مخاوف غياب الأمن والنزاهة تلقي بظلالها على انتخابات باكستان

49

يقترب موعد الانتخابات العامة في باكستان المقرر عقدها في الثامن من فبراير/شباط الجاري لاختيار 266 عضوا في المجلس الوطني و593 عضوا في برلمانات الأقاليم، وحسب الدستور الباكستاني فإن الحزب الذي يملك الأغلبية في البرلمان المنتخب يشكل الحكومة ويحصل على الثقة من المجلس الوطني، كما تنتخب برلمانات الأقاليم رؤساء الوزراء في حكومات الأقاليم لخمس سنوات.

وأبرز الأحزاب التي تخوض هذه الانتخابات هي حزب الرابطة الإسلامية بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف، وحزب الشعب بزعامة بيلاول بوتو زرداري نجل رئيسة الوزراء السابق بينظير بوتو والرئيس السابق آصف علي زرداري، إضافة إلى حزب حركة إنصاف بزعامة رئيس الوزراء السابق عمران خان.

وتعدّ الاقتراع الحالي من أكثر الانتخابات إثارة للجدل في تاريخ باكستان منذ تأسيسها في عام 1947، وكان من المقرر أن تجري في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ولكن تم تأجيلها إلى فبراير/شباط الحالي لأسباب قيل إنها تتعلق بإعادة توزيع الدوائر الانتخابية.

فتور المشاركة الشعبية

ورغم أهمية الحدث الانتخابي الذي يأتي وسط ظروف سياسية واقتصادية صعبة تواجهها باكستان، فإن المراقبين يرون أن الحماس والشغف التقليدي أثناء الحملات الانتخابية ضعيف هذه المرة، وافتقدت الفعاليات والمهرجانات الانتخابية الحضور الجماهيري الكثيف والحيوية المعهودة في أغلب المدن.

ولعل من أبرز الأسباب لفتور حماس الناخب الباكستاني هو غياب المنافسة الجادة في هذه الانتخابات، فزعيم المعارضة ورئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان معتقل وخارج المنافسة الانتخابية، ولم يسمح له بالترشح وخوض الانتخابات.

كما صدر حكم بسحب الرمز الانتخابي التقليدي “مضرب الكريكيت” من حزبه، مما دفع الحزب إلى أن يطلب من مرشحيه خوض الانتخابات مرشحين مستقلين، وهذا الأمر يقلل من فرص فوز الحزب في الانتخابات، إضافة إلى ذلك تعرض العشرات من قيادات الحزب ومرشحيه للتوقيف والمحاكمات.

ويرى المحلل السياسي الباكستاني ضيغم خان أن “التنافس الانتخابي ضروري لوجود الحماس والمشاركة الشعبية القوية في المهرجانات الانتخابية، ولكن هذا التنافس غير موجود هذه المرة”.

تكهنات حول النزاهة

ومن الأسباب التي أفقدت المهرجانات الانتخابية حيويتها المعهودة وجود كثير من التكهنات والشائعات حول مدى نزاهة العملية الانتخابية، الأمر الذي جعل الناخب الباكستاني قليل التحمس للمشاركة في الفعاليات والمهرجانات الانتخابية.

وفي هذا السياق، يصف الكاتب الباكستاني طاهر مهدي الانتخابات القادمة بأنها “مهندسة”، في حين يذهب عابد حسين في مقال له في موقع الجزيرة الإنجليزي أبعد من ذلك، ويصف الانتخابات المقبلة بأنها “الأولى في قائمة الانتخابات التي وقع فيها تلاعب في تاريخ ديمقراطية باكستان المتعرجة”.

ومن أسباب الفتور قلة ثقة الشارع الباكستاني بجدوى العملية السياسية لحل مشكلات البلاد نظرا للفشل المتكرر للقيادات السياسية في إخراج باكستان من أزمات اقتصادية وأمنية تعصف بها.

وهذا ما يؤكده المحلل السياسي ضيغم خان بقوله “البلاد تمر حاليا بأزمة سياسية ويرى الشعب أن الانتخابات لا تحل مشاكله”.

ويعزو بعض المحللين ضعف المشاركة الشعبية في المهرجانات والفعاليات الانتخابية إلى وجود تكهنات بخصوص إجراء الانتخابات أصلا، على الرغم من اقتراب موعدها.

ويقول قمر الزمان كايره -أحد المرشحين ومن قيادات حزب الشعب بقيادة بيلاول بوتو زرداري- في تصريحات صحفية “الناس يسألوننا هل ستعقد الانتخابات؟ ونحن نقول لهم: لا يوجد سبب في الظاهر لتأجيل الانتخابات”.

التهديدات الأمنية

وللوضع الأمني دوره أيضا في برودة الفعاليات الانتخابية، فمع اقتراب موعد الانتخابات تشهد باكستان تصعيدا في نشاط المجموعات المسلحة خاصة في مقاطعتي بلوشستان وخيبر بختونخوا، اللتين وقعت فيهما عمليات عسكرية وتفجيرات تبنتها مجموعات مسلحة مناوئة للحكومة الباكستانية، على الرغم من تشديد الإجراءات الأمنية للحفاظ على أقصى درجات الأمن قبل أيام من إجراء الانتخابات.

ويذكر في هذا السياق أن باكستان قد شهدت خلال العام الماضي 664 هجوما مسلحا مختلفا في الحجم والنوع، حسب المعهد الباكستاني لدراسات النزاع والأمن، مما يشير إلى زيادة بنسبة 67% مقارنة بالعام 2022.

وكان مجلس الشيوخ الباكستاني قد أصدر في الخامس من الشهر الحالي قرارا طالب فيه المفوضية العليا للانتخابات في باكستان بتأجيل إجراء الانتخابات العامة في البلاد بسبب التهديدات الأمنية ووجود مخاوف تهدد حياة المرشحين خاصة في مقاطعة خيبر بختونخوا، وكان مستند المجلس في القرار إنذارات أصدرتها أجهزة أمنية بهذا الصدد.

وبلغت وتيرة التصعيد إلى حد إغلاق المدارس والجامعات في العاصمة إسلام آباد بسبب مخاوف أمنية في الأسبوع الماضي، وجاءت هذه الخطوة لتزيد من ضبابية الأوضاع، حسب تعبير صحفية “إكسبريس تريبيون” الصادرة من كراتشي.

وفي تقرير لها عن المخاطر الأمنية المصاحبة الانتخابات في باكستان، نقلت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية أن مصدرا دبلوماسيا غربيا في إسلام آباد أشار إلى مقتل رئيسة وزراء الباكستانية الأسبقة بينظير بوتو خلال حملة انتخابية في مدينة راولبندي عام 2007، قائلا “كلما تشتد الحملات الانتخابية، يزداد خطر الهجمات الإرهابية في باكستان”.

الحكومة ستخصص 300 ألف جندي لحماية مراكز الاقتراع يوم الانتخابات (الفرنسية)

تعزيزات للجيش

وتؤكد البيانات الحكومية الرسمية في باكستان على جدية الموقف الأمني، فالحكومة تصر على تأمين سلامة الانتخابات باتخاذ كافة الإجراءات الأمنية اللازمة لحماية المرشحين والناخبين وموظفي الانتخابات في كافة أرجاء البلاد.

وتفيد التقارير المنشورة في الإعلام الباكستاني بأن الحكومة ستخصص 300 ألف جندي لحماية مراكز الاقتراع وضمان إجراء الانتخابات في أجواء آمنة.

وعلى الرغم من التحديات، فإنه من المرجح إجراء الانتخابات العامة في باكستان في موعدها المحدد، ويبدو في غياب التنافس الانتخابي الجاد فرص فوز نواز شريف للوصول إلى رئاسة الوزراء للمرة الرابعة أكبر من غيره.

اقرأ المقال من المصدر