نصف قرن من المجازر.. عائلات سورية تبحث عن العدالة لضحاياها

حتى هذه اللحظة لا يعرف “أحمد- ك” ما إذا كان شقيقاه على قيد الحياة بعد كل السنوات التي مضت، أم أعدما أسوة ببقية جيرانهم في الحي، عندما ساقتهم سرايا الدفاع واحتجزتهم داخل مدرسة قريبة، ثم نقلتهم إلى مكان مجهول.

وسرايا الدفاع هي تشكيل عسكري غير رسمي لحماية النظام السوري أسّسه وقاده رفعت الأسد شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد.

وفي الثاني من فبراير/شباط 1982 شن الجيش السوري الحكومي عملية عسكرية واسعة النطاق، بمختلف أسلحته، على مدينة حماة “وسط البلاد”، في ختام صراع دموي امتد لسنوات بين نظام حافظ الأسد وتنظيم الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين.

وقد أسفرت العملية وفق مصادر حقوقية، عن مقتل من 30-40 ألف مدني، وتغييب الآلاف قسرا، ولا تزال عائلاتهم تعيش وجع اختفائهم، رغم مضي أكثر من 4 عقود.

وكان “أحمد- ك” التقى لآخر مرة شقيقيه محمود (13 عاما) وسمير (15 عاما) أواخر يناير/كانون الثاني 1982 أي قبل أسبوع تقريبا من بدء العملية، وذلك قبل أن يغادر إلى دمشق بمهمة تخص عمله التجاري.

كان يتفقد أحوال العائلة باستمرار عبر الهاتف الأرضي للاطمئنان على أوضاعها، بسبب ضغوط مرعبة تتعرض لها المدينة، على يد قوات مشتركة من “وحدات الجيش النظامي، والوحدات الخاصة، وسرايا الدفاع” تحتل بأسلحتها مناطق مختلفة في المركز والأطراف.

وازداد قلق أحمد أكثر عندما تعذر عليه التواصل مع العائلة طيلة فبراير/شباط 1982 “مدة تنفيذ العملية”، بعد انقطاع شبكة الهاتف الأرضي “الوحيدة” منذ اليوم الأول للهجوم، وانقطاع التيار الكهربائي، علاوة على ما نقل له بعض المسافرين الذين عبروا بمشقة الطريق الدولي حلب-دمشق مرورا بالطرف الشرقي للمدينة، من أنها تتعرض لحصار مطبق من مختلف جهاتها، عزلها عن العالم الخارجي بشكل كامل وقطع عنها إمدادات الغذاء واحتياجات السكان الأساسية.

مشهد الخراب

وبحلول أواخر فبراير/شباط الماضي، أعلن الجيش وقف عملياته، وفتح بعض المعابر أمام حركة المرور، فاستغل أحمد الفرصة ودخل المدينة أول مارس/آذار الماضي، وبخلاف توقعاته، فوجئ بمشهد خراب يغطي مساحات واسعة، ويقول “لم أكن أحسب أن أرى مدينتي مدمرة بهذه الطريقة المؤلمة”.

كانت أسرة أحمد المكونة من “والده ووالدته و4 أشقاء” تعيش في حي يتوسط منطقة قديمة، يعود تأسيس بنائه إلى عهد الأسرة الأيوبية التي حكمت بلاد الشام ومصر 1178-1284، شهد عمرانه امتدادا أفقيا وتطورا أضفت عليه فنون العمارة العثمانية في مرحلة لاحقة مسحة أخاذة.

يقول “رأيت الحي كتلة من الدمار، لا شيء يشير إلى وجود حياة، فالجثث تنتشر بين أكوام الحجارة ورائحتها تزكم الأنوف، لم يبق من كبرياء القصور التاريخية ما يدل على وجودها.

بدأ أحمد التساؤل عن عائلته، قائلا “صعدت فوق أكوام من الأنقاض، أفتش عن موقع منزلنا، حاولت كثيرا، لكني لم أتعرف عليه، فقد حجبت كتل الحجارة والأتربة الهائلة ما تحتها. التقيت مصادفة بأحد أفراد الحي يفتش بين الأنقاض ما يدل على موقع منزله أيضا، لقد همس في أذني بما لديه من أخبار، وعرفت منه حينئذ حقيقة ما حدث”.

 منذ ذلك الوقت لم يتلق أحمد، أي معلومات رسمية عن شقيقيه. لكنهما يزورانه -كما يقول- بين فترة وأخرى في أحلام تثير قلقه.

تتطابق قصة عائلة أحمد في تفاصيلها، مع مئات قصص أخرى تكشف حجم المأساة المروعة التي عاشتها سوريا في ظل نظام يوصف بأنه استبدادي قمعي “1970-2000”.

المذابح مستمرة

ويقول حقوقيون إن هذه الممارسات تواصلت مع فترة حكم الأسد الابن المستمرة منذ عام 2000، حيث شهدت بلاده مطلع عام 2011 حركة احتجاجات شعبية واسعة مناهضة لنظامه “ما زالت مفاعيلها مستمرة” تعامل معها بالأسلوب ذاته.

تتطابق أسئلة الأمس واليوم إلى حد بعيد، حول المدنيين المفقودين والمغيبين قسريا في سوريا، ويتكرر مشهد العائلات المنكوبة، وهي تبحث عن أجوبة مقنعة غير متوفرة لتساؤلاتها: هل ما زال أحبابها أحياء داخل السجون؟ وإذا كانوا قد قتلوا فأين جثثهم، وأين دفنوا، وأين القوائم الرسمية بأسمائهم؟

لطالما رفضت السلطات السورية الإفصاح عن أي معلومات تتعلق بمصير الآلاف الذين اقتادتهم قوات الجيش في حماة إلى معسكرات اعتقال جماعية، أنشئت خصوصا، ولم يعثر لهم على أثر. ومصير آخرين أيضا تم اعتقالهم في العقد الأخير من حكم الأسد الابن.

لم يسلم في تلك الفترة -كما يقول أحمد- أي من قطاعات المجتمع من آثار المذبحة التي تعرضت المدينة لها، ولم تنج أسرة من مصرع واحد من أفرادها على الأقل، أو اعتقاله، حيث طالت حملات الاعتقال الجماعي جميع الشباب والرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 14-60 عاما من دون استثناء.

وفي عام 1970، استولى الأسد الأب على السلطة في سوريا بانقلاب عسكري أطاح بخصومه في البعث الحزب الحاكم منذ عام 1963.

وفي مطلع السبعينيات بدء نجم شقيقه الأصغر رفعت بالصعود، عشية تأسيسه وترأسه قوات سرايا الدفاع المكونة من 40 ألف مقاتل أوكلت إليها مهمة حماية النظام وقمع معارضيه، ليصبح الرقم الأقوى والنافذ داخل السلطة ومؤسساتها.

وبمشاركة الجيش الحكومي وجهاز المخابرات العامة بتفرعاته المختلفة، ستنفذ هذه القوات أبشع عمليات سحق للمعارضة على اختلاف مشاربها السياسية، كانت ذروتها مذبحة سجن تدمر عام 1980 ومذبحة مدينة حماة عام 1982 بعد أن تحول الصراع بين النظام الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين إلى صدامات مسلحة ومواجهات عسكرية مفتوحة شهدتها أغلب المدن الرئيسية.

الإفلات من العقاب

عصفت بسوريا حينذاك اضطرابات سياسية، وأعمال عدائية ممنهجة، واختفاء قسري، وجرائم قتل عن عمد خارج القانون، وعمليات قتل جماعي، وبرزت كأحد البلدان الأكثر إفلاتا من العقاب.

ولم يسبق بحسب المؤشرات المتوفرة عن تلك الفترة أن خضع أي من قادة وعناصر الجيش أو جهاز المخابرات العامة أو سرايا الدفاع لمساءلة أو محاكمة محلية أو دولية على ما تم ارتكابه من جرائم.

يقول “أحمد – ك” إنه فقد في مذبحة حماة أخويه وأكثر من 150 شخصا من أولاد عمومته “جميعهم من عائلة واحدة”، ويستغرب كيف أخفق المجتمع الدولي في مواجهة حافظ الأسد، وفيما بعد بمواجهة وريثه.

ويضيف أن المتورطين في الصراع يعتقدون أن بإمكانهم التخلص من تبعات الجرائم التي ارتكبتها قواتهم، بمعزل عن أي قواعد أو معايير، طالما أنهم بمنأى عن المحاسبة.

وعزز قناعتهم بالإفلات من العقاب وجود مرسوم برقم 14 تاريخ 15 يناير/كانون الثاني 1969 يحمي عناصر إدارة المخابرات العامة من الملاحقة عن أعمال يرتكبونها أثناء تنفيذهم مهام محددة موكلة إليهم، ويربط الملاحقة حصريا بأمر من مدير الإدارة.

واليوم يقيم أحمد خارج وطنه، حيث يعد واحدا من ملايين اللاجئين السوريين الذين تركوا البلاد بحثا عن الأمن والأمان.

لقد غادر حماة على عجل مع بداية الثورة التي انطلقت ضد نظام بشار الأسد خوفا من اعتقاله على خلفية اشتراكه بمظاهرات مع أقرباء وأصدقاء له، ورفعهم شعار “لن ننسى شهداءنا” في إشارة إلى ضحايا مذبحة الثمانينيات. ويقول إنهم لن يخلدوا للراحة قبل أن يمثل القتلة أمام العدالة.

أوامر عليا

إفادات عشرات المنشقين عن الجيش الحكومي وإدارة المخابرات العامة لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، تدل على أن الانتهاكات الحاصلة إنما ترتكب بناء على سياسة تتبناها الدولة، وأن الأوامر تصل إلى الضباط والجنود مباشرة من أعلى المستويات في القيادة العسكرية والمدنية، أو بتصريح منها، أو بتغاضيها عما يحدث.

وأكدت إفادات العناصر أن قادة وحداتهم العسكرية أو ضباطا آخرين، أعطوهم أوامر مباشرة بفتح النار على المتظاهرين والمارة، وطمأنوهم بأنه لن تتم محاسبتهم.

كما قدموا معلومات تفصيلية عن مشاركة وحداتهم في الانتهاكات التي وقعت في 7 محافظات سورية، من بينها حماة ودمشق وحمص.

ونقلت المنظمة عن أحد الجنود قوله “لقد طلب إلينا العميد أن نستخدم النيران الثقيلة. ووعدنا بأنه لن يطلب منا أحد تفسير استخدامها، وعندما سأله أحدهم على من نطلق النار قال: على أي شيء أمامكم”.

بحسب ما توصلت إليه لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، يتجلى إرهاب الدولة في كل حوادث القتل الموثقة منذ أبريل/نيسان 2012، وتم تأكيد القتل الجماعي المتعمد ومعرفة هوية الجاني طبقا لمعايير الإثبات.

وتتوفر لذلك كمية كبيرة من الأدلة والبراهين التي جمعتها اللجنة منذ تشكيلها في عام 2011. وتشير الأدلة التي تم تحليلها إلى مسؤولية أشخاص بأعلى المستويات في الحكومة السورية بمن فيهم الرئيس بشار الأسد نفسه.

وبين عام 1975-2000 وثقت منظمات حقوقية تعنى بقضايا العدالة وحقوق الإنسان، أكثر من 40 مذبحة جماعية تقريبا، ارتكبتها قوات النظام ترافقت مع موجات تهجير متعمدة، كان أبرزها الموجة التي شهدتها حماة قبل وبعد المذبحة في عام 1982، وموجة النزوح التي أعقبت ثورة عام 2011.

 وتشير تقارير دولية إلى أن القوات الحكومية ارتكبت جرائم حرب عبر هجمات شنتها مباشرة على المدنيين، والمستشفيات، والمراكز الطبية، والعيادات، وقوافل المساعدات، واستخدمت غازات سامة قتلت وأصابت آلاف المدنيين، بمن فيهم عاملون في الخدمات الطبية، وعشرات الأطفال.

ورأت أن عقوبة الإعدام التي تطبق بمعزل عن أسس العدالة بقيت مجهولة، ولم تكشف السلطات النقاب عن معلومات تذكر بشأنها، وهي بمثابة أعمال قتل غير مشروعة.

وقد احتلت سوريا على امتداد العقود الماضية، المراتب الأولى على المؤشر العالمي للإفلات من العقاب، بوصفها البلد الذي يحتفظ بأسوأ سجل في هذا المجال على مستوى العالم.

تحقيقات وإدانات

وتندرج الجرائم التي أفلت القتلة من العقاب عليها، في إطار نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي عرف الجريمة المرتكبة ضد الإنسانية بأنها هجوم واسع النطاق، أو منهجي، موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، ويشمل: القتل العمد، الإبادة، إبعاد السكان، الاعتقال، التعذيب، الاغتصاب، اضطهاد جماعة محددة من السكان لأسباب سياسية أو دينية أو ثقافية أو عرقية أو قومية.

وفي خطوة لافتة مضى عليها نحو 10 سنوات، فتح مكتب المدعي العام السويسري تحقيقا جنائيا في جرائم حرب ارتكبتها وحدات الجيش السوري وقوات سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد في مدينة حماة عام 1982.

جاء فتح التحقيق بناء على شكوى قدمتها منظمة ترايل إنترناشيونال السويسرية “مقرها جنيف” في مسعى منها لتحقيق العدالة لآلاف الضحايا من المدنيين.

واستند التحقيق الجنائي على مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يسمح للدول بالتحقيق مع المشتبه بهم في هذا الصدد، ومحاكمتهم، بصرف النظر عن مكان ارتكاب الجرائم، وجنسية المشتبه به، وجنسية الضحايا.

وفي يوليو/تموز 2022 طلبت المحكمة الجنائية الفدرالية من مكتب العدل الفدرالي إصدار مذكرة توقيف دولية بحقه لإحالته إلى العدالة.

تقول المنظمة إن “المحاكمة المرتقبة لرفعت الأسد”، ستكون رائدة، فنادرا ما تتم محاكمة مسؤولين رفيعي المستوى على جرائم دولية وفق هذا المبدأ.

ومن شأن ذلك أن يبعث برسالة قوية للسلطات السورية مفادها أن المشتبه بهم من عائلة الأسد الحاكمة لن يكونوا بعيدين عن متناول العدالة.

وقد أثبت تطبيق الولاية القضائية العالمية فعاليته، كما الحال في ألمانيا حيث أصدر مدعيها العام في يونيو/حزيران 2018 مذكرة اعتقال دولية بحق مدير المخابرات الجوية السورية الجنرال جميل الحسن بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بين عامي 2011-2013، كما حاكمت أنور رسلان أحد ضباط المخابرات السورية وأدانته، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة في يناير/ كانون الثاني 2022 بالتهمة ذاتها.

ومن شأن مثل هذه التحقيقات والإدانات أن تدفع المجتمع الدولي لمكافحة الإفلات من العقاب، وتحول دون التطبيع مع الفظائع المرتكبة في سوريا.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه