طبيبة بريطانية تروي مشاهد مأساوية بعد خروجها من غزة

55

مع استمرار المآسي الإنسانية المفجعة في قطاع غزة بسبب العدوان الإسرائيلي المتواصل منذ قرابة 6 أشهر، واستهداف إسرائيل الصحفيين ووسائل الإعلام، فإن شهادات العائدين من القطاع تكتسي أهمية خاصة.

فرغم تفاقم الأزمة الإنسانية وما يعيشه الفلسطينيون المحاصرون في القطاع من قتل وتنكيل وتشريد وتجويع، فإن أصواتهم وتفاصيل معاناتهم لا يصل منها إلى العالم سوى النزر اليسير الذي ترصده عدسات التصوير التي لا يزال أصحابها يضعون أرواحهم على أكفهم لإيصال جزء مما يجري.

وكذلك ينقل إلينا جزءا من المعاناة شهود العيان الذين يزورون غزة، ويعودون منها ليرووا الفظائع، التي يرتكبها الاحتلال في غياب أي رقيب، ومآسي الفلسطينيين الذين يحاصرهم الاحتلال الإسرائيلي ويمطرهم بأطنان القنابل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ومن بين الشهود على تلك المأساة غير المسبوقة في المنطقة، الطبيبة البريطانية بيرسن جاسكل، اختصاصية التخدير، التي زارت غزة خلال الحرب الحالية، وعملت هناك لأكثر من أسبوعين قبل أن تعود إلى بلدها.

دخلت جاسكل قطاع غزة رفقة فريق من الأطباء تابع لمنظمة أطباء بلا حدود، وانضمت للكوادر الطبية العاملة بمدينة رفح جنوبي قطاع غزة، وعملت هناك ما بين 4 و21 فبراير/شباط الماضي.

وشاركت الطبيبة البريطانية في علاج مرضى ومصابين في رفح رغم شح الإمكانيات واكتظاظ المدينة بالسكان والنازحين، حيث يقدر عدد الموجودين فيها بنحو 1.5 مليون نسمة، كثير منهم نازحون.

أطفال فلسطينيون نازحون يتجمعون لتلقي الطعام في مدرسة حكومية في قطاع غزة (الفرنسية)

أطفال تحت القصف

تروي جاسكل مشاهداتها في رفح لوكالة الأناضول، وتوضح أنها قررت التوجه إلى القطاع للمساهمة في تضميد جراح الناس ولو بالقدر اليسير، بعد ما شاهدته من قتل وإعاقة وإصابات في صفوف المدنيين.

وتقول إنها أصيبت بالانهيار وشعرت بحزن عميق عند دخولها القطاع، خاصة مع تواصل أصوات القصف الذي لم يكن ينقطع على مدار الساعة، ومع القصف كان صراخ الأطفال المرعوبين والمصابين لا ينقطع.

وحول الأجواء السائدة في رفح بعد دخولها، توضح الطبيبة البريطانية أن كل مدني أو عامل بقطاع الصحة ممن قابلتهم كانت لديه قصص مرعبة عما عايشه، وعن قريب أو صديق فقده، وحكايات مؤلمة كثيرة تكشف عن جوانب من الوضع المأساوي الذي يعيش الناس تحت وطأته.

لكن أكثر ما صدمها خلال مقامها في رفح هو مشاعر الخوف والهلع لدى الأطفال، وعندما غادرت غزة رافقها الشعور بالقلق على حياة المدنيين الذين التقتهم ووقفت على معاناتهم اليومية عن قرب، ولا تعرف الآن مصيرهم، وهو موقف تؤكد أنه ليس سهلا على أي إنسان مواجهته خاصة على الأطباء.

وتقول جاسكل “عند مغادرتي قطاع غزة، شعرت كأنني أتخلى عنهم، وأحسست بالذنب حينها، فقد كنت أملك خيار مغادرة المنطقة، أما هم فلا يملكون ذلك الخيار، لذا لم يستطيعوا المغادرة حتى الآن”.

غزة لم تعد تصلح للحياة

تتحدث الطبيبة البريطانية عن الأوضاع الصحية في القطاع، وتؤكد أن المدنيين -خاصة الأطفال- يعانون إصابات معقدة مما يتطلب معالجتهم من قبل أطباء اختصاصيين، وتؤكد أن أصحاب الإصابات المعقدة والخطيرة لا يحظون بالقدر الكافي من العلاج في ظل شحّ الإمكانيات الطبية وضعف الخدمات الصحية.

أما عن الأوضاع الإنسانية والخدمية بشكل عام، فتذكر أن جميع مرافق الحياة اليومية منهارة تماما في القطاع الذي وصفته بأنه “لم يعد صالحا لأن يعيش الناس فيه”.

وتقول “غزة تحولت حقا إلى جحيم على وجه الأرض، ولم تعد قابلة للعيش في ظل الحرمان من أبسط المتطلبات الأساسية للحياة، مثل الماء والكهرباء والتعليم والصحة، بالتوازي مع حالة من الفوضى بسبب احتمال حدوث أي شيء في القطاع”.

وتوضح جاسكل أنها وزملاءها الأطباء، الذين دخلوا غزة لفترة محدودة، بذلوا ما في وسعهم لتضميد جراح الناس من الناحية الطبية، لكن رغم ذلك فإن جهودهم كانت دون المطلوب نظرا لحجم الأضرار وفداحة الإصابات.

وتلفت إلى أنها دخلت كثيرا من مناطق الحروب والنزاعات في اليمن والعراق وجنوب السودان ونيجيريا، لكنها ترى أن المهمة الأصعب بالنسبة لها كانت في قطاع غزة.

وتبرر الطبيبة رأيها هذا بالقول إن حالات الإصابة والصدمات التي كانوا يواجهونها في صفوف المدنيين داخل القطاع كانت كبيرة جدا من حيث العدد، فضلا عن درجة خطورتها البالغة.

وختمت الطبيبة البريطانية حديثها بالقول “ما يحدث في غزة كارثة إنسانية بكل معنى الكلمة، ولا يوجد أي مبرر لكل هذا الألم والمعاناة” وطالبت المجتمع الدولي بوضع حد للحرب على غزة.

اقرأ المقال من المصدر