصولا إلى تطبيع العلاقات معها”.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه