ما حظوظ الأحزاب الدينية في الانتخابات الباكستانية؟

43

رغم التكهنات الكثيرة حول نزاهة الانتخابات الباكستانية المقررة الثلاثاء المقبل وفتور الفعاليات الانتخابية والتحديات الأمنية، يبدو أن حكومة تصريف الأعمال بقيادة أنوار الحق كاكر مصرة على إجراء الاستحقاقات في موعدها.

ويشارك 22 حزبا دينيا في هذه الانتخابات، تتفاوت حظوظها في الوصول إلى البرلمان الوطني والمجالس الإقليمية والمشاركة في الحكومة المركزية.

وفي البداية، تجدر الإشارة إلى أنه في ظل التحجيم القسري لدور حزب حركة إنصاف، وسجن زعيمه رئيس الوزراء السابق عمران خان تنحصر المنافسة الرئيسية بين حزب الرابطة الإسلامية بقيادة رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف وحزب الشعب بقيادة بيلاوال بوتو زرداري نجل رئيسة الوزراء الراحلة بينظير بوتو والرئيس السابق آصف علي زرداري.

وبالإضافة لهذين الحزبين تشارك في الاستحقاقات أحزاب أخرى ذات جذور إقليمية مثل “حركة المهاجرين القومية” في إقليم السند، وحزب الشعب الوطني ذي الصبغة القومية البشتونية في إقليم خيبر بختونخوا.

وأما الأحزاب السياسية الدينية المشاركة في المعترك الانتخابي، فأبرزها:

حزب جمعية علماء الإسلام، بزعامة مولانا فضل الرحمن، والجماعة الإسلامية بقيادة سراج الحق، وحركة لبيك باكستان بزعامة سعد حسين رضوي، وحزب مجلس وحدة المسلمين الشيعي بقيادة ناصر عباس جعفري.

حشد لأنصار حزب الشعب بمدينة كراتشي (الفرنسية)

محطات سياسية.. من التأسيس إلى اليوم

ومنذ تأسيس باكستان في عام 1947، لم تحصل الأحزاب السياسية ذات التوجه الديني على النتائج الانتخابية التي تمكنها من تشكيل الحكومة، لا على المستوى الوطني ولا على المستوى الإقليمي.

ولعل الاستثناء الوحيد كان في انتخابات عام 2002، إذ خاضت 6 من تلك الأحزاب الانتخابات تحت مظلة “تحالف مجلس العمل”، الذي حصل على 45 مقعدا في المجلس الوطني، وتمكن من تشكيل الحكومة الإقليمية في مقاطعتي خيبر بختونخوا (مقاطعة الحدود الشمالية الغربية سابقا) ومقاطعة بلوشستان.

ويُرجع المراقبون نجاح الأحزاب السياسية ذات التوجه الديني في انتخابات 2002 إلى أسباب منها تعاطف الناخب الباكستاني معها، بسبب الحرب الأميركية في أفغانستان وإسقاط حكومة الإمارة الإسلامية بقيادة حركة طالبان عام 2001، بدعم من الحاكم العسكري الباكستاني آنذاك الجنرال برويز مشرف.

هذه العوامل خلقت حينها حالة من التعاطف الشعبي مع الأحزاب الدينية، التي رفعت شعارا مناهضا للحرب الأميركية لأفغانستان، وعارضت سياسات حكومة برويز مشرف.

ومنذ الانتخابات العامة في 2013، تشهد النتائج الانتخابية في باكستان انخفاضا في عدد الأصوات التي تحصل عليها الأحزاب السياسية ذات الصبغة الدينية.

ففي انتخابات 2018، حصل 12 حزبا دينيا على 5.2 ملايين صوت فقط من مجموع أصوات الناخبين التي بلغت 54.2 مليون صوت.

ويومها حصل حزب جمعية علماء الإسلام على 12 مقعدا في البرلمان المركزي، كما أن حركة “لبيك باكستان” المتهمة بقربها من المؤسسة العسكرية الباكستانية حصلت على 2.2 مليون صوت، ولكنها لم تتمكن من الوصول إلى المجلس الوطني أو البرلمان الإقليمي في مقاطعة البنجاب والتي تعتبر معقلها الرئيسي، وحصلت على 3 مقاعد فقط في البرلمان الإقليمي لمقاطعة السند.

تشتت الأصوات وتغيّر الأولويات

ويتوقع مراقبون عدم حصول الأحزاب السياسية ذات الصبغة الدينية على نسبة مرتفعة من الأصوات في الانتخابات المقبلة، مما يعني أنها لن تتمكن من الدفع  بالكثير من أعضائها إلى قبة البرلمان والمجالس الإقليمية، وذلك لأسباب:

  • احتمال تشتت أصوات هذه الأحزاب، لأن كلا منها سيخوض الانتخابات القادمة بصورة مستقلة، ولا تجمعها مظلة سياسية أو تحالف انتخابي، مما يقلل من فرص فوز مرشحيها أمام مرشحي الأحزاب الأخرى.
  • انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان من شأنه أن يفقد الأحزاب الدينية في باكستان ورقة تحريك الشريحة المتدينة الرافضة للهيمنة الأميركية على المنطقة.
  • تركيز الناخب الباكستاني على قضايا الاقتصاد والأمن، مثل إخراج البلد من الوضع الاقتصادي المتأزم، ومواجهة التضخم، والبطالة والتحديات الأمنية المتزايدة.
الأحزاب الدينية في باكستان تحشد أنصارها لاستحقاقات الثامن من فبراير (الفرنسية)

الأوفر والأقل حظا:

  • لعل حزب جمعية علماء الإسلام-جناح فضل الرحمن أوفر حظا في الحصول على عدد من المقاعد في البرلمان المركزي والمجالس النيابية في إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا، وفق الباحث عبد الباسط محمد وهو عضو المركز الدولي لأبحاث العنف السياسي.

وفي مقال له نشر على موقع “ذا دبلومات”، يتوقع عبد الباسط حصول حزب جمعية علماء الإسلام على ما بين 8 و10 مقاعد في مجلس إقليم خيبر بختونخوا ذي الأغلبية البشتونية، والمناطق ذات الأغلبية البشتونية في إقليم بلوشستان.

 ومما يعزز فرص حزب جمعية علماء الإسلام في الحصول على عدد من المقاعد في الانتخابات المقبلة، احتمال تمكنه من استغلال “التضعيف الممنهج لحزب حركة الإنصاف في إقليم خيبر بختونخوا”، إضافة إلى علاقات الشيخ فضل الرحمن مع حركة طالبان في أفغانستان وحركة طالبان باكستان.

الاقتراب من الجيش

كما أن هناك تكهنات بأن الشيخ فضل الرحمن خلال زيارته الأخيرة لأفغانستان وبعد لقائه مع زعيم حركة طالبان الأفغانية في قندهار، توسط لدى حركة طالبان باكستان لأجل وقف إطلاق نار غير معلن مع الحكومة الباكستانية، ونجح في ذلك.

ولا شك في أن هذه الخطوة تقرّب الشيخ فضل الرحمن من المؤسسة العسكرية في باكستان، وتقوي فرص مشاركة حزبه في الحكومة القادمة، خاصة إذا تمكن نواز شريف من الوصول إلى رئاسة الوزراء.

وهذا ما يذهب إليه محمد عامر رانا في مقال له في صحيفة “دان” المشهورة الصادرة من كراتشي، حيث يقول “في حالة صحت التكهنات حول نجاح جهود الشيخ فضل الرحمن في التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار من قبل حركة طالبان باكستان، فإن حزب جمعية العلماء سيطالب بنصيب مهم في الحكومة القادمة”.

  •  الجماعة الإسلامية التي أسسها المفكر والزعيم السياسي المعروف أبو الأعلى المودودي سنة 1941، لا توجد مؤشرات قوية تدل على تقدم كبير في مسارها الانتخابي، وإن كان ثمة احتمال لوصول بعض مرشحيها إلى المجلس الوطني والمجلسين الإقليميين في كل من إقليم السند وخيبر بختونخوا.

ومما يعزز هذا الاحتمال حصول الجماعة الإسلامية على 132 مقعدا من مجموع 367 مقعدا في الانتخابات البلدية الأخيرة في مدينة كراتشي التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 17 مليون نسمة.

  • وأما حركة “لبيك باكستان” التي تنشط في إقليم البنجاب ومدينتي كراتشي وحيدر آباد في إقليم السند، فمن المرجح أن تؤدي دورا في تقسيم الأصوات إذا لم تستطع الحصول على مقاعد في البرلمان، حسب قول الكاتب عامر خان.

وهذا التشتيت يقلل من فرص فوز مرشحي حزب الرابطة الإسلامية-جناح نواز شريف في البنجاب وحزب حركة المهاجرين القومية في مدينتي كراتشي وحيدر آباد في إقليم السند، وذلك نظرا لوجود مؤيدين لحركة لبيك باكستان بين الطائفة البريلوية ذات الميول الصوفية.

ومهما كانت النتائج التي ستتمخض عنها الانتخابات، فستكون توجهات الناخبين مؤشرا على الأداء السياسي للأحزاب السياسية ذات الصبغة الدينية في باكستان واختبارا لمدى شعبيتها.

اقرأ المقال من المصدر