سياسة الاغتيالات الإسرائيلية نجاح تكتيكي وإخفاق إستراتيجي

42

كثفت إسرائيل منذ بداية العدوان على غزة عمليات الاغتيال لقادة وكوادر تنظيمات المقاومة الفلسطينية، وحزب الله اللبناني فضلا عن قيادات عسكرية واستخبارية إيرانية في سوريا.

ولم تقتصر الاغتيالات على قيادات ميدانية داخل غزة والضفة الغربية، بل تجاوزتها لتشمل قيادات سياسية وعسكرية في الخارج، كان في مقدمتهم صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ورفاقه، إضافة إلى قيادات في حزب الله وفيلق القدس.

وتفتح عودة إسرائيل إلى سياسة الاغتيالات -في ظل الحرب على غزة- الباب على محاولة التعرف على إستراتيجية الاغتيالات ومدى اعتماد الاحتلال عليها في تحقيق “مزاعم الأمن”.

تاريخ الاغتيالات الإسرائيلية

يذهب أولدريش بوريس وأندرو هوكينز -في دراسة شاركا في كتابتها بعنوان “عمليات القتل المستهدف الإسرائيلية قبل وأثناء الانتفاضة الثانية: مقارنة سياقية”- إلى أن أول عمليات الاغتيالات الإسرائيلية بعد تأسيس دولة الاحتلال حدثت عام 1956.

وكانت تلك عملية متزامنة استهدفت مصطفى حافظ ضابط الاستخبارات الحربية المصرية في قطاع غزة، وصلاح مصطفى الملحق العسكري المصري في الأردن “انتقاما من دورهما في دعم الفدائيين الفلسطينيين”.

وهو ما عكس استمرار دولة الاحتلال في سياسة الاغتيالات التي اعتمدتها العصابات الصهيونية قبل عام 1948، كما حدث في اغتيال عصابة شتيرن لكل من اللورد موين وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط عام 1944، والكونت فولك برنادوت المبعوث الأممي للقضية الفلسطينية.

وامتدت سياسة الاغتيالات عبر عقود لتشمل قائمة كبيرة من قيادات منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية وحزب الله، وكثيرا من الشخصيات التي يعتقد أن لها دورا ما في دعم القضية والمقاومة الفلسطينية حتى من غير الفلسطينيين.

واستخدمت إسرائيل عدة أساليب في التنفيذ، منها الطرود المفخخة والمسدسات المزودة بكواتم الصوت، والسيارات المفخخة والقنص والمواد الكيميائية السامة والخنق، والطائرات المسيرة، وصولا إلى القصف الجوي بقنابل ضخمة لضمان التدمير الكامل للهدف.

بين الموساد والجيش

لعب جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) الدور الأبرز في عمليات الاغتيال حتى قبيل الانتفاضة الثانية، حيث وقع جل العمليات خارج فلسطين خلال الفترة الممتدة من عام 1956إلى عام 1999.

ولكن بعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، نفذت أغلب عمليات الاغتيال في غزة والضفة، وبرز فيها دور جيش الاحتلال وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) في تنفيذها.

وركزت عمليات الاغتيال الإسرائيلية بشكل شبه حصري -قبل الانتفاضة الثانية- على تصفية القادة الكبار لفصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية أو الكوادر التي تملك مهارات نوعية، وهو ما تغير منذ عام 2000 ليشمل تصفية القيادات الوسطى والعناصر المقاتلة بهدف وقف زخم الانتفاضة.

وبحسب دراسة نشرها سيمون برات تتناول “تطور منطق سياسة الاغتيالات الإسرائيلية خلال انتفاضة الأقصى” فقد نفذ الاحتلال 134عملية اغتيال أسفرت عن مقتل 367 شخصا خلال الفترة ما بين أكتوبر/تشرين الأول 2000 ويوليو/تموز2007.

وقد لجأت إسرائيل عام 2002 إلى تشريع عمليات الاغتيال قانونيا في سابقة على مستوى العالم، مع وضع ضوابط لم تلتزم كثيرا بها، من قبيل أن يكون اعتقال الشخص المستهدف أمرا غير ممكن عمليا، وعدم تنفيذ اغتيالات داخل إسرائيل، والالتزام بمبدأ التناسب في تنفيذ الاغتيال لتجنب إيقاع أضرار جانبية، واشتراط موافقة رئيس الوزراء ووزير الدفاع.

دوافع الاغتيالات

تبنت إسرائيل سياسة الاغتيالات لتحقيق عدة أهداف تختلف بتنوع الشخصيات المستهدفة، ومن أبرزها:

  • الانتقام وتعزيز الردع عبر إيصال رسالة بأن يدها طويلة يمكن أن تطال أي شخص يعمل ضدها، وأنها لا تنسى ولا تغفر لمن قتل إسرائيليين.
  •  رفع الروح المعنوية للإسرائيليين ونكاية في خصومهم، وتعميق شعورهم بأن حكومتهم تدفع عنهم التهديدات، وتنال من كل من يهدد أمنهم.
  • إضعاف فاعلية فصائل المقاومة عبر وضع القيادات والكوادر الفاعلة تحت ضغط الاستهداف في أي وقت، وهو ما ينعكس على تشديد إجراءاتهم الأمنية مما يقلل عادة من مساحة حركتهم واتصالاتهم، ويحد من فعاليتهم.
  • حرمان المقاومة من الشخصيات الموهوبة التي تمتلك قدرات ومهارات تراكمت بمرور الوقت، ولا يمكن نقلها بسهولة إلى الآخرين.
  • المراهنة في بعض الحالات على إضعاف الجماعات التي اغتيل قادتها، عبر إيجاد فجوة قد تقود لخلافات داخلية وانقسامات بعد غياب القائد الكاريزمي الذي يلتف الباقون حوله.
  • رفع كلفة الاشتراك في المقاومة ضد الاحتلال بهدف ترهيب المجتمع ودفعه للابتعاد عما يجلب ردود فعل إسرائيلية انتقامية.

فشل إستراتيجي

عند تفحص نهج الاغتيالات الإسرائيلية نجد أنه يعطي الأولوية للاعتبارات التكتيكية، بينما غالباً ما تكون له آثار إستراتيجية سلبية على الاحتلال، وهو ما يمكن توضيحه بعدة أمثلة.

فاغتيال عباس الموسوي أمين عام حزب الله، عام 1992، عبر قصف سيارته رفقة أسرته، لم يردع الحزب أو يؤدي إلى تفتته أو يقوض دائرة صنع القرار به، إنما ساهم في صعود قائد شاب آنذاك هو حسن نصر الله، والذي تمكن من تحويل الحزب إلى رقم مؤثر في المشهد اللبناني والمحيط الإقليمي.

وعلى جانب آخر أدى الاغتيال إلى رد فعل دموي من الحزب، حيث انتقم بتفجير مبنى السفارة الإسرائيلية بالعاصمة الأرجنتينية مما أدى لمقتل 29 شخصاً، وأعقبه بتفجير مبنى للجالية اليهودية هناك أسفر عن مقتل 85 شخصا.

وفي الإطار الفلسطيني، لم يسفر اغتيال يحيى عياش -عبر تفجير هاتفه الخلوي مطلع عام 1996- إلى تحطيم القدرات العسكرية لكتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، بل على العكس تحول عياش إلى أيقونة للمقاومة الفلسطينية.

وطوّرت القسام من قدراتها الأمنية والعسكرية، بالإضافة إلى انتقامها من اغتيال عياش عبر تنفيذ 4 تفجيرات بعد شهرين من تصفيته أسفرت عن مقتل 60 إسرائيليا وإصابة المئات، وهو ما أعاد وقتها للمشهد نمط العمليات الاستشهادية التي توقفت قبل الاغتيال نحو عام كامل، وأثبت أن إسرائيل لا تملك اليد العليا، وأنها كما تضرب تُضرب.

وضمن نفس السياق، دفع اغتيال أبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في 27 أغسطس/آب 2001، عناصر تنظيمه إلى الثأر بعد أقل من شهرين عبر اغتيال رحبعام زئيفي وزير السياحة الإسرائيلي الشخصية السياسية المتطرفة، في الفندق الذي يقيم به، وذلك ضمن سياسة رأس برأس.

كذلك لم يؤد اغتيال كبار قادة حماس إسماعيل أبو شنب وعبد العزيز الرنتيسي والشيخ أحمد ياسين -في وقت متقارب خلال أقل من عام واحد- إلى انهيار القيادة السياسية للحركة، أو تقوية السلطة الفلسطينية على حساب فصائل المقاومة قبيل الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من غزة عام 2005.

وأدت تلك الاغتيالات إلى تعزيز صورة حماس كحركة مقاومة يُستشهد قادتها وأفرادها في المواجهات، وهو ما ساهم في فوزها بانتخابات 2006 مما قاد في المحصلة إلى سيطرة حماس على كامل قطاع غزة عام 2007، ليتحقق عكس ما أرادته القيادة الإسرائيلية.

تهديدات مباشرة

إن سياسة الاغتيالات الإسرائيلية أدت في بعض الحالات إلى تفكيك تنظيمات فلسطينية صغيرة مثل “أيلول الأسود” لكنها لم تنجح في تفكيك جماعات لها امتدادات بالمجتمع تتيح ضم أعضاء جدد، وتصعيد أصحاب المواهب والكفاءات بشكل سريع لتعويض فقدان القادة، مثلما هو الحال لدى حماس في فلسطين أو حزب الله في لبنان.

ويخلص رونين بيرغمان الصحفي الإسرائيلي بكتابه الموسوعي “قم واقتل أولاً: التاريخ السري للاغتيالات الإسرائيلية المستهدفة” إلى أن سياسة الاغتيالات نجحت في إزالة تهديدات مباشرة محددة لكنها فشلت في توليد حل طويل الأمد لمعضلة الأمن الإسرائيلي، وأثبتت أنها ليست بديلاً عمليًا للمفاوضات والتسوية.

وتشير تلك العمليات إلى أن صناع القرار الإسرائيليين -الذين يميلون إلى التفكير في المكاسب الآنية قصيرة المدى التي تحققها عمليات الاغتيال دون تأمل السياق الإستراتيجي الأوسع ودروس التاريخ- إلى أن عدالة القضية ووجود حاضنة شعبية للمقاومة يؤديان إلى تحويل القيادات المغتالة إلى رموز للنضال، كما يدفعان باستمرار إلى تجديد الدماء وعنفوان المقاومة.

اقرأ المقال من المصدر