كيف سيتعامل إصلاحيو إيران بعد استبعاد مرشحيهم من الانتخابات؟

62

طهران- أثار استبعاد غالبية مرشحي الأحزاب الإصلاحية والمعتدلة في إيران من قِبل مجلس صيانة الدستور تساؤلات عن خيارات المعسكر الإصلاحي للتعامل مع الاستحقاق الانتخابي المقرر مطلع مارس/آذار المقبل، وهل ستقبل الجبهة الإصلاحية باستبعاد مرشحيها من السباق الانتخابي أم أنها ستتجه للمقاطعة؟

ومع انطلاق الحملات الانتخابية في ظل هيمنة المعسكر المحافظ على مفاصل الدولة الثورية، يُلقي هذا المشهد الانتخابي بظلاله على حالة التنافس المعتادة بين التيارين، فطالما برز التنافس الانتخابي في الجمهورية الإسلامية بين التيارين المحافظ والإصلاحي خلال العقود الماضية.

 

الفتور سيد الموقف في الحملات الانتخابية في إيران (الجزيرة)

موقف الإصلاحيين

وعلى وقع المساعي الحثيثة التي تبذلها وجوه محافظة كبيرة هذه الأيام من أجل لملمة شمل بيتهم الذي يعاني كثرة المرشحين والقوائم الانتخابية، في طهران وكبرى المدن الأخرى، استبقت جبهة الإصلاحات في إيران فترة الحملات الدعائية بالإعلان أن ليس لديها مرشح في الانتخابات المقبلة، وأنها لا تدعم مرشحا آخر.

وفي مؤتمر صحفي عقدته الجبهة في العاصمة طهران، قالت رئيستها آذر منصوري إننا “لا نضع أنفسنا أمام ثنائية المقاطعة والمشاركة، لكن الظروف الراهنة لا تمكننا من تقديم قوائم انتخابية”، وأرجعت السبب إلى رفض مجلس صيانة الدستور مرشحي الإصلاحيين، ودور آلية الإشراف على الانتخابات في ذلك، ونفوذ المؤسسات غير المعنية في العملية الانتخابية.

وتابعت أن “جبهة الإصلاحات في العاصمة لا تقرر للأحزاب الإصلاحية في المحافظات الأخری، وأن المجالس والجبهات الإصلاحية في كل محافظة ستتخذ القرار الصائب بشأن خوض المعترك الانتخابي من عدمه، وفقا لظروفها في تلك المناطق”.

ولدى إشارتها إلى أن شريحة من الإيرانيين يشعرون بانعدام إمكانية متابعة المطالب الشعبية عبر صناديق الاقتراع، نفت منصوري وجود أي توجه لعقد الإصلاحيين تحالفات مع التيار المعتدل أو المحافظين المعتدلين في الانتخابات المقبلة.

انفوغراف الانتخابات الإيرانية

فتح الكوة

لم تمنع اللغة الدبلوماسية التي استخدمتها منصوري طيفا من المراقبين الإيرانيين من فك شفرتها واعتبار موقف الإصلاحيين يحمل “دعوة مبطنة للمقاطعة”، لكن بيان 110 من الناشطين الإصلاحين زاد من إرباك جمهور الإصلاحيين بدعوته إلى “فتح كوة” والمشاركة الفاعلة في الانتخابات المقبلة، وذلك قبل أن تتناول وسائل الإعلام الرسمية خبرا عن طرح الإصلاحيين قائمة في طهران.

وعلى النقيض من دعوة جبهة الإصلاحات، يشدد الموقعون على البيان على ضرورة تبني الواقعية دون المثالية، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، والعمل على تشكيل أقلية قوية في البرلمان المقبل، معتبرين أن صناديق الاقتراع تمثل الخيار الأقل كلفة لإحداث أي تحول وتغيير.

وفي معرض تعليقه على “بيان الكوة”، يذكّر المتحدث باسم جبهة الإصلاحات جواد إمام زملاءه بأن عدد المرشحين الإصلاحيين الذين تأهلوا لخوض المعترك الانتخابي بالكاد يبلغ 30 مرشحا في ربوع البلاد، وأنه “كان الأجدر بالموقعين على البيان أن يطالبوا بفتح معبر بدلا من الكوة، ذلك لأن السلطات الحاكمة قد لغّمت الطريق بالكامل عبر الرقابة الاستصوابية، واستحدثت نقاط مراقبة لمنع أي إصلاحي من العبور”، على حد تعبيره.

وفي مؤتمر صحفي عقده بالعاصمة طهران، طالب المتحدث الإصلاحي بإعادة صناديق الاقتراع إلى الشعب، متهما السلطات الحاكمة بسرقة إمكانية التنافس من الشعب الذي أدار ظهره للعملية الانتخابية احتجاجا على الواقع الراهن.

أبطحي يقول إن مفهوم مقاطعة الانتخابات خارج حسابات الإصلاحيين (الصحافة الإيرانية)
الناشط الإصلاحي أبطحي: مفهوم مقاطعة الانتخابات خارج حسابات الإصلاحيين (الصحافة الإيرانية)

تحدي المشاركة

وتعليقا على التقارير الإعلامية التي نسبت قائمة “صوت الشعب” بزعامة السياسي المعتدل علي مطهري إلى التيار الإصلاحي، كتب جواد إمام على منصة إكس تغريدة قال فيها “نفند مزاعم وكالة أنباء الحكومة والإعلام التابع لها حول طرح الإصلاحيين قائمة انتخابية، ونجدد تأكيدنا أن جبهة الإصلاحات الإيرانية ليس لديها قائمة في انتخابات الأول من مارس/آذار المقبل”.

وأضاف أنه “من غير المسموح للأحزاب وأعضاء الجبهة (الإصلاحية) دعم مرشحين بالنيابة أو غير إصلاحيين، كما أنهم لن يقبلوا بقائمة تفرض عليهم”.

وفي قراءة لموقف التيار الإصلاحي من المشاركة في الانتخابات المقبلة، قال الناشط الإصلاحي محمد علي أبطحي، الذي شغل منصب رئيس مكتب الرئيس الأسبق محمد خاتمي، للجزيرة نت إن “المعسكر الإصلاحي يؤمن بالعمل السياسي وإصلاح أمور البلد عبر صناديق الاقتراع، مما يجعل مفهوم مقاطعة الانتخابات خارج حساباته”.

وتابع أن “الناخب الإيراني قد قال كلمته عبر صناديق الاقتراع كلما سنحت فرصة التنافس الحقيقي، وأختار الوجوه الإصلاحية المرشحة للانتخابات أكثر من مرة، لكن آلية الإشراف على أهلية المرشحين تحولت إلى تحد كبير يستخدم لإبعاد المرشحين الإصلاحيين”.

واعتبر أبطحي أن “التحدي الأكبر في الانتخابات المقبلة هو عدم استعداد الناخب الإيراني للذهاب إلى صناديق الاقتراع، وليس رفض أغلبية المرشحين الإصلاحيين”، مؤكدا أنه يرى علاقة مباشرة بين التنافس الحقيقي والمشاركة الشعبية في الانتخابات الإيرانية.

واتهم الناشط الإصلاحي الجهات المعنية بإجراء الانتخابات “بعدم التمهيد لرفع المشاركة الشعبية، رغبة منهم ببقاء التيار السياسي الذي يمسك في الوقت الراهن بالحكومة والبرلمان والسلطة القضائية على رأس الأمور”.

وخلص أبطحي إلی أن “الإصلاحيين يجمعون على عدم طرح أي قائمة في طهران، لاستحالة ذلك، بسبب رفض أهلية غالبية الوجوه الإصلاحية بالعاصمة”، مستدركا أنه “بإمكان الأحزاب المنضوية تحت عباءة الجبهة الإصلاحية أن تعلن دعمها للمرشحين الإصلاحيين في المحافظات الأخرى”.

مقاطعة محترمة

ويعتقد المحلل السياسي المقرب من التيار الإصلاحي يوسف آكنده أن الموقف الرسمي للإصلاحيين بشأن المشاركة في الانتخابات إنما يمثّل “ضوءا أخضر لعزوف الناخب عن صناديق الاقتراع”، معتبرا أن “مغزى الخطاب الإصلاحي يدل على مقاطعة محترمة للانتخابات”.

وفي حديثه للجزيرة نت، يعلل آكنده سبب لجوء التيار الإصلاحي إلى استخدام لغة دبلوماسية بشأن المشاركة بالاستحقاق الانتخابي إلى “حرصه على قطع الطريق على المتربصين به لشطبه من المشهد السياسي”.

ووصف آكنده المعلومات عن رفض أهلية غالبية مرشحي التيار الإصلاحي بأنها “مغلوطة”، ذلك لأن “الشخصيات الإصلاحية الوازنة لم تتقدم بطلب للترشح بسبب علمها بخيبة أمل الناخب الإيراني جراء أحداث العامين الماضيين، ويأسه من تحسن الوضع المعيشي”.

كما رأى أنه “لا مجال لتحالف الإصلاحيين في المرحلة الراهنة مع القوى السياسية الأخرى، ومنهم المعتدلون، لأن دعم التيار الإصلاحي للرئيس السابق حسن روحاني المحسوب على التيار المعتدل قد كلف الإصلاحيين في شعبيتهم”.

أما بشأن “بيان الكوة” فيرى آكنده أنه “مؤشر على انشقاقات في البيت الإصلاحي قد تتسع مستقبلا”، مرجعا السبب إلى “رغبة السلطات الحاكمة في ذلك، وتناغم بعض الأحزاب المعتدلة الدخيلة على التيار الإصلاحي مع الإرادة الرسمية، ورغبتها بتبني سياسة جديدة تضمن لها البقاء في المشهد السياسي الإيراني”.

وخلص الباحث الإيراني إلى أن “التيار المحافظ الذي يمسك في الوقت الراهن بدفة الحكم يراهن على تدني المشاركة الشعبية في الانتخابات، لأن لديه جمهورا منظما سوف يصوت لصالحه، انطلاقا من مسوغات دينية وأيديولوجية”.

اقرأ المقال من المصدر