خلافات تعصف بحزب الترابي.. انقلاب أو انشقاق؟

48

الخرطوم- عصفت الخلافات بحزب المؤتمر الشعبي في السودان، وانتهت إلى تقسيم الحزب إلى جناحين تتباين رؤاهما الفكرية والسياسية لحد بعيد، وذلك بعد أكثر من عامين على تحركات مكتومة وأخرى علنية سعت لمعالجة تصدعات عنيفة ضربت التنظيم الذي كان يقوده الزعيم الإسلامي الراحل حسن الترابي، إلا أن الأمر انتهى بقادته إلى طرق مسدودة.

وقرر مجلس الشورى -وهو ثاني أعلى جهة تنظيمية في الحزب- الأربعاء الماضي إقالة الأمين العام علي الحاج وإلغاء كل القرارات والتحالفات مع القوى السياسية، واستندت الشورى في قراراتها هذه إلى ما يُعرف في النظام الأساسي للحزب بـ”أحكام الضرورة والواقع” التي تمنح الحق للشورى في اتخاذ إجراءات استثنائية عامة.

وأدى قرار الشورى لانقسام الحزب لتيارين يؤيد أحدهما جماعة الشورى التي ينضوي تحت لوائها قادة التنظيم التاريخيين وعدد من أنجال الشيخ الترابي، بينما يتزعم علي الحاج وكمال عمر ما يعرف بمجموعة الأمانة العامة، وهي التي ترفض بشكل قوي قرارات الشورى، وتعدّها بلا سند تنظيمي، بل ترى فيها تآمرا على التنظيم، وعلى أفكاره التي بناها الترابي.

جذور الخلافات

وبدت الخلافات تطفو على السطح في أعقاب الإجراءات التي اتخذها قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، حين أطاح بحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وزج قادتها في السجن، فكان الأمين العام للمؤتمر الشعبي علي الحاج أول من أدان الخطوة بإصدار بيان وصف فيه ما جرى بالانقلاب، لكن بعد ساعات قليلة سارعت مجموعة الشورى لسحب البيان من منصات الحزب على وسائل التواصل الاجتماعي، لتدور بعدها مشاحنات عنيفة بين الطرفين اتخذ على إثرها علي الحاج قرارات بفصل أمناء الأمانات، وعدد كبير من قادة التنظيم بنحو زاد التوتر والاستقطاب في الحزب.

وتوالت بعدها المواقف المتضادة في التنظيم الواحد بإعلان قادة معروفين في المؤتمر الشعبي تأييدهم تحركات الجيش الذي كان يرد إجراءات 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، للرغبة في تصحيح العملية السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة، بينما كانت مجموعة علي الحاج ترفضها كونها انقلابا عسكريا صارخا.

وامتد السجال الداخلي في المؤتمر الشعبي لأشهر طويلة إلى أن نشبت الحرب في أبريل/نيسان الماضي، حيث أعلنت مجموعة الشورى انحيازها الصريح للقوات المسلحة، بينما انضمت مجموعة علي الحاج لدعاة وقف الحرب دون التصريح بالانحياز لطرف بعينه.

الخلافات في المؤتمر الشعبي ظهرت في أعقاب الإجراءات التي اتخذها البرهان (يمين) حين أطاح بحكومة حمدوك (وكالات)

مفاصلة

تصف الأمانة العامة إجراءات الشورى الأخيرة بأنها “مفاصلة كاملة”، اكتملت حلقاتها بعد مؤامرة على المؤتمر الشعبي وإجهاض كل مساعيه الرامية إلى تحقيق الانتقال والسلام، لا سيما بعد جولة الأمين العام الأخيرة ولقائه بقيادة دولة جنوب السودان واقتراحه إجراء حوار سوداني- سوداني برعاية جنوب السودان، وتشكك الأمانة في بيان صدر، أمس السبت، في دستورية وقانونية الإجراءات المتخذة ضد الأمين العام والموقف السياسي للحزب، معلنة اتخاذ إجراءات وتدابير حاسمة بما يحافظ على الحزب وخطه السياسي.

ويعدّ الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي كمال عمر قرارات الشورى محاولة يائسة لإرضاء من يشعلون الحرب، ومن يحكمون بسلطة الواقع، متابعا “نؤكد خطر الفكرة وسوء التدبير والتفكير، ومحاولة جر المؤتمر الشعبي للوراء”. ويعلن تمسك الشعب بالمواقف السياسية المبرمة والساعية لوقف الحرب، والتحول الديمقراطي، والمضي في التنسيق، والتحالف مع الفاعلين السياسيين من أجل الاستقرار.

غير أن محمد عبد الواحد نائب رئيس هيئة الشورى يؤكد في حديثه للجزيرة نت صحة الإجراءات التنظيمية المتبعة بعقد الشورى؛ ومن ثم قراراتها حيث تأسست القرارات على المادة 26 الخاصة بأحكام الضرورة والواقع، التي تكفل العمل بها حال تعذّر عقد المؤتمر العام، وتسري المادة بقرار من هيئة الشورى، فهي الوحيدة -كما يقول محمد عبد الواحد- التي تستمر في المؤسسات حتى انقضاء الأجل.

انقلاب أو انشقاق

تتباين الرؤى حيال ما حدث في المؤتمر الشعبي ما بين الانشقاق والانقلاب، فمن وجهة نظر قيادي رفيع في الحزب (فضّل حجب اسمه) تحدث للجزيرة نت، فإن ما جرى من وقائع تؤكد أنه انقلاب مؤسسات على الأمين العام، وذلك بعد توقيع 1000 عضو من المؤتمر الشعبي بينهم أنجال الترابي على مذكرة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، تطالب الشورى بالانعقاد وانتخاب أمانة عامة جديدة، حيث نبّهت المذكرة لخروقات عديدة ارتكبها علي الحاج على المستوى التنظيمي، والمضي في تحالفات سياسية دون موافقة مؤسسة الحزب.

لكن المحلل السياسي محمد لطيف يرى أن ما جرى في المؤتمر الشعبي ليس سوى انشقاق مجموعة عن أخرى، وذلك بعد نشاط ما يسميه بالتيار السلطوي داخل الحزب، ومساعيه المتكررة لجره إلى ضفة السلطة، بينما يرفض التيار الآخر التحركات ذاتها.

ويشير محمد لطيف في حديثه للجزيرة نت إلى أن علي الحاج تعرض لاختبارين، واجتازهما بنجاح حين سجّل موقفا معارضا لانقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وكذلك دعوته إلى وقف الحرب، بينما دعم التيار الآخر الانقلاب دون تردد، وأيّد قطع الطريق على الانتقال الديمقراطي، وظل متماهيا بالكامل مع حزب المؤتمر الوطني المحلول، وهو ما دفع بعلي الحاج لإصدار قرارات فصل بحق بعض الأعضاء.

ويشير المحلل إلى أن الخلافات تبدت بوضوح بعد بدء الحرب، حين خرج قيادي بارز في تسجيل صوتي، وهو يدين التيار المتماهي مع دعم الصراع، ومن وجهة نظر محمد لطيف، فإن الجناح الذي خرج عن الحزب يقوده إبراهيم السنوسي وبعض القادة الداعمين للحرب، بينما المنطق وغالبية الشعب السوداني يؤيد وقفها.

ويتابع “لذلك نقول: الشعبي بكيانه ومؤسساته وتنظيمه تيار يقف ضد الحرب، ووقف ضد الانقلاب، وكانت إحدى القوى السياسية التي شكّلت اصطفافا جديدا بعد الانقلاب، ووقّعت على الاتفاق الإطاري، وبهذا يكون هو الأصل”.

خروقات

القيادي في المؤتمر الشعبي بشير آدم رحمة يقدم في حديثه للجزيرة نت رؤية مخالفة كليا بتأكيد صحة إجراءات الشورى في مواجهة الأمين العام، متهما الأخير بارتكاب سلسلة من الخروقات للنظام الأساسي والدخول في تحالفات سياسية لم تُجَز من هيئة الشورى، بجانب تكليفه الأمانة العامة بالموافقة على دستور لجنة المحامين، رغم مخالفة الدستور النظام الأساسي للحزب ومناوَءته الفكرة الإسلامية برمتها.

ومع ذلك يقول بشير إن هيئة الشورى التي التأمت في يونيو/حزيران 2022 مددت لبقاء علي الحاج أمينا عاما تعاطفا مع وجوده في المعتقل، حيث كان من بين المتهمين بتدبير انقلاب 1989.

وحسب القيادي فإن علي الحاج رفض الاعتراف بمقررات الشورى تلك، وبذلت محاولات وقتها لمنع شق الحزب، بالاتفاق معه على عقد شورى أخرى “توافقية”، وشُكلت لجنة لتحضيرها، لكنه أبطلها قبل الموعد خشية أن ترفض هيئة الشورى الاتفاق الإطاري الذي أيّدته الأمانة العامة.

ويرى بشير أن علي الحاج تعدّى صلاحياته بفصل أمناء الولايات وقيادات في الحزب بنحو لا يكفله له النظام الأساسي، بالإضافة إلى منعه انعقاد الشورى، ووقوفه إلى جانب موقعي الاتفاق الإطاري والدعم السريع ضد القوات المسلحة، موضحا “هذه جريمة كبرى في حق الوطن، وجُلّ عضوية الحزب رأت ضرورة عقد الشورى وعزله من المنصب”.



اقرأ المقال من المصدر