لماذا قررت روسيا إعادة إنشاء منطقتي موسكو ولينينغراد العسكريتين؟

46

موسكو – بات من المرجح أن تصبح خطوط التماس وقواعد الاشتباك الافتراضية بين روسيا وبلدان حلف شمال الأطلسي “الناتو” أكثر سخونة بعد قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخير إعادة تشكيل منطقتي موسكو ولينينغراد العسكريتين، وذلك وفق ما يرى مراقبون روس.

وكان بوتين أصدر مرسوما رئاسيا ينص على تغيير التقسيم الإداري العسكري للقوات الروسية، بحيث يتم الإبقاء على المنطقتين العسكريتين الوسطى والشرقية، وإنشاء منطقتي موسكو ولينينغراد العسكريتين.

إضافة لذلك، ووفق المرسوم ذاته، لم يعد الأسطول الشمالي يتمتع بصفته السابقة، كمنطقة عسكرية داخل حدود إدارية، بل أصبح جزءا من منطقة لينينغراد العسكرية المشكلة حديثا، والتي تعتبر، إلى جانب منطقة موسكو العسكرية الأقرب إلى السويد وفنلندا.

ويعود التوجه نحو إعادة إنشاء منطقتي لينينغراد وموسكو العسكريتين إلى عام 2022، كما أشار إلى ذلك في حينه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، تعليقا على إعلان فنلندا والسويد رغبتهما في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.

بوتين أثناء حضور تخريج دفعة عسكرية جديدة في موسكو (رويترز)

نبذة تاريخية

وتشكلت منطقة موسكو العسكرية في عام 1864 كجزء من الإصلاحات العسكرية للإمبراطور ألكسندر الثاني وبقيت حتى عام 2010. وعشية حلها، كانت المنطقة تغطي، بالإضافة إلى العاصمة، 18 منطقة مركزية.

في عام 1990، بعد توقيع الاتحاد السوفياتي على معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا، قبلت موسكو القيود المفروضة على نشر التشكيلات والوحدات العسكرية في شمال غرب الاتحاد السوفياتي، وفي روسيا لاحقا. وعلى هذا الأساس، تم في عام 2010 حل المنطقة بالكامل.

أما منطقة لينينغراد العسكرية فيعود تأسيسها إلى عام 1918، وكما هو الحال بالنسبة إلى منطقة موسكو العسكرية، تم حلها في عام 2010، وكانت تعد أصغر المناطق العسكرية الروسية، إذ بلغ عدد القوات البرية والجوية فيها نحو 29 ألف فرد.

وعلى أساس منطقتي لينينغراد وموسكو العسكريتين الحاليتين، تم تشكيل المنطقة العسكرية الغربية في سبتمبر/أيلول 2010.

وتضم منطقة موسكو العسكرية، بالإضافة إلى مدينة موسكو ومقاطعتها، كلّا من بيلغورود، بريانسك، فلاديمير، فورونيج، إيفانوفو، كالوغا، كوستروما، كورسك، ليبيتسك، نيجني نوفغورود، أوريول، ريازان، سمولينسك، تامبوف، تفير، تولا وياروسلافل.

أما منطقة لينينغراد فتضم مدينة سانت بطرسبورغ والمقاطعة التابعة لها، إضافة إلى جمهورية كاريليا، وجمهورية كومي، وأرخانغيلسك، وفولوغدا، وكالينينغراد، ومورمانسك، ونوفغورود، وبسكوف ومقاطعة نينيتس ذات الحكم الذاتي.

وضع جيوسياسي جديد

ويعتبر مدير مركز التنبؤات السياسية، دينيس كركودونوف أن إعادة إنشاء منطقتي لينينغراد وموسكو العسكريتين كان قرارا متوقعا وشكل أحد ردود الفعل على انضمام فنلندا إلى الناتو وتطلع السويد للانضمام إلى التحالف.

ويقول في حديث للجزيرة نت إن منطقة لينينغراد العسكرية ستكون مسؤولة عن صد التهديدات الصادرة من دول البلطيق والدول الإسكندنافية وفنلندا، بينما ستتعامل منطقة موسكو العسكرية مع المناطق الأوروبية والأوكرانية.

ويوضح أنه منذ عام 2022، تغير الوضع الجيوسياسي في العالم بشكل كبير بعد انضمام فنلندا إلى دول الناتو، وتحرك السويد بأقصى سرعة في ذات الاتجاه.

وحسب تعبيره، فإنه إذا كانت فنلندا في السابق محايدة ولو من الناحية الشكلية، فقد أصبحت الآن دولة معادية التوجه. ومن هنا بات ملحا إنشاء قيادة منفصلة للمحور الإستراتيجي الشمالي الغربي، تكون مكلفة بوضع خطط قتالية مستحدثة، تشمل جميع أنحاء المنطقة بأكملها من كالينينغراد إلى مورمانسك.

أما منطقة موسكو العسكرية فستعنى بالاتجاه الأوروبي، بما في ذلك بيلاروسيا وأوكرانيا.

أما محلل الشؤون العسكرية، ألكسي أرباتوف فيصف القرار بأنه عودة إلى التقاليد السوفياتية في التقسيمات الإدارية العسكرية، ولكن مع مراعاة التغيرات التي طرأت على الوضع الجيوإستراتيجي الجديد، والأسلحة والتكنولوجيات الجديدة للقوات المسلحة.

آثار تدمير أحد الصواريخ الأوكرانية في بيلغورود الروسية (الفرنسية)

خطوة ضرورية

ويشير أرباتوف إلى أنه في ظل الاتحاد السوفياتي، لم تكن فنلندا والسويد تعتبران خصمين، بل كانتا دولتين محايدتين. لكن الآن برز عدوان جديدان واضحان لم يكونا موجودين أثناء الاتحاد السوفياتي وظهرت تهديدات لم تكن موجودة من قبل.

ويلفت الخبير في حديثه إلى أن إعادة إنشاء منطقتين عسكريتين في روسيا بدلا من منطقة غربية واحدة يشكل خطوة ضرورية للبلاد للتعامل مع التفاوت المتزايد بين القوات المسلحة التقليدية لروسيا ودول حلف شمال الأطلسي، وعموما الخط العام للحلف تجاه المواجهة مع روسيا، وكذلك دخول فنلندا والسويد إليها.

ومع التشديد على أن الناتو يتفوق على روسيا في عدد القوات التقليدية وفي بعض القدرات الأخرى، يرى أرباتوف أنه يمكن تسوية هذا الفارق في الإمكانات العسكرية من خلال الاعتماد على الأسلحة النووية التكتيكية، والتي حسب رأيه يجب إعادتها من مستودعات التخزين مباشرة إلى القوات، على الأقل إلى ألوية الصواريخ ذات أنظمة الصواريخ العملياتية التكتيكية وبعض سفن الأسطول الشمالي وأسطول البلطيق.

ويضيف إلى قائمة الأسباب توسع رقعة الأراضي الروسية مع انضمام المناطق الأربع (دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزاباروجيا) إلى روسيا، وبالتالي “أصبح من المنطقي تماما أن تصبح جزءا من المنطقة العسكرية الجنوبية، وهو أمر مهم”.

ويلفت إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار حل المهام العسكرية والإدارية والمهام الأخرى المتعلقة بالتدريب القتالي، والخدمات اللوجستية، وموارد التعبئة، وهو ما من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى تحسين منظومة القيادة والسيطرة هناك وفي كامل أنحاء البلاد.

اقرأ المقال من المصدر