كيف أصبحت الجامعات الألمانية فضاء لقمع الصوت الفلسطيني؟

45

برلين- “من فضلكم، أخبروا الناس والمثقفين وأساتذة الجامعات والنخب السياسية والإعلام في ألمانيا، أن النجاة من الهولوكوست لا يعطيك الحق للشروع في أخرى”، هذه التغريدة على إكس أدت إلى استدعاء الباحث المصري تقادم الخطيب، المقيم في برلين، للتحقيق، وفق ما أكده للجزيرة نت.

ويوضح الخطيب “تركت مصر هربا من قمع الحريات، الآن يتم استدعائي للتحقيق في ألمانيا”، موضحا أنه لا يعرف بالتحديد من رفع الشكوى ضده، لكنه يعاني منذ مدة هجوما من طرف مجموعات صهيونية، حاولت في البداية البحث عن طريقة لمنعه من التدريس، وعندما لم تنجح، لجأت إلى رفع الشكاوى.

وكان الخطيب قد أعلن في أكتوبر/تشرين الأول الماضي مغادرته للمجال الأكاديمي الألماني، بسبب ما وصفه حينها “ازدواجية المعايير والانتقائية والتحيز”، وقال في تغريدة إن “الأكاديمية الألمانية كانت صامتة تماما تجاه جرائم الحرب في غزة”، وأوضح للجزيرة نت أنه توقف تحديدا عن الحصول على عقود تدريس في الجامعات الألمانية.

الخطيب للجزيرة نت: الباحثون لا يستطيعون التحدث بحرية في القضية ولا حتى نقد التحيز الإعلامي (مواقع التواصل)

واقعة ضمن سياق عام

يقول الباحث الخطيب “هناك تحيز ضد القضية الفلسطينية في ألمانيا، البلد لديه خصوصية تاريخية، لكن مؤخرا الانحياز لإسرائيل صار كبيرا، وانعكس على الواقع الأكاديمي داخل ألمانيا وخلق حالة من الخوف”، مؤكدا أن نشره لتغريدة من صفحة اليهود التوراتيين المناوئين للسياسات الإسرائيلية، كان سببا إضافيا للتحقيق.

ولا تعتبر واقعة الباحث تقادم الخطيب معزولة عن السياق الألماني المنحاز بشكل تام لإسرائيل، حيث أضحت الجامعات الألمانية مجالا للتضييق على الصوت الفلسطيني، ورفعت عدة جامعات العلم الإسرائيلي “تضامنا مع إسرائيل” منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بينما أصبح رفع العلم الفلسطيني في شرفات بعض المساكن الجامعية سببا للاتهام من وسائل إعلام وسياسيين بـ”دعم الإرهاب”، كما وقع في الجامعة الأميركية الألمانية في برلين.

من جانبه، يتساءل طالب الدكتوراه الألماني والناشط الداعم للفلسطينيين جورج إسماعيل قائلا “إدانة هذه الجامعات لحماس هي إدانة منافقة، وإلا لماذا لم تدن كذلك الحملة العسكرية التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين القائمة منذ سنوات؟ ولا مقتل عدد كبير من المدنيين الفلسطينيين؟ ولا حرمانهم من الحقوق الأساسية؟”، ويضيف للجزيرة نت أن “الإدانة ستكون مشروعة حقوقيا لو رفعت الجامعات الصوت ضد جرائم الدولة الإسرائيلية والمستوطنين المتطرفين”.

الألماني الذي مزق جواز سفره يحكي للجزيرة نت قصة دعمه فلسطين (مواقع التواصل الإجتماعي)
الطالب الألماني جورج إسماعيل سبق أن مزق جواز سفره احتجاجا على انحياز ألمانيا لإسرائيل (مواقع التواصل)

احتجاج داخل الجامعات

في نوفمبر/تشرين الأول الماضي، نظم طلبة في جامعة برلين للفنون احتجاجات متواصلة تضامنا مع فلسطين، وردا على موقف الكلية “الداعم لإسرائيل دون شروط رغم قيامها بإبادة، وفشل الجامعة في التضامن مع الفلسطينيين الضحايا”، حسب بيان عن المجموعة التي أسمت نفسها “ليس باسمنا”، وطالبت بالتوقف عن قمع المتعاطفين مع الفلسطينيين.

ورغم تأكيد المنظمين ضرورة التضامن بين الفلسطينيين واليهود لبلورة موقف موحد ضد موقف الدولة الألمانية، فإن هذا لم يمنع جزءا كبيرا من الإعلام من الهجوم عليهم، واتهامهم بـ”معاداة السامية” و”كراهية إسرائيل”، مما أدى إلى حملة ضدهم من بعض الشخصيات في أحزاب ألمانية.

وزعم هذا الإعلام أن “طلبة يهود صاروا متخوفين من الحضور للدروس”، لكنه لم يعط دليلا على مزاعمه سوى مثال أن “طلبة احتجوا بصباغة حمراء على أياديهم للدلالة على الجرائم التي اقترفتها إسرائيل”، وفق ما نشرته صحيفة “فرانكوفرته”.

وفي ديسمبر/كانون الثاني، نظم طلبة من “جامعة برلين الحرة” أنشطة خاصة لدعم فلسطين وللاحتجاج ضد “قمع الأصوات الأكاديمية الألمانية” في قاعة رئيسية بالجامعة، لكن مناوشات وقعت مع طلبة آخرين متعاطفين مع إسرائيل “سمحت الجامعة بدخولهم القاعة” حسب المنظمين.

وإثر ذلك، قامت إدارة الجامعة باستدعاء الشرطة لإخلاء المكان، حيث تم توقيف عدة طلبة من المنظمين، مما جعلهم عرضة لهجوم إعلامي كبير، ووصفوا بـ”مناصري حماس الذين منعوا الطلبة اليهود من الدخول”.

ولاحقا أصدرت الجامعة بلاغا قالت فيه إنها لن تتسامح مع “معاداة السامية”، وكذلك مع “معاداة المسلمين والعرب”، وأنها ستُشعر الشرطة متى ما حصل انتهاك صريح للقانون.

يقول طالب الدكتوراة جورج إسماعيل “تجاهلت وسائل الإعلام الألمانية تماما أن من بين المحتجين الداعمين لغزة طلبة غربيين ويهودا”، لافتا إلى أن “منع الطلبة الداعمين للصهيونية من دخول القاعة، أتى بسبب عدوانيتهم في أحداث سابقة، وعدم رغبتهم في الحوار، بل لأجل الاستفزاز ورفع أعلام إسرائيل، ومحاولة تمزيق صور وكتابات تبين ما يقع للشعب الفلسطيني”.

ويشير جورج إلى مفارقة وجود قاعة رئيسية داخل الكلية تحمل اسم الأميركي هنري فورد، وهو الذي كان “داعما لمعاداة السامية ومعجبا بالنازية الألمانية”، متابعا أن “الخطر الحقيقي الحالي على اليهود والمسلمين والمهاجرين في ألمانيا هو التطرف اليميني، الذي لم تقم هذه الجامعة بأيّ شيء لأجل مناهضته”.

انحياز قديم جديد

لكن هذا الانحياز ليس جديدا، ففي عام 2019، دعم مؤتمر عمداء الجامعات، الذي يمثل الوسط الأكاديمي الألماني، قرارا لمجموعات طلابية ألمانية داعمة لإسرائيل، بتجريم حركة مقاطعة إسرائيل، وبرّر ذلك بأن “الجامعات لديها كذلك مسؤولية تاريخية خاصة لاتخاذ قرارات ضد كل أشكال معاداة السامية”.

كما أعلن المؤتمر عن اعتماد تعريف “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست” بخصوص “معاداة السامية”، في تقليد لقرارات حكومية ألمانية، بينما يعدّ هذا التعريف مثيرا للجدل، وتعرّض لانتقادات كبيرة، حتى من طرف يهود وإسرائيليين، بحكم أنه يخلط بشكل واضح بين معاداة السامية وبين انتقاد إسرائيل.

ويقول طالب الدكتوراة جورج إسماعيل “يتم تفسير هذا التعريف بشكل خاطئ ضد حركات سلمية تعزّز حقوق الفلسطينيين ومطالبهم المشروعة كحركة بي دي إس”، ويبرز جورج أن “معاداة السامية مشكلة حقيقية وحاسمة في الجامعات الألمانية اليوم”.

لكنه يستطرد “الخلط بين معاداة السامية وبين معاداة الصهيونية يعرض الفلسطينيين للخطر، بحكم أنهم يسكتهم ويجرمهم، ويعرّض اليهود كذلك للخطر، بسبب الخلط بين سياسات إسرائيلية قائمة على الفصل العنصري والطرد العرقي وبين اليهودية”.

كما يؤكد تقادم الخطيب وجود هذا الخلط داخل الفضاء الأكاديمي الألماني، ويقول “الباحثون لا يستطيعون التحدث بحرية في القضية، ولا حتى نقد التحيز الإعلامي، ولا حتى إدانة العنف وحماية المدنيين في غزة”، متابعا أن “الأكاديميين الألمان لا يكاد يُسمع لهم صوت ناقد لإسرائيل، مما يعكس حجم الخوف والقلق لديهم من فقدان وظائفهم، أو التوقف عن استدعائهم للتدريس”.



اقرأ المقال من المصدر