حذرت من سيناريو حرب أهلية بالمنطقة.. ماذا بقي للجزائر من أوراق في مالي؟

48

الجزائر- حذرت الخارجية الجزائرية من إعلان المجلس العسكري الانتقالي الحاكم في باماكو عن الإنهاء الفوري للعمل بمقتضى اتفاق السلم والمصالحة الموقع منذ عام 2015 بين الحكومة والحركات الأزوادية بإشراف من الجزائر.

وإذا كان العقيد عبد الله مايغا، المتحدث باسم حكومة مالي، قد برّر الوضع الطارئ بـ”التغير في مواقف بعض الجماعات الموقعة”، وما وصفه بـ”الأعمال العدائية” من جانب الوسيط الرئيسي الجزائر، فإن هذه الأخيرة قد ردّت على الخطوة الجديدة من منظور مغاير.

وفي بيان رسمي مطوّل، قالت الخارجية الجزائرية إنّ “القائمة الطويلة حول الأسباب المقدمة لدعم التنديد بالاتفاق لا تتطابق إطلاقا مع الحقيقة أو الواقع لا من قريب ولا من بعيد”.

وأضافت “على الشعب المالي الشقيق أن يدرك أن مثل هذه القرارات المؤسفة والمرفوضة قد أثبتت في السابق أن الخيار العسكري هو التهديد الأول لوحدة وسلامة الأراضي المالية، وأن هذا الخيار يحمل بين طياته بذور حرب أهلية في مالي، وأنه يعقّد المصالحة الوطنية عوض تسهيلها، كما يشكل تهديدا فعليا للأمن والاستقرار الإقليميين”.

واعتبر البيان أنّ “التحضير للقرار بدأ من مدة طويلة. فقد تجلت بوادر هذه الخطوة منذ عامين”، مُوردا بهذا الصدد سلسلة من المؤشرات الميدانية.

خبراء يتخوفون من عبء أمني على امتداد ألف كلم من حدود الجزائر الجنوبية (وزارة الدفاع الجزائرية)

فائض القوّة

وعن خلفيات تنصل السلطات المالية من الاتفاق، يرى توفيق بوقعدة، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الجزائر، أنّ ما “أقدمت عليه الحكومة العسكرية المؤقتة ليس بالمفاجئ، بل مهدت له تصريحات مسؤولين وقادة عسكريين ومدنيين منذ 2022”.

وقال المحلل بوقعدة، في تصريح للجزيرة نت، إن تلك النوايا تجسدت بممارسات على أرض الواقع، من خلال تأجيل عقد جلسات التنسيق لتطبيق بنود اتفاق السلم والمصالحة الوطنية.

ويعتقد المتحدث أن الدافع وراء القرار هو شعور القيادة العسكرية بأنها تمتلك فائض قوة، يمكّنها من السيطرة على الشمال بالحديد والنار، من دون الالتزام بمبدأ تقاسم السلطة مع الجماعات الأزوادية والعربية، حسب ما جاء في نص الاتفاق.

وقد عبّر الضابط العسكري المالي أسيمي غويتا صراحة عن ذلك في سبتمبر/أيلول الماضي، بالقول إن “ميزان القوة الذي احتكم إليه الاتفاق تغير، ولا بد من اتفاق جديد يعبر عن هذا التحول”، مثلما يضيف المحلل الجزائري.

كما أن هناك إدراكا لدى المجلس العسكري الحاكم أن إجراء الانتخابات في موعدها نهاية 2024 لن يكون في صالحه، بسبب -حسب المحلل- توسّع رقعة المعارضة في الجنوب وحتى بوسط البلاد، نتيجة الفشل في إدارة الشأن العام.

عبء أمنيّ

وعن السيناريوهات المحتملة في أعقاب هذا التطور التصعيدي، يجزم توفيق بوقعدة أن الاقتتال بين الحكومة المركزية والجماعات الأزوادية سوف يشكل عبئا أمنيّا على طول ألف كيلو متر من حدود الجزائر الجنوبية مع الساحل الأفريقي.

وأوضح الخبير في شؤون الإقليم أنّ التهديد ليس فقط عسكريّا، بل اجتماعي واقتصاديّ وهجرة غير شرعية وتفاقم للجوء، إضافة إلى تنامي نشاط الجماعات الإرهابية على امتداد دول الساحل.

وخلُص الخبير بوقعدة إلى أنّ المؤشرات الميدانية تؤكد عمل مجموعة الأزواد على تحقيق دولتها في مناطقها التاريخية، في ظل فشل الحلول السلمية في تمكينها من حق التنمية والاستقرار، وتنامي النزعة القومية لدى الجيل الجديد.

وما يزيد من تعقيدات المشهد، في تقدير المحلل، هو الصراع الدولي على مناطق النفوذ في أفريقيا والساحل بشكل خاص، لما تحتويه من ثروات ومعادن تغذّي التنافسية الاقتصادية والتجارية للقوى العالمية.

خيارات الجزائر

من جهة أخرى، “لا يبدو بأن الجزائر ستتقبل مبدئيّا نقض باماكو لاتفاق 2015 ببساطة، ولا هي مستعدة للتفريط فيه، باعتباره أرضية لصياغة المعادلات السياسية والأمنية في مالي”، مثلما قال حسام حمزة، أستاذ العلاقات الدولية بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية في الجزائر.

بالمقابل، يضيف المحلل، لا يظهر أن المجلس العسكري في باماكو سيتراجع عن قراره، لأن تملّصه من اتفاق الجزائر سيضمن له التخلص من ضغوطها، وكذا المجموعة الدولية التي ما فتئت تطالب بتقليص الفترة الانتقالية والعودة إلى الحكم المدني.

من هنا، يبدو واضحا بأن “الوضع يتجه نحو مزيد من التصلب في المواقف بين الطرفين، وضمن حدود هذه المعادلة ستجري اللعبة السياسية بينهما مستقبلا”، على حد تعبيره.

وفي ضوء ذلك، يتوقع الخبير في القضايا الجيوسياسية أن تتحرك الجزائر، بصفتها الراعية لتطبيق اتفاق السلم وقائدة الوساطة، مع الأطراف الدولية الموقعة عليه، وفي مقدمتها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لأجل الضغط والعودة إلى بنوده.

وأضاف الخبير أنّ تعنت السلطة الانتقالية وانسياقها نحو مسارات استعداء الجزائر والتعاون مع أطراف مناوئة لها، قد يجرّ عليها مجموعة من الإجراءات الجزائرية الاقتصادية الردعية، خاصة أن “أقاليم مالي الشمالية، كما هو معروف، تعاني تبعية اقتصادية شديدة نحو الجزائر”.

وفي السياق ذاته، لا يتصوّر المتحدث تضحية شركاء باماكو الجدد، روسيا وتركيا تحديدا، بعلاقاتهم مع الجزائر، إن وصل الأمر إلى مرحلة الاختيار بينها وبين مالي.

لكن على النقيض من ذلك، يعتقد المحلل توفيق بوقعدة أن دور روسيا، من خلال دعمها لكل خيارات المجلس العسكري، يضرّ بمصالح المنطقة.

وقال بوقعدة إن روسيا لا تراعي مصالح شركائها التقليديين وأولهم الجزائر، لأنّ دعمها المطلق للمجلس العسكري يأتي في إطار صراعها مع الغرب، حيث تضع كل ثقلها في إنجاح نموذج شراكتها الأمنية مع حكام مالي، قبل توسيعه نحو البلدان الأخرى، لتعزيز نفوذها في أفريقيا.

اقرأ المقال من المصدر