قانونيون: إسرائيل تخاطر إذا لم تنفذ أمر “العدل الدولية”

47

بعد فترة انتظار ثقيلة امتدت منذ 11 يناير/كانون الثاني الجاري خيم أخيرا الصمت على قاعة محكمة العدل الدولية في قصر السلام في لاهاي، ودخل القضاة لإعلان قرارهم بشأن الملف الذي رفعته جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، وأمرت المحكمة إسرائيل باتخاذ الإجراءات كافة لمنع جيشها من التحريض أو ارتكاب أعمال إبادة جماعية في حق سكان قطاع غزة وتحسين ظروف وصول المساعدات الإنسانية.

وفي هذا السياق، أشاد عدد من الخبراء القانونيين بهذا القرار الذي وصفوه بـ”التاريخي”، منتقدين في الوقت ذاته عدم تطرق محكمة العدل الدولية إلى وقف فوري وصريح للحرب.

انتصار القانون

وأعرب المحامي الأميركي فرانسيس بويل -الذي فاز بقضيتين أمام الهيئة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة- عن سعادته بالنصر القانوني الساحق لجمهورية جنوب أفريقيا نيابة عن الفلسطينيين والإنسانية جمعاء.

وأشار بويل في حديثه للجزيرة نت إلى أن العالم يجب عليه “التوقف عن ذرف دموع التماسيح، والالتزام بمنع الإبادة الجماعية بموجب المادة الأولى من اتفاقية الإبادة الجماعية”، مضيفا “أنصح الدول العربية والإسلامية بالتحرك الآن، لأن الباب مفتوح على مصراعيه للانضمام إلى جنوب أفريقيا وممارسة مزيد من الضغط”.

من جانبه، عدّ الخبير في القانون الدولي العام بيير إيمانويل دوبان أن قرار أمس يمثل “اعترافا من المحكمة بأن تفاصيل ملف جنوب أفريقيا معقولة، وأن الأعمال التي تقع ضمن تعريف الإبادة الجماعية بموجب اتفاقية عام 1948 موثقة وارتكبت بالفعل ضد المدنيين، فضلا عن استشهاد قاضية المحكمة بتصريحات رسمية لمسؤولين إسرائيليين تدعو وتحرض على هذا الفعل”.

كما أشاد دوبان بتصرف القضاة “النزيه” لأنهم اتخذوا موقفا مخالفا لحكوماتهم، مثل القاضي الألماني الذي أيد هذه التدابير المؤقتة رغم أن حكومة بلاده أعربت عن رفضها الدعوى، والقاضي الفرنسي رغم أن وزير خارجية فرنسا الجديد ستيفان سيجورنيه تحدث الأسبوع الماضي ضد جنوب أفريقيا.

بدوره، قال عبد المجيد مراري خبير القانون الدولي ومدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة “أفدي” الدولية إن محكمة العدل “تضع حدا للإفلات من العقاب، وتؤكد حق الفلسطينيين في الحماية من أعمال الإبادة الجماعية”.

وأضاف مراري في مقابلة للجزيرة نت أن هذا القرار “سيعزز مساعينا أمام الجنائية الدولية، ونعتبر أنه يشكل أساسا قانونيا قويا يمكنها الاعتماد عليه في كل تحقيقاتها، ومن شأنه أن يجعل المدعي العام في وضع مريح لإصدار مذكرات توقيف في حق مجرمي الحرب”.

لا وقف صريحا لإطلاق النار

وبينما رحب خبراء قانونيون بقرار المحكمة لأن التدابير المؤقتة ستسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة أعرب بعضهم عن خيبة آمالهم، لأنها استثنت توجيه الأمر بوقف فوري للحرب.

وردا على ذلك أوضحت المحامية ناريمان قطينة بورغنات أن الأوامر الصادرة عن المحكمة -والتي تتضمن تدابير احترازية على أساس اتفاقية الإبادة الجماعية- لا يوجد فيها إجراء منهجي يأمر الدولة المتهمة بوقف القتال “كما لا يوجد في مفردات محكمة العدل وقف إطلاق النار، وإنما وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية”.

ووصفت المحامية الفلسطينية الفرنسية في حديثها للجزيرة نت طريقة المحكمة في تناولها القضية بـ”الذكية”، لأنها طلبت من إسرائيل اتخاذ جميع التدابير لضمان عدم التحريض أو ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية، في إشارة إلى أنها لا يمكنها الاستمرار في شن الحرب كما تفعل الآن.

أما من الناحية القانونية فترى ناريمان أن قرار اليوم وضع إسرائيل فعليا في قفص الاتهام وسطّر خسارتها أمام القانون الدولي، مشيرة إلى أنه سيتعين على الحكومات والدول التي دعمت دولة الاحتلال التفكير جديا لتجنب اتهامها بالتواطؤ.

من جانبه، اعتبر إيمانويل دوبان أن طلب المحكمة من الجيش الإسرائيلي الامتناع عن ارتكاب أعمال تستوفي تعريف الإبادة الجماعية بـ”الأمر المؤسف”، لأن الهدف كان أن تذهب إلى أبعد من ذلك، وأن تطلب وقفا كاملا لإطلاق النار.

تقرير إسرائيلي بعد شهر

يشار إلى أن الإجراءات الاحترازية التي قررتها محكمة العدل يجب أن تدخل حيز التنفيذ على الفور، أما مدة الـ30 يوما فتتعلق بالتقرير الذي يجب على إسرائيل تقديمه إلى المحكمة.

وتعليقا على ذلك لا يعتقد بويل أن هذه المدة ستحدث أي فرق، لأن “تقرير إسرائيل سيحتوي على الأكاذيب كما كذبوا خلال 3 ساعات من المرافعات الشفوية التي قدموها، لكن ما يهمنا هنا هو أمر المحكمة بإعداد التقرير”.

أما المحامية ناريمان فترى أن الفترة المقترحة من قبل المحكمة “معقولة”، لأنه لم يكن من الممكن تقديم تقرير مكتوب أمام محكمة العدل خلال أسبوع واحد، وإذا لم تمتثل إسرائيل لهذا الأمر فسيكون دليلا إضافيا لصالح جنوب أفريقيا، ويغذي حجتها في موضوع الدعوى.

ولفتت إلى أنه طُلب إرسال التقرير بعد 4 أشهر في قضايا أخرى “وبما أن هذا الملف لا يزال قيد النظر فإن إسرائيل تخوض مخاطرة كبيرة إذا لم تستوفِ وتحترم أمر المحكمة من خلال تقديم هذا التقرير خلال المدة المحددة”.

وتعد التدابير المؤقتة إجراءات طارئة ويجب الحرص على تنفيذها في أقرب وقت ممكن، وفق لوبان.

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد الخبير في القانون الدولي أنه “إذا رأينا في الأيام المقبلة أن الجيش الإسرائيلي قنص أشخاصا يحملون الراية البيضاء مجددا فهذا سيعني انتهاكا صريحا لقرار المحكمة”.

اللجوء لمجلس الأمن

رغم احتمالية استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن فإن كل هؤلاء الخبراء الدوليين اتفقوا على أن رفع جنوب أفريقيا الملف إلى المجلس خطوة تالية في حال امتنعت إسرائيل عن تنفيذ قرار المحكمة.

وقال دوبان “سنرى آنذاك إذا أقدم الممثل الأميركي على التصويت ضده واستخدام حق النقض أمام المجتمع الدولي بأكمله، في تحد واضح لقرار صادر عن الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة”.

وأضاف أن هذا الأمر ينطبق على الدول الأوروبية التي اتخذت موقف الدعم غير المشروط لإسرائيل، خاصة فرنسا التي لطالما أشادت بدور المحكمة الدولية لضمان الحل السلمي للنزاعات وسيادة القانون الدولي.

وتتفق المحامية قطينة مع هذا الاتجاه بالقول إن مجلس الأمن قد يكون خيارا ممكنا، لأن محكمة العدل لا تملك الوسائل العسكرية لإجبار إسرائيل على تطبيق قرارها “وفي هذه الحالة فإن عدم احترام إسرائيل قرار المجلس سيجعلها دولة خارجة على القانون”.

وأوضحت “نحن أمام موضوعين مختلفين، هناك قانون دولي أثبتته محكمة العدل، ثم هناك رغبة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة -خاصة مجلس الأمن- في فرض ذلك بالقوة، وقبل كل شيء توجد احتمالات فرض عقوبات ضد إسرائيل وقادتها أيضا أو تقديم شكاوى إلى المحاكم الوطنية”.

وفي سياق عدم تنفيذ قرار صادر عن محكمة العدل الدولية يمكن لمجلس الأمن أن يتخذ تدابير في إطار الفصل السابع والمادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك فرض العقوبات الاقتصادية.

أما المحامي فرانسيس بويل فيرى أن وقف الحرب والإبادة الجماعية في غزة أصبح أمرا ملحا وعاجلا قبل أن تخرج الأوضاع عن السيطرة في المنطقة، خاصة مع اليمن في البحر الأحمر والأعمال العدوانية التي يقوم بها الأميركيون في العراق وسوريا دعما لإسرائيل، على حد تعبيره.

اقرأ المقال من المصدر