في محاولة للتمسك بالوطن.. لاجئو الزعتري يستحضرون نمط الحياة الدمشقية

0

يرى المتجول بين مساكن مخيم الزعتري محاولات لاجئيه لإضفاء الطابع الدمشقي على المكان، رغم ضيق الحيز واختلاف البيئة الجغرافية والاجتماعية، إذ يحرص كثير منهم على إقامة نافورة مائية تتوسط ما تعرف بين السوريين بـ”أرض الديار”، وبيت للمونة تخزن فيه الأطعمة.

مخيم الزعتري- اعتمادا على خبرته السابقة، استطاع اللاجئ السوري يوسف الدرعاوي (أبو علي) تطويع حجارة البازلت السوداء المحيطة لبناء حديقة مبهجة ونوافير للمياه تجلب السرور في مسكنه المبني من الصفيح بمخيم الزعتري (شرقي الأردن).

وعمل الدرعاوي على تجميع 3 “كرفانات” (مساكن متنقلة)، ومع بقايا قطع حديدية ابتاعها من سوق المخيم، تمكن من إقامة بيت يحاكي الطابع الدمشقي في البيوت السورية العتيقة، ويبتهج الداخل إليه بنافورة مياه محاطة بالأزهار والورود المنوعة.

وكان الدرعاوي يعمل في بناء البيوت بمدينة درعا وريفها على مدى 20 عاما قبل اندلاع الحرب. وقال للجزيرة نت “قمت بمساعدة أبنائي بجمع الحجارة البازلتية الكبيرة من أرض المخيم على عربات تجرها الحيوانات، وتمكنت من ترميمها وترتيبها على شكل مجلس خارجي يحيط بالكرفانات، واستثمرت الأحجار الأصغر في عمل أقواس وأحواض لزراعة الأزهار”.

وفي حديقته، زرع الدرعاوي أشجارا حرجية ومثمرة ابتاعها من سوق المخيم، وزيّن المجلس بـ”معرشات” لأشجار العنب التي تحمي الجالسين في ظلها من حرارة الصيف المرتفعة بالمخيم الصحراوي.

نوافير المياه تنتشر في مساكن مخيم الزعتري في محاكاة لتلك الحاضرة في البيوت الدمشقية (الجزيرة)

يتمسكون بالوطن

ويرى المتجول بين مساكن الزعتري محاولات لاجئيه لإضفاء الطابع الدمشقي على المكان، رغم ضيق الحيز واختلاف البيئة الجغرافية والاجتماعية، إذ يحرص كثير منهم على إقامة نافورة مائية تتوسط ما تعرف بين السوريين بـ”أرض الديار”، وبيت للمونة تخزن فيه الأطعمة من مخللات ومربيّات وبقوليات.

وهنا، يتنقل أهالي المخيم بواسطة درجات هوائية لقضاء حوائجهم، أما البضائع والأثاث والحاجيات، فتنقل بواسطة عربات تجرها الحمير ويسمونها “الطنبور”، وهناك عربات يجرها لاجئون في سوق المخيم لعدم قدرتهم على شراء الدواب.

ويتمسك سكان المخيم من اللاجئين السوريين بعادات وتقاليد وألبسة المدن التي قدموا منها، وتحيي فرق فنية تراثية أعراسهم وسط أضواء وأغان ودبكات شعبية حملوها معهم من الوطن، الذي لا تزال العودة إليه، بعد عقد من لجوئهم، بعيدة.

ويحتضن الأردن نحو 1.3 مليون لاجئ سوري، منهم 675 ألف لاجئ مسجلون لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالأردن، ويقيم نحو 20% منهم في مخيمات الزعتري والأزرق، شمالي وشرقي المملكة.

تذكير للأجيال

وقريبا من بيت الدرعاوي على أحد أطراف المخيم، أنشأ الأربعيني محمد العقلة رواقا من الأحجار المتوفرة بأرضية المخيم، الأسود منها والأبيض والأحمر، مع مزيج من الأتربة الرملية، ليكون مدخلا مزخرفا لمسكن عائلته اللاجئة.

ويرجع العقلة -في حديثه للجزيرة نت- قيامه بتلك الزخارف إلى “تأقلم اللاجئين مع حياة المخيم وبيئته المحيطة بعد مرور 10 سنوات على تأسيسه”. ويضيف “نشعر بالاستقرار في المخيم، ولضيق المساحات الداخلية للكرفانات التي أعيش بها مع عائلتي، قررت أن أبني من تلك الأحجار توسعة للبيت، وكذلك لتذكير الأجيال المولودة بالمخيم بأن السوري له تاريخ معماري وفني عريق في وطنه الذي هجر منه قسرا بسبب الحرب”.

وخلال السنوات العشر الماضية منذ تأسيس المخيم، ولد جيل من الأطفال بين جنباته لا يعرفون عن مدنهم وبلداتهم التي قدمت منها عائلاتهم شيئا، ولا يعرفون “الشام ومحافظاتها” إلا من أحاديث الكبار وقصصهم.

مكتبة ثقافية لتزويد الطلبة باحتياجاتهم. الجزيرة . مخيم الزعتري محافظة المفرق شمال شرق الأردن
مكتبة لتزويد الطلبة باحتياجاتهم وعربات تجرها الدواب في أحد أسواق مخيم الزعتري (الجزيرة)

مشتل للأزهار والأشجار المثمرة

في الجهة المقابلة من المخيم، أقام المزارع السوري، أبو مهند الشحماوي، مشتلا للأشجار المثمرة والأزهار، إلى جانب بيت مزخرف تتوسطه مقاعد حجرية، أضفت عليها ألوان الحجارة والتصاميم المزركشة جمالية ورونقا خاصا.

يقول الشحماوي (61 عاما) للجزيرة نت إن عمله بالزراعة في ريف درعا لسنوات طويلة قبل هجرته من أرضه عام 2014، منحه قدرا كبيرا من المعرفة بأمور الزراعة، سخّرها في تخضير بيوت المخيم، بتوزيعه أشتال العنب والليمون والرمان والزيتون، وإضفاء جماليات بزراعة الأزهار الحولية والورود الدائمة وتوزيعها على الأصدقاء والأقارب والجيران.

ويعمد الشحماوي خلال زيارته لأقاربه خارج المخيم على شراء البذور المحسنة، ويبتاع بعضها من سوق المخيم. وبجانب الزراعة، ينشط في عمليات تقليم الأشجار المثمرة وتطعيمها وتسميدها والعناية بها.

ويضم مخيم الزعتري سوقا تجاريا مزدحما بالمحال المختلفة في الشارع الرئيس للمخيم، الذي أطلق عليه اللاجئون “شارع الشانزلزيه”، ويستقبل الداخلين للمخيم عند بوابته الرئيسة.

ويتقاطع “الشانزلزيه” هذا مع سوق آخر يُعرف داخل المخيم بـ”الشارع السعودي”، ويضم محالا تجارية تبيع بالجملة لخدمة أسواق المخيم.

ثقافة وشعر وطيور

ولم يقتصر إبداع اللاجئ السوري على زخرفة البيوت وزراعة الأشجار والأزهار، بل هناك من قام بتزيين كرفانه بالرسومات والمشغولات اليدوية التراثية القديمة، والمستوحاة من بيئته المعيشية قبل اللجوء للأردن.

وفي تلوينها لجدران مسكنها، استوحت الشابة سمر الزعبي أيقونات من ريف حماة الذي قدمت منه مع عائلتها قبل 10 سنوات، فرسمت النواعير المائية والمروج الخضراء والعمارات السكنية والملابس التراثية وأدوات حصاد الحبوب وطحنها.

أما اللاجئ سميح قموز (34 عاما)، فحوّل كرفانا قديما إلى مكتبة ثقافية ومنتدى للشعر والأدب، يلتقي فيها الكتاب والقراء من أبناء المخيم.

ويضم سوق المخيم مزارع لتربية الطيور، ويقبل عشاق الحمام على شراء أفضل أنواعه لتربيتها في أحواش الكرفانات وعلى أسطحها. ولا تكاد تخلو سماء المخيم طوال النهار من أسرابه المغادرة والعائدة لأعشاشها.

اقرأ المقال من المصدر

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق