غزة ما بعد الحرب.. ما محصلة تدافع أطراف الصراع؟

46

منذ الأيام الأولى للحرب على قطاع غزة، بدأ الاحتلال الإسرائيلي وداعموه بالحديث عن وضع القطاع ما بعد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ضمن إستراتيجية تهدف إلى تعزيز جهود الحرب النفسية المرافقة للعمليات العسكرية، التي تستهدف سكان القطاع ومختلف الدول التي قد تتعاطف مع الفلسطينيين ومقاومتهم.

أما الهدف الثاني لهذا الحديث فهو توفير غطاء سياسي للجرائم الحربية الإسرائيلية من خلال الإيحاء بأن هناك هدفا سياسيا مقبولا ووشيك التحقق للحرب، مما يقلل من مستوى ردود الفعل الرسمية والشعبية على هذه الجرائم غير المسبوقة.

وبالمقابل تداول الفلسطينيون وداعموهم أفكارا ومقترحات تعبر عن الرؤية والمصلحة الفلسطينية لشكل قطاع غزة بعد الحرب.

وأغلب ما يتم طرحه من تصورات مبني على افتراض توقف حالة الحرب في المدى القريب، وهو أمر مشكوك في حصوله بفعل تباعد الموقف السياسي لطرفي الصراع الأساسيَين، واقتراب المواجهة بينهما من الصراع الوجودي.

ويمكن حصر السيناريوهات التي تحدث عنها الاحتلال وداعموه بشأن ما بعد الحرب فيما يلي:

  • عودة السلطة الفلسطينية منفردة بعد تنشيطها، وفقا للرؤية الأميركية التي صرّح بها مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان يوم 15 ديسمبر/كانون الأول الماضي.
  • نشر قوات عربية أو دولية في قطاع غزة عقب انتهاء الحرب، وهو سيناريو أعلنت إسرائيل موافقتها عليه، وفقا لهيئة البث الإسرائيلية يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
  • سيطرة أمنية إسرائيلية طويلة المدى، مما يجعلها في حالة احتلال حتى وإن كان هناك سلطة مدنية تابعة له، وهو موقف أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تبنيّه بتاريخ 22 يناير/كانون الثاني 2024.
  • تهجير سكان القطاع إلى خارج فلسطين، سواء إلى مصر أو إلى دول بعيدة عبر البحر، وهي مواقف صرح بها وزيرا المالية والأمن القومي الإسرائيليان بتاريخ 4 ديسمبر/كانون الثاني 2023.

وبالمقابل فقد تداول الفلسطينيون سيناريوهات أخرى هي:

  • حصول توافق بين حركة حماس وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، أو السلطة، بشأن إدارة القطاع والضفة، كما يفهم من تصريحات رئيس حماس إسماعيل هنية بتاريخ 13 ديسمبر/كانون الأول 2023.
  • بقاء الصيغة السابقة، وهي سيطرة حركة حماس، مع بقاء التوصيف القانوني للقطاع بأنه جزء من السلطة الفلسطينية.
  • إدارة مدنية محلية لا تتبع بالضرورة للسلطة الفلسطينية، مع عدّ القطاع أرضا محررة توجد فيها سلطة أمر واقع تأخذ على عاتقها تسيير الشؤون المدنية إلى حين استكمال التحرير، وهذا يستبطن تقديرا بأن الضفة الغربية ما زالت تحت الاحتلال.

عن حديث ما بعد حماس

لا يظهر أن هناك رؤية سياسية إسرائيلية ناضجة بشأن ما بعد الحرب، ويعود ذلك إلى أمور منها مفاجأتها بعملية طوفان الأقصى، وانهيار إستراتيجيتها لاحتواء حركة حماس في قطاع غزة والتي راهنت عليها قرابة عقد ونصف العقد، وسيطرة هاجس الأمن الذي لا يوفر هامشا لطرح سياسي يمكن أن يقبله أقرب حلفاء إسرائيل وهي الولايات المتحدة.

ففي البداية كان الرهان على التهجير، وهو ما أفشله صمود الشعب وأداء المقاومة في غزة، مما أعاق مساعي الولايات المتحدة في تسويقه إقليميا.

كما ظهر في التصريحات العربية الرافضة للتهجير بالتزامن مع جولة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن للمنطقة العربية منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وبالتوازي، ظهرت محاولات اليمين المتطرف لاستغلال الحرب لفرض وقائع في الضفة الغربية تمهد لتهجير الفلسطينيين منها إلى الأردن، ولتقويض ما تبقى من صفة سياسية للسلطة الفلسطينية، وحشرها في خانة الدور الأمني والخدمي حصرا.

أما فيما يتعلق بإعادة احتلال القطاع، فمن الواضح عدم وجود الرغبة ولا القدرة لدى دولة الاحتلال على القيام بذلك بشكله الواضح والفج، لكنها تسعى كعادتها إلى احتلال رخيص الكلفة من خلال إقامة إدارة مدنية خاضعة للاحتلال، يمولها المجتمع الدولي وبعض الدول العربية، مع احتفاظها بالسيطرة الأمنية وحق الدخول متى شاءت والتصرف كيفما شاءت، كما ظهر في تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت.

وهي حالة شبيهة إلى حد بعيد بالحالة في الضفة الغربية، مع جعل السيطرة الأمنية لها حقا مفروضا في الترتيبات السياسية منذ البداية.

وهذا الحل لن يقبله الفلسطينيون في قطاع غزة، خصوصا بعد عيشهم خارج سيطرة الاحتلال المباشرة منذ الانسحاب الإسرائيلي من القطاع عام 2005، مما ينبئ بصراع ممتد إن حاول الاحتلال وحلفاؤه فرض أي سيناريو شبيه.

الكلمة للميدان

ويبقى أثر الميدان حاسما في ترجيح أي من هذه السيناريوهات، ومع انقضاء أكثر من 100 يوم على الحرب، وصمود وثبات المقاومة وحاضنتها الشعبية في وجه التوغل البري الإسرائيلي، يبدو أن دولة الاحتلال والإدارة الأميركية تدركان بشكل متزايد ضآلة احتمال تحييد حضور الحركة في غزة.

وهذا يدفع باتجاه مقاربة أخرى، وهي تشديد الضغط عليها وعلى حاضنتها للقبول بترتيبات تلبي الحد الأدنى من الرغبة الأميركية والإسرائيلية.

ولكن عقدة الأمر هي موضوع العمل المقاوم، فبالنسبة لحركة حماس وبقية فصائل المقاومة يشكل هذا الأمر مبرر وجودها، سواء بممارسة العمل العسكري المقاوم، أو بالإعداد له بتصنيع السلاح وبناء الأنفاق والتدريب.

بل إن عملية طوفان الأقصى تشير إلى الأولوية المطلقة للعمل العسكري المقاوم لدى حركة حماس إلى الدرجة التي لا يعد الحفاظ على السلطة في قطاع غزة أمرا هاما في وعيها إلا بمقدار ما يرتبط بتأثيره على العمل المقاوم إيجابا أو سلبا.

وبالمقابل فإن الهاجس الإسرائيلي الوجودي في الوقت الحالي هو هاجس الأمن، مما يدفع بحكومة الاحتلال إلى مقاومة الكثير من الضغوط الداخلية والخارجية للاستمرار في مساعيها لتقويض أكبر مقدار ممكن من القوة العسكرية والمدنية لحركة حماس.

وبالتالي فنحن أمام لعبة تكاد تكون صفرية بالنسبة إلى الطرفين، وإن كانت حديتها أقل بالنسبة إلى أطراف أخرى كالإدارة الأميركية والدول الغربية، إذ إن سيناريوهات عودة السلطة إلى قطاع غزة التي تتبناها واشنطن تستبطن قبولا ضمنيا ببقاء حركة حماس في القطاع، ولكنها تسعى لأن تكون الحركة حينها مردوعة بفعل آثار الحرب ووجود قوات أمن فلسطينية أو دولية، وهو أمر احتمال تحققه ضعيف.

الرهان على السلطة

تصر الولايات المتحدة على حصر الحديث عن الحلول للمواجهة في إطار عملية التسوية السياسية ومشروع حل الدولتين، إذ صرح الرئيس الأميركي جو بايدن قائلا “بينما نسعى جاهدين من أجل السلام، ينبغي إعادة توحيد قطاع غزة والضفة الغربية تحت هيكل حكم واحد، وفي نهاية المطاف في ظل سلطة فلسطينية متجددة، بينما نعمل جميعا نحو حل الدولتين”.

وتهدف الإدارة الأميركية من هذا الموقف إلى الحفاظ على هيكل وشكل هذه العملية، رغم الضآلة البالغة لاحتمال تحقق هذا الحل، مما يشير إلى أن هدف موقفها هو الحفاظ على دور إدارة الصراع دون حله، مما يمكن وصفه بـ”طبخة حصى” لا تنتج حلا بل وهما يهدّئ الشعب ويعيق انخراطه في مقاومة الاحتلال بشكل أوسع.

كما تشكل استمرارية هذا المسار دعامة لمساعي الولايات المتحدة لترتيب تحالفات المنطقة على الشكل الذي تريده من خلال توفير غطاء للتطبيع العربي الإسرائيلي، وتحويل بوصلة العداء لتصبح بين تحالف عربي إسرائيلي من جهة، وبين إيران وحلفائها من جهة أخرى.

ومما يدفع الإدارة الأميركية إلى الانخراط في مساعي تهدئة الصراع حرصها على قطع الطريق على روسيا والصين لاستثمار انشغالها بهذه الأزمة لتعزيز مكانتيهما الدولية وتعزيز مواقفهما في حرب أوكرانيا وفي صراع النفوذ في المحيط الإقليمي للصين.

إضافة إلى إيجاد جهات تتحمل التكلفة الإنسانية والمادية والإدارية المترتبة على جرائم إسرائيل في غزة، مع الحرص على تقليل استفادة المقاومة من أي ترتيب لاحق بشأن ما بعد الحرب.

وفي هذا السياق، ظهرت مواقف أميركية تؤكد ضرورة أن تتولى السلطة الفلسطينية المسؤولية عن قطاع غزة وتجهيزها للقيام بهذا الدور، كما ورد في تصريحات بايدن المذكورة أعلاه. إلا أنّ واقع السلطة يظهر أنها أعجز من الاضطلاع بهذا الدور، فهي في المقام الأول لا تملك الشرعية السياسية التي تغطي أي دور أمني يفترض أن تقوم به، خصوصا مع مستوى التطرف والتعنت الإسرائيلي الذي لا يمكن أن يعطيها هامش الظهور بالمظهر الوطني، مما يعني أنها ستكون في صدام مع سكان القطاع منذ اليوم الأول، ما لم يكن قدومها في إطار توافق مع حركات المقاومة بشكل خاص.

فساد وصراع

ويضاف إلى ذلك مستوى الصراع والتفكك الداخلي لحركة فتح بفعل الخلاف السياسي بين مكوناتها، والصراع المحتدم على وراثة مناصب رئاسة السلطة والمنظمة والحركة.

ويشار أيضا هنا إلى حجم الكارثة في غزة، الذي يصعب على السلطة المتهمة بالفساد على نطاق واسع بأن تدير معالجته بشكل موثوق بالنسبة للمانحين المفترضين، وعلى سبيل المثال كشف تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية في السلطة الفلسطينية للعام 2020 عن حقائق صادمة لحجم الفساد، الذي طال مختلف القطاعات والمؤسسات بما فيها هيئة مكافحة الفساد نفسها.

ومن الملاحظ أن موقف السلطة تدرّج من تحميل الاحتلال والعالم المسؤولية عن تفجر الأوضاع، والدعوة إلى وقف إطلاق نار فوري، إلى الحديث صراحة عن التنسيق مع الأميركيين بشأن إدارة غزة بعد تحييد حركة حماس.

ويصدر هذا الموقف بالتوازي مع شعور السلطة بانفضاض الشعب الفلسطيني عنها والتفافه حول المقاومة بشكل متزايد، كما تظهر الكثير من الشواهد كاستطلاعات الرأي التي كان أبرزها ما أصدره المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، إضافة إلى مظاهر العمل المقاوم المتزايد في الضفة.

وهذا الحال يدفع كتلة بشرية ارتبطت مصالحها بكيان السلطة، التي توفر لها النفوذ والمال، إلى الانحياز إلى مصدر الشرعية والتمكين المعاكس وهو الاحتلال والدول المتحالفة معه كالولايات المتحدة، وهي إن استمرت في فعل ذلك تقوّض البقية الباقية من صفتها الوطنية في نظر الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني، وتزيد الوضع الداخلي الفلسطيني استقطابا وتأزما.

والمخرج الوطني من هذا المسار هو بروز مواقف في حركة فتح والجمهور الفلسطيني في الضفة وغيرها لعزل أي قيادة تخضع لمساعي الإدارة الأميركية لتفصيل سلطة على مقاس احتياجات الاحتلال الأمنية والسياسية في قطاع غزة.

حسابات المقاومة

وفي مقابل طروح الاحتلال والولايات المتحدة، ما زال سقف المقاومة الفلسطينية مرتفعا، رغم الدمار الشامل والفاتورة الإنسانية الباهظة، مع إصدارها إشارات إلى أنها قد تقبل بترتيبات مرحلية تخفف من حدة هذه الجولة من المواجهة.

ويشير هذا الموقف إلى أمرين، أولهما ثقة المقاومة بعدم إمكانية تجاوزها وفرض أي ترتيبات من دونها. وثانيهما إدراكها أن ميزان القوى الإقليمي والدولي لا يوفّر لها فرصة فرض الترتيبات الأفضل لها في الوقت الحالي من قبيل إعلان قطاع غزة أرضا محررة ومنطلقا لاستكمال العمل لتحرير بقية فلسطين، ووجود سلطة أمر واقع فيها تكرس شرعيتها باعتراف بعض الدول بها. فهذا الأمر مرتبط بالقدرة على كسر الحصار بريا أو بحريا، وهو أمر لم تنضج ظروفه بعد.

ومثل هذا الموقف يسعى إلى تجنّب تبلور موقف سياسي إقليمي ودولي باتجاه خيارات سياسية لما بعد الحرب دون حضور الحركة، مما يجعل مواجهة هذه الخيارات أمرا أكثر كلفة مقارنة بالانخراط المبكر في الحوارات الجارية بهذا الشأن، خصوصا مع الأطراف التي تربطها بها علاقات كقطر وتركيا ومصر، إضافة إلى حركة فتح.

ويأتي هذا أيضا إدراكا بأن المقاومة سيصعب عليها تحمّل أعباء إدارة القطاع وإعادة إعماره لوحدها، خصوصا في ظل تشدّد المواقف الغربية تجاهها عقب عملية طوفان الأقصى.

بيد أن احتمال تحقق توافق مع حركة فتح بشأن إدارة القطاع والضفة ضئيل بفعل الفجوة الواسعة بين ما تريده الولايات المتحدة من هذه السلطة وما يريده الفلسطينيون عموما وفصائل المقاومة خصوصا منها، إضافة إلى أثر تصاعد أعمال المقاومة في الضفة الذي يبقي التدافع بين القوى الشعبية والسلطة بشأن طبيعة علاقتها بالاحتلال.

وباستبعاد السيناريوهات ضعيفة احتمال التحقق، فإن لم تكن السلطة ولا الاحتلال ولا الضامنون الإقليميون قادرين على فرض سلطة على قطاع غزة بخلاف إرادة أهله ومقاومته، يبقى السيناريو هو عودة الحالة السابقة للحرب، أو تشكيل إدارة مدنية تعبّر عن أهل القطاع غير مفروضة من قبل أطراف خارجية، بحيث تقوم بمهام الإغاثة الإنسانية وإعادة الأعمار.

وشرط نجاح مثل هذه السلطة هو أن تكون إدارة قادرة على التفاهم مع المقاومة وغير معادية لها. فهذا مما يمكن أن يحصل عليه توافق في القطاع، وبخلاف ذلك فإن محاولة فرض أي ترتيبات قائمة على جعل يد الاحتلال هي العليا تعني استمرار هذه الحرب إلى أجل غير مسمى، وإن تعددت أشكالها ومستوياتها.

اقرأ المقال من المصدر