عبد الرحيم محمود.. شاعر غذّ إلى الموت الخطى

46

قدم الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود نموذجًا لشعر المقاومة والقتال من أجل الحرية، وربط بوعي بين الموقف والمعنى، فقاتل بسلاحه حتى نال الشهادة، وعبّر بشعره عن مشاعر الثوار الذين دافعوا عن حق شعب فلسطين في حماية أرضه ومقدساته.

بين الميلاد والوفاة 35 عامًا (1913- 1948)؛ لكنه شهد خلالها الكثير من الأحداث التي أثبتت أن الشاعر يقول كلمته ويموت لكي تدبّ الحياة في قيودها، فعندما يفخر بالكرم العربي؛ فإنه يجود بنفسه، فذلك غاية الجود.

أصالة النسب والمعرفة

وعبد الرحيم محمود شاعر أصيل النسب؛ فوالده الشيخ محمود العنبتاوي من عائلة فلسطينية عريقة تتمتع بالثراء، وكان يحتل مكانة اجتماعية مهمة، يتوافد العرب إلى مجلسه ليقوم بحلّ مشاكلهم، وإصلاح ذات بينهم، وتسير الركبان بسيرته، ويتحدث الضيوف بكرمه وطيب خصاله؛ وكان أيضًا شاعرًا وفقيهًا تخرج في الأزهر، وأصبح من شيوخ المذهب الحنبلي.

كما أن الأسرة كلها عرفت بالثقافة والعلم والفقه، فأطلق عليها شعب فلسطين لقب “الفقهاء”، وكان لذلك تأثيره على بناء شخصية عبد الرحيم ونفسيته ومواقفه.

وكان مجلس الشيخ محمود هو المدرسة الأولى التي تعلم فيها الشاعر العلم والدين والفصاحة والبلاغة والبيان، وحفظ القرآن، واستمع للكثير من شعر العرب وسير أبطالهم، وبذلك جمع عبد الرحيم أصالة النسب واللغة والتجربة التاريخية مع أصالة المعرفة والأفكار والمعاني وقوة الاعتزاز بالهوية العربية، وصدق الانتماء للإسلام، وأثرت تلك العوامل على شخصيته، وشاعريته، وخياله، ومعانيه.

في مدرسة النجاح الوطنية

مع ذلك سار عبد الرحيم في طريق التعليم الرسمي؛ حيث التحق بالمدرسة الابتدائية في بلدته “عنبتا”، ثم انتقل إلى “مدرسة النجاح الوطنية” في نابلس؛ فالتقى بأستاذه إبراهيم طوقان الذي كان يعمل معلمًا في هذه المدرسة، وأثرت شخصية طوقان على اتجاه عبد الرحيم وقاموسه الشعري، وبعد أن أكمل دراسته؛ تمّ تعيينه أستاذًا للأدب العربي في ذات المدرسة، فتوطدت علاقته بطوقان.

لكن عبد الرحيم قرر أن يستقيل من المدرسة عندما اشتعلت الثورة العربية عام 1936 ليلتحق بصفوف المقاتلين، ويصبح قائدًا حقق الكثير من الانتصارات على الجيش البريطاني، وقام بعمليات فدائية؛ لذلك طاردته السلطات البريطانية.

اضطر بسبب المطاردة إلى الهجرة إلى العراق عام 1939، وهناك التحق بالكلية الحربية في بغداد، وتخرج فيها برتبة ملازم، وشارك مع ثوار العراق في ثورة رشيد عالي الكيلاني.

العودة والشهادة

عاد عبد الرحيم إلى فلسطين عام 1947، ليشارك في ثورة شعبه التي اشتعلت بعد قرار التقسيم، وانضم إلى جيش الإنقاذ ليقوم فيه بدور قيادي، وشارك في معارك مهمة كمعركة بيار عدس، ورأس العين، وتولى قيادة كتائب المجاهدين في طولكرم والناصرة.

حققت هذه الكتائب بقيادته الكثير من الانتصارات خلال النصف الأول من عام 1948 على العصابات الصهيونية، بالرغم من أن الجيش البريطاني ترك أسلحته لهذه العصابات التي استخدمتها في تدمير القرى الفلسطينية، وإبادة سكانها، ومع ذلك استمر عبد الرحيم وقواته في القتال؛ حتى فاز بالشهادة في معركة قرية الشجرة التي كان قائدها وبطلها في 13 يوليو /تموز 1948.

الإصرار على الشهادة

ما وصل إلينا من شعر عبد الرحيم محمود قليل، شأنه في ذلك شأن كل الشعراء الذين شاركوا في المعارك، وأنشدوا في ميادين القتال ليشحذوا همم الرجال، فلم نعرف من قصائده إلا ما تمكنت لجنة من الأدباء الفلسطينيين من جمعه عام 1958 من أعماله المنشورة في الصحف والمجلات، وعددها 27 قصيدة.

وتوضح هذه القصائد القليلة كيف أن روحه كانت تحلق في سماء الشهادة، تبحث عنها وتنتظرها، لذلك كتب وسنه لم يتجاوز 24 عامًا قصيدة يقول في مطلعها:

سأحمل روحي على راحتي              وألقي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تسر الصديق                     وإما ممات يغيظ العدا

ونفس الشريف لها غايتان                ورود المنايا ونيل المنى

لعمرك إني أرى مصرعي               ولكن أغذ إليه الخطى

أرى مصرعي دون حقي السليب        ودون بلادي هو المبتغى

كما يقول عن الشهيد:

ونام ليحلم حلم الخلود                   ويهنأ فيه بأحلى الرؤى

لعمرك هذا ممات الرجال               ومن رام موتًا شريفًا فذا

وإذا كان الشاعر قد عاش حياة قصيرة بمقاييس الناس، فقد عاش شعره طويلًا، وسار على الألسنة، فقد تحولت قصائده السابقة وقصائد أخرى إلى أغانٍ وأناشيد يتغنى بها المقاومون في فلسطين وغيرها حتى يومنا هذا.

ويفتح هذا النوع من الأدب مجالًا علميًا جديدًا، هو استشراف مستقبل الصراع عن طريق دراسة أدب المقاومة والتحرير، الذي يسهم في تشكيل نفسية الأبطال الذين يدافعون عن عقيدتهم وأرضهم وحقهم، أو كما يقول عبد الرحيم في قصيدته “ورود المنايا ونيل المنى”.

في قصيدته دعوة للجهاد يقول عبد الرحيم محمود:

دعا الوطن الذبيح إلى الجهاد             فخف لفرط فرحته فؤادي

وسابقت النسيم ولا افتخار                أليس علي أن أفدي بلادي؟

لكنني هنا أختلف مع الشاعر؛ فمن حق المقاوم الحر أن يفخر على القاعدين الخانعين الخاضعين الخائفين من القوة الغاشمة، وأن تفخر الأمة الإسلامية بكل مجاهد يتقدم لتحرير أرضه. ومن حق أبنائه أن يفخروا بسيرته التي تضيء الطريق لحركات التحرر الوطني.

لذلك أتفق مع عبد الكريم الكرمي في وصفه لعبد الرحيم بأنه “أبر فتى لأقدس أم”.

كل ماء في غير فلسطين كدر

عن فلسطين التي أحبها وضحى بحياته من أجلها، يقول:

تلك أوطاني وهذا رسمها                     في سويداء فؤادي محتفَر

يا بلادي يا منى قلبي إن                     تسلمي لي أنت فالدنيا هدر

منيتي في غربتي قبل الردى                أن أملي من مجاليك البصر

يا بلادي أرشفيني قطرة                     كل مـاء غير ما فيك كدر

ليت من ذاك الثرى لي حفنة               أغلى من شذا الترب العطر

ويوضح عبد الرحيم محمود أن المجاهد يقاتل لانتزاع حقوقه، فلا يستجدي الحلول السلمية. لذلك يخاطب العرب في عيد الجامعة العربية:

واغصب حقوقك قط لا تستجدها          إن الألى سلبوا الحقوق لئام

هذي طريقك للحياة فلا تحد              قد سارها من قبلك القسام

ويضيف في قصيدته دعوة إلى الجهاد:

إذا ضاعت فلسطين وأنتم             على قيد الحياة ففي اعتقادي

بأن بني عروبتنا استكانوا             وأخطأ سعيهم نهج الرشاد

كما يرفض الحلول التي تأتي من مجلس الأمن، حيث يرى أن الأمم المتحدة تساعد الطغاة. فيقول:

يا مجلس الذل أنتم بعض نكبتنا                   تعطي الحقوق لمن كان أفاكا

يا مجلس الخزي لن يرجوك من ظلموا         دم الشعوب على التاريخ أخزاكا

النار تحرق شعبًا عند هبته                         ضد الطغاة ولا ترنوه عيناكا

لذلك فالحل الوحيد هو المقاومة والكفاح والجهاد. فيوجه نصيحته الأخيرة للعرب:

لا تجعلوا من رماح الروم حاميكم             فالذئب للشاة والحملان سفاكا

هم لا يريدون إلا كل نفطكم                 وأن يكون كبير الروم مولاكا

كانت الشهادة هي الخاتمة النبيلة لحياة شاعر شاب ثائر، انطلق يحمل سلاحه ليحمي فلسطين، ويدافع عن أرضها، واستخدم كلماته ليعيد لأمته وعيها بأنها تستطيع أن تحقق النصر والمجد، وتنتزع حريتها وحقوقها.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

اقرأ المقال من المصدر