رفع كلفة العمل المقاوم.. إرث استعماري ينفذه الاحتلال الإسرائيلي

يسعى الاحتلال من خلال جرائمه في غزة إلى خلق قناعة بعدم جدوى المقاومة وحتمية القبول بهيمنته، ويعتبر توظيف العنف بمختلف أشكاله سياسة استعمارية شائعة، هدفها إخضاع الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وردعها عن خوض حروب التحرر.

وتتبعت دراسة بعنوان “البربرية المتحضرة.. ما نفتقده عندما نتجاهل العنف الاستعماري”، أجراها أستاذ العلوم السياسية الأميركي بول ماكدونالد، وشملت 193 حالة حرب استعمارية، العنف الاستعماري، وأظهرت أن الحروب الاستعمارية وحشية بشكل يفوق ما سواها من الحروب، كالحروب الأهلية والحروب بين الدول.

وتقول الدراسة التي نشرت على موقع جامعة كامبرج إنه على سبيل المثال، استهدفت 3 أرباع الدول في الحروب الاستعمارية المدنيين، مقارنة بأقل من ثلث الدول في الحروب بين الدول.

كما أظهرت أن القوى الاستعمارية تلحق ضررا بالمدنيين بشكل خاص عندما يستخدم المقاومون تكتيكات حرب العصابات، وعندما تعتمد الدولة الاستعمارية على المستوطنين أو الوكلاء المحليين للمساعدة في التعويض عن ضعفها النسبي.

من جانبه، قدّر المؤرخ الإيراني/السويسري بودا في كتابه “امتلاك العالم” عدد قتلى حروب التوسع الاستعماري في الفترة الممتدة من القرن الـ18 إلى القرن الـ20، بما بين 25 إلى 30 مليون شخص، 95% منهم من المدنيين.

سلوك استعماري

وبذلك فإن دولة الاحتلال الإسرائيلي تستند في إبادتها الجماعية للشعب الفلسطيني إلى إرث استعماري ممتد لقرون، وقد نشأت الولايات المتحدة، على سبيل المثال، إثر حرب إبادة شاملة للسكان الأصليين، عبأ لها المجتمع الأميركي موارده الاقتصادية والتكنولوجية.

واستمرّ هذا العنف كأساس للصعود السياسي للولايات المتحدة إلى اليوم، إذ يوثّق التاريخ القريب بالصوت والصورة قتل آلاف المدنيين بهجمات الطائرات المسيرة في أفغانستان، وقصف العراق وحصاره عقب حرب الخليج الأولى، علاوة على التعرية والتعذيب المنهجي للمعتقلين في معتقلات غوانتانامو وأبو غريب وباغرام.

ومعلوم أن صعود المكانة الدولية للعديد من الدول الأوروبية قام على الاستعمار الواسع النطاق، والتأسيس الفكري لمختلف لوازمه من بطش وإجرام. بما يشمل وضع العنصرية في قالب النظريات العلمية، كما في نظرية التفوق البيولوجي لبعض الأعراق، إضافة إلى نزع الآدمية عن أعراق أخرى، ومعاملتهم كحيوانات ووضعهم في أقفاص.

كي الوعي

ومن السياسات الثابتة في السلوك الاستعماري أيضا، “كيّ وعي” الشعوب، وترسيخ قناعتها بفداحة ثمن مقاومة الاحتلال، ومن الأمثلة على هذا السلوك إصدار فرنسا في بدايات القرن الـ20 بطاقات بريدية تحمل صور عمليات إعدامها المتمردين على استعمارها للهند الصينية- فيتنام وكمبوديا ولاوس-، وذلك لردع سكان المستعمرات عن المقاومة، وتسويغ فكرة العنف الاستعماري بين الفرنسيين.

كما تعمد السلطات الاستعمارية إلى إطلاق يد وكلاء محليين ليعيثوا فسادا في المجتمع الواقع تحت الاحتلال، مقابل مشاركة هؤلاء بتوفير أمن الاحتلال، وظهر هذا على سبيل المثال في تحالف الاحتلال الأميركي لأفغانستان مع أمراء الحرب وبارونات تجارة المخدرات.

وبهذا الشأن تفصّل مقالة لعمران فيروز في موقع “أميريكان بروسبيكت”، وقائع صمت الولايات المتحدة عن ظواهر الاستبداد وسوء الإدارة والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون التي ارتكبها حلفاؤها المحليون على مدار 20 عاما، رغم أنها دخلت البلد بذريعة نشر الديمقراطية.

إسرائيل ووراثة الاستعمار

وعت الحركة الصهيونية الدرس الاستعماري مبكرا، إذ نظّر القيادي في الحركة فلاديمير جابوتنسكي لضرورة الاستخدام المفرط للقوة في سبيل فرض وجود دولة الاحتلال.

وهذا ما كان عليه السلوك الصهيوني منذ عهد الانتداب، الذي شهد تشكيل عصابات الهاغاناه وشتيرن وسواهما، والتي نفذت مجازر بشعة ضد الفلسطينيين في عدة قرى، وكان من أشهر قادتها رئيسا الوزراء السابقان أرييل شارون وإسحق رابين.

كما نفذ الاحتلال الإسرائيلي جرائم وفظاعات ضد المدنيين رافقت كل حروبه التي خاضها منذ العام 1948، وخلال قمع الانتفاضتين الأولى والثانية، وفي حروبه في جنوب لبنان، وصولا إلى الحروب المتتالية التي شنها على قطاع غزة.

 طوفان الأقصى

وظهر الاستنساخ الإسرائيلي للفكر والسلوك الاستعماري منذ الأيام الأولى للحرب التي أعقبت عملية طوفان الأقصى، من خلال نزع الآدمية عن الفلسطينيين كما في تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت عقب هجوم السابع من أكتوبر، واتخاذ ذلك ذريعة لقطع الماء والغذاء والكهرباء عنهم. ومعاملتهم كأنهم ليسوا بشرا، بتعرية أسراهم ووضع بعضهم في أقفاص.

كما ظهرت مساعي كي الوعي الفلسطيني في ارتكاب عشرات المجازر ضد المدنيين، إضافة إلى تفاخر الجيش والمسؤولين الإسرائيليين بحجم الدمار الذي أحدثوه في قطاع غزة، والذي استهدف كل شيء.

فيما يسعى الاحتلال إلى الاتفاق مع أطراف سياسية أو عائلات في القطاع، يعهد إليها بتولي أمر توزيع المساعدات الإنسانية، بالتوازي مع منع أي جهود وطنية لتنظيم شؤون الإدارة المحلية، من خلال اغتيال أفراد الشرطة والمسؤولين الحكوميين. في تكرار لتجارب توظيف وكلاء محليين لتقليل كلفة الاستعمار ووأد المقاومة.

تجارب الصمود والتحرر

وفي المقابل تمكنت الكثير من الشعوب من مواجهة البطش الاستعماري، ونيل حريتها من خلال سياسات منها:

  • رفع كلفة الاستعمار، بشريا واقتصاديا وسياسيا: وعلى سبيل المثال في أفغانستان استمرت حركة طالبان في القتال 20 عاما متواصلة، إلى أن أجبرت الولايات المتحدة على التفاوض معها ثم الخروج تحت وطأة حرب الاستنزاف هذه.

وقد قدّر مشروع تكاليف الحرب (Cost of War) في جامعة براون كلفة حرب أفغانستان للخزانة الأميركية حتى عام 2021 بما لا يقل عن 2.261 تريليون دولار، أي ما يقرب من 16 ألف دولار لكل دافع ضرائب فدرالي.

وهي أرقام لا تشمل الكلف المستقبلية فيما يتعلق بتكاليف الرعاية الصحية لقدامى المحاربين في أفغانستان، ولا مدفوعات الفائدة المستقبلية على الأموال التي تم اقتراضها لتمويل بقاء القوات الأميركية هناك.

ويقدر التحليل أن 241 ألف شخص لقوا مصرعهم في حرب أفغانستان، من بينهم 2442 من أفراد الجيش الأميركي، وانتحار أضعاف هذا الرقم. إضافة إلى مقتل ما يقرب من 4 آلاف متعاقد أميركي.

كما أشارت إلى مقتل 1150 شخصا بين عسكريين ومتعاقدين من دول التحالف الدولي، إضافة لمقتل ما يقرب من 60 ألفا من عناصر الشرطة والجيش الأفغاني. ونجم عن الحرب إصابة ما يقرب من 40 ألف أميركي.

  • تعزيز القدرة على الصمود من خلال المقاومة الثقافية والفكرية: بما تتضمنه من تأكيد الهوية الوطنية وتمجيد التضحية والشهادة.

ويعدّ الإصرار على المقاومة مانعا لانتصار الاحتلال، إذ إن تعريف الهزيمة في علم العسكرية، كما ينقله المنظر العسكري أندريه بوفر في كتابه “مدخل إلى الإستراتيجية العسكرية”، هو أنها “حالة نفسية تمنع العدو من الاستمرار في القتال. وعليه فإن الصراع يدور في حقيقة الأمر على العقول، قبل سواها.

  • عزل المتعاونين المحليين مع المستعمرين شعبيا ومواجهتهم عسكريا في كثير من الأحيان: كما في تجربة أفغانستان وفيتنام ولبنان. إذ إن توقع حصول إجماع شعبي على مقاومة الاحتلال وهم معطِّل للعمل، إذ كان هناك في غالب الأحيان وكلاء محليون للاستعمار، لا يتم التحرر إلا بمعاملتهم على أنهم جزء منه.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه