كيف كان تصويت المجنسين العرب في الانتخابات المحلية التركية؟

أنقرة- تباينت وجهات نظر وسلوك الناخبين العرب المجنسين المؤهلين للتصويت في الانتخابات المحلية في تركيا بشأن فائدة مشاركتهم في العملية الانتخابية التي جرت أمس الأحد، إذ سادت حالة من الاستياء في الأوساط العربية كما التركية بشأن ما أسموه بـ”الصوت الباهت” لحزب العدالة والتنمية في دعم ومساندة القضية الفلسطينية، لا سيما في الوقت الذي يتعرض فيه قطاع غزة لعدوان إسرائيلي منذ أكثر من 177 يوما.

هذا الشعور دفع بعضهم إلى التفكير في خيارات بديلة مثل الامتناع عن التصويت، أو التصويت لأحزاب محافظة أخرى بخلاف الحزب الحاكم.

من جانب آخر، عبر محمد حسين، الذي ينحدر من أصول فلسطينية ويقيم في إسطنبول منذ عقد من الزمن، في حوار مع الجزيرة نت، عن سبب امتناعه عن المشاركة في الانتخابات قائلا “في الحقيقة، شعرت بخيبة أمل من تعامل الحكومة التركية مع الوضع في غزة، رغم أن موقفها كان أفضل مقارنة بالعديد من الدول العربية والإسلامية”.

استهدف مرشحون من المعارضة القاعدة الناخبة المحافظة التركية بالدعاية الانتخابية (الفرنسية)

ورغم ذلك، يضيف حسين “كنا نأمل بأن تبذل تركيا جهودا أكبر، نظرا لمكانتها البارزة عالميا وسياسيا”.

وقال “باعتباري فردا متمسكا بقضية أبدي لها الولاء، قررت الامتناع عن التصويت في الانتخابات الأخيرة كشكل من أشكال الاعتراض. هذا القرار جاء نتيجة للتغييرات السياسية التي خالفت تقاليد ومبادئ البلاد وقيادتها التي نعرفها”.

وأوضح في الوقت نفسه “وجدت صعوبة في دعم أحزاب بديلة، إذ لا يمكنني تجاهل الفضل الذي يحمله حزب العدالة والتنمية وحكومته تجاه العرب والمسلمين، لا سيما فيما يتعلق بسياساته الداعمة للاجئين وتسهيلاته للأجانب، بالإضافة إلى مواقفه البارزة في السياسة الدولية سابقا”.

أما أحمد كاراجا، فيطرح وجهة نظر مغايرة، مؤكدا أنه من غير المعقول للمواطنين العرب المجنسين أن يمتنعوا عن المشاركة في الانتخابات المحلية، التي تهدف بشكل أساسي إلى تنظيم إدارة الخدمات العامة وتحسين الحياة اليومية، بناء على موقفهم من السياسة الخارجية للبلاد.

أهمية تنظيم العرب

ويرى كاراجا أن الاعتراضات على السياسة الخارجية يجب أن تعبر عنها الأصوات في الانتخابات الرئاسية، وليس من خلال التغيب عن الانتخابات المحلية.

وعبر عن استيائه من امتناع بعض المجنسين العرب عن المشاركة في الانتخابات، مما يساعد المعارضة في السيطرة على بلديات المدن الكبرى، وهي التي تهدد بترحيل اللاجئين والمقيمين العرب إذا ما وصلت إلى السلطة، مناديا بأهمية تنظيم الوجود العربي ضمن الحياة السياسية التركية من خلال إنشاء أحزاب ومؤسسات نشطة تتخذ من قضايا المجنسين والمقيمين الأجانب محورا لعملها.

وأضاف “اليوم، صوتنا لمرشح حزب العدالة والتنمية في إسطنبول، مدفوعين بقناعتنا بأنه المرشح الأمثل لمواجهة وحل الأزمات المختلفة التي تواجه المدينة، مثل قضايا المواصلات والاستعدادات الضرورية للتعامل مع الزلزال المتوقع، وقد جاء قرارنا هذا خالصا من أي اعتبارات جانبية”.

كما يصف كاراجا موقف الحكومة التركية حيال التطورات في غزة على أنه أقل من المستوى المطلوب، مثمنا في الوقت نفسه الدعوات الشعبية التركية لاتخاذ إجراءات أكثر حزما وتأثيرا، بما في ذلك الحاجة الملحة لقطع العلاقات التجارية مع إسرائيل، مما يشكل ضغطا على صناع القرار.

أهمية الاقتراع

وشارك في الانتخابات المحلية التركية -التي جرت في 81 ولاية تركية- 36 حزبا سياسيا، واستقطب الاقتراع اهتمام ملايين العرب المقيمين في تركيا، سواء من يحق لهم التصويت أم لا.

ورغم أن هذه الانتخابات قد لا تحمل الوزن السياسي للانتخابات الرئاسية، فإن أبناء الجالية العربية في تركيا أولوها اهتماما بالغا، نظرا لتأثيرها المباشر على حياتهم ومستقبلهم، خصوصا لأولئك الحاملين للجنسية التركية.

وتؤثر الانتخابات المحلية في تركيا بصورة مباشرة على العرب المقيمين في البلاد، نظرا لأن البلديات تلعب دورا حاسما في إدارة الخدمات العامة، إما بتسهيل الإجراءات اليومية للأجانب أو تعقيدها.

إضافة إلى ذلك، تُعتبر الانتخابات المحلية خطوة أولية نحو الانتخابات الرئاسية المنتظرة في عام 2028، مما يؤثر بشكل مباشر على الوجود العربي في تركيا.

بعض العرب في تركيا استاؤوا مما أسموه بـ”الصوت الباهت” للحزب الحاكم في دعم ومساندة القضية الفلسطينية (وكالة الأناضول)

ومن ناحية أخرى، كانت قضية اللاجئين والأجانب المقيمين في البلاد ضمن أدوات الدعاية الانتخابية والتنافس السياسي بين المعارضة التركية والحكومة، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن الأمن والسلم الاجتماعي في البلاد، وفقا لتحليلات بعض المراقبين.

المجنسون العرب

نفت الأرقام الرسمية اتهامات طالت الحكومة التركية بتسريع عمليات التجنيس لكسب أصوات إضافية قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فوفقا للإحصاءات شارك حوالي 240 ألف ناخب من المجنسين في العملية الانتخابية، حيث كان السوريون الأغلبية بعدد يصل إلى 167 ألفا و703 ناخبين، في حين بلغ إجمالي عدد السوريين المجنسين في عموم البلاد 238 ألفا و55 شخصا.

ورغم الانتقادات التي توجهها المعارضة التركية ضد اللاجئين والمجنسين العرب، فإنها حاولت في الوقت نفسه جذب أصواتهم. على سبيل المثال، قام حزب الرفاه مؤخرا بتوزيع منشورات باللغة العربية لمرشحه في بلدية منطقة ريحانلي بولاية هاتاي، بهدف استقطاب الناخبين السوريين المجنسين.

وبالمثل، اعتمد مرشح حزب الشعب الجمهوري في منطقة بيوك تشكمجة بإسطنبول الإستراتيجية نفسها، مما أدى إلى إثارة ردود فعل متباينة تراوحت بين السخرية والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي.

في حديثه للجزيرة نت، يرى المحلل السياسي جوكهان ألتون أن بعض أحزاب المعارضة، التي كانت تعارض وجود العرب في تركيا، اتخذت هذه المرة في حملاتها الانتخابية إستراتيجية تقوم على التكيف ومحاولة التصالح مع الواقع بدلا من مجرد الانتقاد، بهدف إيجاد قاعدة مشتركة تسمح لها بالتواصل مع المواطنين المجنسين وإقناعهم بوجهة نظرها في المستقبل.

كما أشار ألتون إلى أن الحملات التي نفذتها بعض أحزاب المعارضة التي تعارض استمرار الصادرات التركية إلى إسرائيل، كانت تهدف جزئيا إلى كسب تعاطف الناخبين المجنسين، بجانب استهداف القاعدة الناخبة المحافظة التركية.

كما لفت إلى أهمية عدم التقليل من شأن الناخبين المجنسين خلال الحملات الانتخابية، إذ إنه من الممكن التأثير على قناعاتها من خلال برامج تواكب تطلعاتهم وترضي طموحاتهم، لا سيما أن دورهم وتأثيرهم في شتى جوانب الحياة بتركيا يشهد تزايدا مستمرا، مما يتيح لهم القدرة على توجيه رسائل رضا أو سخط على خدمات الحكومة والبلديات من خلال صناديق الاقتراع.



اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه