تونس.. هل يقضي مرسوم “الأخبار الكاذبة” على ما تبقى من حرية التعبير؟

تونس- بالسخرية وبكثير من التخوّفات، استقبل رواد منصة فيسبوك في تونس إصدار الرئيس قيس سعيّد يوم الجمعة الماضي بالجريدة الرسمية مرسوما يتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال.

وأسالت المادة 24 من هذا المرسوم -المتعلقة بالشائعات والأخبار الكاذبة- الكثير من الحبر، إذ تنص على أن “يُعاقَب بالسجن مدة 5 أعوام وبغرامة قدرها 50 ألف دينار (17 ألف دولار) كل من يتعمد استعمال شبكات وأنظمة معلومات واتصال لإنتاج أو ترويج أو نشر أو إرسال أو إعداد أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو وثائق مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذبا للغير بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بث الرعب بين الناس”.

كما تنص على أن “العقوبات المقررة تتضاعف إذا كان الشخص المستهدف موظفا عموميا أو شبهه (نظيره)”.

وندد حقوقيون وصحفيون بهذا المرسوم، واعتبروه “خطرا يهدد حرية التعبير المكسب الثوري الوحيد في البلاد” وحذروا من العودة إلى سياسة “تكميم الأصوات المعارضة في ظل تتالي الملاحقات القضائية بحق صحفيين ومدونين معارضين للسلطة”.

عبارات فضفاضة

ويصف عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين عبد الرؤوف بالي المادة 24 من مرسوم سعيد بالغامضة، ويقول إنها “تتضمن عبارات فضفاضة اعتدنا عليها في نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي والذي كان دائما يدرجها في قوانين تكون هي المدخل فيما بعد لضرب الآراء المخالفة”.

ويؤكد للجزيرة نت أنه كان على الرئيس الابتعاد عن التعميم والألفاظ الفضفاضة التي تُخرج المرسوم عن سياقه، وإشراك مختلف الأطراف المتداخلة في قطاع الإعلام نظرا لتجربتها في وضع القوانين مما يخولها تطوير القوانين الموجودة “وليس تبني أخرى تؤسس لهيمنة السلطة التنفيذية”.

وشدد بالي على أن المجتمع التونسي تضرر كثيرا من نشر الشائعات خلال السنوات الأخيرة “لكن مقاومة الشائعة لا يمكن أن تتم بهذه الطريقة”.

ورأى عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين أن حرية التعبير مهددة منذ سنوات، وأن المرسوم رقم 54 سيزيد من الأخطار المحدقة بها.

وكشف عن وجود تشاور بين مختلف مكونات المجتمع المدني من أجل تنفيذ تحركات مشتركة دفاعا عن حرية التعبير، ورفضا لأي محاولة لاستعمال القانون لضرب الخصوم السياسيين والآراء المخالفة.

الغريزة الرقابية

بدوره، يرى الصحفي فطين حفصية أن المشرّع ذهب في طريق الزجر وجمع عقوبة السجن بالغرامة المالية في التعاطي مع ملف دقيق يتعلق بفوضى المعلومات التي يعيشها التونسيون نشرا وإعلاما وتواصلا.

ورأى أن هذا المشرّع وعند تدوينه فصول المرسوم “اختار الطريق الأشد الذي لن يوقف الظاهرة في ظل الفضاء المفتوح وتداعي جدران الرقابة المسبقة، وحمّله عبارات فضفاضة ونصوصا عامة قد يقع تحويل وجهتها نحو التكييف والاستخدام التعسفيين ووضعهما كعصا مسلطة في ظل غياب عصا الرقيب المباشرة”.

وأضاف حفصية للجزيرة نت أنه كان من الأفضل فتح موضوع فوضى المعلومات ونشر الأخبار الزائفة والشائعات على مستوى مهني وأخلاقي، ووضع العقوبات المناسبة التي غفل عنها المرسوم 115 لمواكبة زمن الإعلام الرقمي.

وأكد أن هذا المرسوم يجعل عددا من الصحفيين وغيرهم يستبطنون الخوف والغريزة الرقابية الذاتية “وهذا خطر على المهنة وعلى السياسيين والمتابعين للشأن العام أنفسهم، وبالخصوص للمتلقي الذي هو رأس مال كل عملية إعلامية”.

وأضاف حفصية أن مثل هذه المراسيم غير القابلة للطعن “كان من الأجدر تدوينها وفق منطق تعديلي وبرؤية لا تخرق مبدأي التناسب والضرورة في سن القوانين وفتح حوار ونقاش مختص حولها وتدارك ثغرات الماضي.

وبحسب تقديره، فإن لهذا المرسوم “خلفية تنظيمية لآفة خطيرة وهي فوضى المعلومات لكن بثوب زجري قاس وسالب للحرية مباشرة مما يعني دون أي اجتهاد أو تأويل وضعه كتهديد مسبق بدل أن يكون حلا استباقيا”.

جاء في وقته

بالمقابل، يتحدث الناشط السياسي طارق رحالي عن وقوعه ضحية نشر شائعات وأخبار كاذبة واتهامه “باطلا” بالتحايل وسرقة أموال موجهة لحملة مساعدات اجتماعية ونشر صوره وصور زوجته والتشهير به دون أدلة وإثباتات، ويتساءل “ما علاقة ذلك بحرية التعبير؟

وشدد -في حديثه للجزيرة نت- على أن المرسوم جاء في وقته، وأن المادة 24 ردعية كغيرها من القوانين الردعية القديمة، وأنه عكس ما يشاع “لن يعتدي إطلاقا على حرية التعبير بل سيقيد أولئك الذين استباحوا حرية الآخرين وأعراضهم”.

وأوضح أن طريقة تنفيذ هذا المرسوم وتطبيقه هي فقط من ستحدث الفارق بأن يأخذ الناس حرية التعبير بطريقة مسؤولة وعلى محمل الجد، أو أن “يظل المرسوم حبرا على ورق وتتواصل عملية استباحة أعراض الناس” على حد قوله.

ونفي الناشط إصدار الرئيس هذا المرسوم بهدف تكميم أفواه معارضيه مؤكدا أنه يهدف إلى وضع حد للتشهير وللتهم الباطلة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولنقل القضايا بالأدلة والإثباتات إلى أروقة المحاكم.

وبرأيه، فإنه على المعارضة “الابتهاج بهذا المرسوم الذي سيكرّس مسؤولية الحرية ولأنه سيكون في صالحها في حال تولت الحكم يوما ما”.

يشار إلى أن تونس تراجعت بـ 21 مرتبة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة، واحتلت المرتبة 94 -بعد أن كانت في المرتبة 73 من جملة 180 دولة، وفق التقرير السنوي لمنظمة “مراسلون بلا حدود” الذي نشرته يوم 3 مايو/أيار الماضي تزامنا مع اليوم العالمي لحرية الصحافة.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه