لا يشبه ميركل.. كيف ساءت أوضاع ألمانيا في عهد شولتس؟

46

برلين- من الصعب جدا أن تجد خلافا بين سكان ألمانيا بشأن تدني شعبية المستشار الحالي أولاف شولتس، فالرجل الذي خلف أنجيلا ميركل أخفق في إقناع الألمان بأنه يستحق قيادة أقوى اقتصاد في أوروبا، ولو أجريت الانتخابات البرلمانية هذه الأيام فسيخسر حزبه بسهولة المركز الأول، إذ أعطاه آخر استطلاع رأي لمعهد “فورصا” نشر نهاية يناير/كانون الثاني المركز الثالث، بفارق نقطتين مئويتين عن صاحب المركز الرابع.

يوصف شولتس بصاحب الوجه البارد، لدرجة أنه يوصف بـ”شولزومات”، أي مختصر اسمه مضافا إليه كلمة “آلي”، وتغيب عنه موهبة الخطابة، وكلامه عموما لا يثير الكثير من الانتباه، لدرجة أن هناك من يعتبره أكثر المستشارين الألمان إثارة للملل في تاريخها الحديث.

لكن الأمر لم يتوقف عند طبيعة شخصيته، بل إن أداءه أيضا طالته سهام النقد، إذ يكافح للإبقاء على حكومة تفرقها الخلافات، ومحاولة إقناع رأي عام ينظر بكثير من الريبة لمدى كفاءة الحكومة ومستشارها.

 لا يشبه ميركل

مقارنة شولتس بالمستشارة السابقة ميركل أمر صعب جدا، فقد كان منتظرا ألا يصل الرضا عنه كما كان عن سلفه التي استمرت في مكتب المستشارية 16 عاما، وأضحت ماركة مسجلة باسم ألمانيا بفضل خبراتها وسياساتها وطريقتها في التواصل، وكذلك قدرتها على تجاوز الأزمات التي واجهت البلاد.

لم يحقق شولتس الكثير من وعوده، ولم تفده خبرته في الحكومة، إذ كان سابقا نائبا للمستشارة ميركل ووزيرا للمالية في حكومتها الأخيرة، كما كان وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية في أول حكومة تقودها المرأة الحديدية، واشتهر أكثر بانتخابه عمدة لمدينة هامبورغ.

ويدين شولتس مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالفوز في الانتخابات البرلمانية لعام 2021 لأمرين أساسيين، الأول: استفادته من ضعف منافسيه، خصوصا أن مرشح التحالف المسيحي المحافظ (تنتمي له ميركل) كان أرمين لاشيت الذي ارتكب أخطاء عدة، منها ظهوره يضحك أثناء كارثة الفيضانات التي ضربت غرب ألمانيا، وكذلك اكتشاف سرقة أدبية اقترفها.

والسبب الآخر لانتخاب شولتس هو سياسته الناجعة على رأس وزارة المالية في فترة كورونا عندما قدم دعما ماليا لمن تأثروا من الجائحة، وشهدت ألمانيا خلال فترته تعافيا اقتصاديا سريعا للبلاد من صدمة تداعيات كورونا رغم أنه لم يكن الوحيد الذي ساهم في هذا الإنجاز.

شولتس برفقة وزير خارجيته أنالينا بيربوك التي تمثل حزب الخضر المتحالف مع الاتحاد الاشتراكي في الحكومة (رويترز)

تهديد المعارضة

الآن اختلف كل شيء، فهناك قيادة جديدة لدى المحافظين المسيحيين أصبحت أكثر شعبية من قيادة الاشتراكيين الديمقراطيين، فيما ترتفع بشكل مستمر أسهم اليمين الشعبوي ممثلا في حزب البديل من أجل ألمانيا، وللمفارقة فحزب ميركل وحزب “البديل” هما حاليا من يتصدران حاليا استطلاعات الرأي.

وما أثر على أولاف شولتس ليس فقط التحديات التي واجهها، بل كذلك من كوّنوا معه الحكومة، فالحزب الديمقراطي الحر حقق نتائج هزيلة جدا في انتخابات محلية عدة، مما جعل أعضاءه قريبين من التصويت على الخروج من الحكومة، فيما أدت الاختيارات الصارمة لهذه الأخيرة في مجال الهجرة واللجوء إلى تراجع شعبية حزب الخضر بين جزء كبير من قواعده التي كانت تراه صوتا لهذه القضايا.

ولذلك، هناك من يرى أنه لو استمر التحالف بين الاشتراكيين الديمقراطيين والمسيحيين المحافظين كما كان عليه الحال في 3 حكومات سابقة بين 2009 و2021 لكانت العقبات أقل بحكم أنهما يمثلان القوتين السياسيتين الكبريين في ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية.

وبات شولتس غير قادر على إخفاء الخلافات بين مكونات الحكومة، وظهر الشقاق في أزمة الموازنة نهاية العام الماضي عندما كانت الحكومة مطالبة بسد فجوة مالية بعد رفض المحكمة الدستورية تحويل أموال مواجهة كورونا إلى صندوق حماية المناخ.

وطالب الليبراليون بخفض الإنفاق على الإعانة الاجتماعية لحل المشكلة، وهو ما رفضه شولتس، معتبرا أن الإجراء يهدد أسس الدولة الاجتماعية.

في المقابل، أراد شولتس التوجه إلى الاقتراض، لكن ألمانيا تملك قانونا فريدا يضع مكابح على الديون، مما يعني أن هامش المناورة قليل جدا.

ثم جاءت الاحتجاجات الاجتماعية لتزيد الضغوط على المستشار، ومست قطاعات مهمة كالزراعة والرعاية الصحية والنقل، فيما تتعرض خطط شولتس لتسهيل جلب العمالة المؤهلة من الخارج إلى بيروقراطية البلاد الشديدة، مما فاقم مشكلات قطاعات عدة تعاني نقصا كبيرا.

دعم أوكرانيا

بدأ شولتس بشكل حازم ولايته متعهدا بإنفاق عسكري غير مسبوق بعد حرب روسيا على أوكرانيا، كما استطاع إلى حد كبير مواجهة أزمة الطاقة التي نجمت عن هذه الحرب بأن وجد شركاء جددا لتزويد ألمانيا بالغاز لوقف التبعية لموسكو.

وأعلن شولتس عن حزمة مساعدات موجهة للسكان في ألمانيا لمواجهة التضخم، ومن ذلك دفعات مالية مباشرة، وخفض أسعار النقل العام، وكبح أسعار الطاقة، وخفض الضرائب مؤقتا على المحروقات.

لكن استمرار الحرب أثار الشكوك في إستراتيجية شولتس، فقد قدم مساعدات عسكرية بقيمة 17 مليار يورو حتى نهاية عام 2023، مما جعله ثاني أكبر داعم عسكري لأوكرانيا بعد الولايات المتحدة.

استمرار هذه المساعدات يعني مزيدا من إنهاك الاقتصاد الألماني، خصوصا أن ألمانيا تستقبل حاليا قرابة 1.1 مليون لاجئ أوكراني يحصلون على مساعدات مباشرة يمكن أن تصل إلى كل أسرة من 4 أشخاص إلى 1600 يورو شهريا.

يحصل هذا فيما يشكل معارضو زيادة تسليح أوكرانيا أغلبية في ألمانيا، ولم يعد هناك استعداد لقبول لاجئين جدد من أوكرانيا كما كان الحال سابقا، وفقا لـ”مؤشر ميونخ للأمن 2024″.

خسر شولتس (يسار) خارجيا وتصدعت صورة ألمانيا في الجنوب والعالم العربي بسبب دعمه لإسرائيل في حربها على غزة (وكالة الأناضول)

صورة متصدعة

لم يخسر شولتس الكثير داخليا وهو ينحاز إلى إسرائيل بشكل صارخ في الحرب على غزة بحكم أن هذا الانحياز يغلب على معظم الأحزاب الألمانية وعلى النخب السياسية، بل حتى اليمين المتشدد بات يحاول استخدام ورقة مهاجمة الفلسطينيين والعرب لأجل مكاسب انتخابية.

لكن شولتس خسر خارجيا في ما يتعلق بصورة ألمانيا في الجنوب وفي العالم العربي، وهو ما يؤكده الخبير الألماني ميشيل لودرز الذي صرح سابقا للجزيرة نت بأن “ألمانيا تخاطر بخسارة سمعتها، ليس فقط في العالم العربي أو الإسلامي بل لدى دول الجنوب عامة”.

باتت ألمانيا تحمل لقب “الرجل المريض” في عهد شولتس، وهو لقب أطلقته عليها مجلة “إيكونوميست” عام 1998 بسبب مشاكلها الكبيرة، وعاد للظهور مجددا، إذ باتت تواجه إشكاليات اقتصادية كبيرة في علاقتها مع الخارج، خصوصا أن التنين الصيني تفوق لأول مرة في التاريخ على ألمانيا في أشهر ما تصدره، وهو السيارات وأجزاؤها.

تعبير “الرجل المريض” يرفضه وزير المالية كريستيان ليندنر، لكنه أكد في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس أن ألمانيا هي “رجل متعب”.

واحتاجت ألمانيا إلى إجراءات كبيرة لحل جزء من مشاكلها ما بعد إعادة توحيد الألمانيتين عام 1990، فهل تسلك طريقا مشابها الآن؟ مراقبون كثر يرون أن الحل لن يأتي مع الحكومة الحالية، وأنه سيحتاج لسنوات، غالبا ما سيكون شولتس قد غادر خلالها منصب المستشار.

اقرأ المقال من المصدر