هل تحقق عمليات المعارضة السورية مكاسب سياسية؟

45

إدلب- كثفت غرفة عمليات “الفتح المبين” التي تضم فصائل من المعارضة السورية شمال سوريا من العمليات الخاطفة ضد عناصر النظام السوري وحلفائه على جبهات ريف إدلب وحلب خلال الآونة الأخيرة.

وبحسب إحصائية حصلت عليها الجزيرة نت فإن غرفة عمليات الفتح المبين شنت خلال الأشهر الماضية 25 عملية انغماسية ضد قوات النظام، على مختلف الجبهات، خلفت 226 قتيلا وعشرات الجرحى.

تكتيك للاستنزاف

وقال عبد الرحمن الشامي، وهو قائد عسكري في غرفة عمليات “الفتح المبين”، إن “هذه العمليات تكتيك تتبعه فصائل المعارضة بهدف استنزاف العدو بالدرجة الأولى، وضرب الروح المعنوية لديه، واستخدامها سلاح ردع عن المجازر بحق الأهالي في الشمال السوري، فضلا عن كونها آلية فعالة لجمع المعلومات والاستطلاع العميق”، مشيرا إلى أن “هذا لا يعني انتهاء الحرب الكلاسيكية، فهناك إعداد متواصل لخوض معركة التحرير التي ستكون مفتوحة الاحتمالات والخيارات لتحرير كامل التراب السوري”.

وحول علاقة التصعيد الأخير واجتماعات “أستانا”، أضاف الشامي، في حديث للجزيرة نت، أن “النظام كعادته يحاول قبل الاجتماعات أن يعمل على إثبات وجوده والضغط على الدول المؤثرة، لكي تُؤْخَذ قرارات تصب في صالحه من باب التهديد والضغط بشن عملية عسكرية أو ترحيل الناس لتركيا وغيرها من المسوغات، ونحن على أرض الواقع كقوة عسكرية لا نأبه بهذه الاجتماعات، فهي لم تحقق للسوريين خلال سنوات الثورة إلا الوعود والكلام الفارغ”.

وحول مشاركة غرفة عمليات الفتح المبين في هذه الاجتماعات قال الشامي “إنه سبق أن أسلفنا أننا غير معنيين بهذه المؤتمرات التي لا تمثل غرفة عمليات الفتح المبين”.

القائد العسكري عبد الرحمن الشامي: عمليات “الفتح المبين” تكتيك بهدف استنزاف العدو (الجزيرة)

الحل بعيد

وأضاف القائد العسكري ذاته أن “الحل السياسي بعيد كل البعد في ظل تمسك بشار الأسد بالحكم ورفضه لأي تنازل بعد كل هذه الجرائم، والحل السياسي لا يلبي تطلعات الشعب السوري الذي ضحى لأكثر من عقد، فكيف يراد منا أن نصادق على مسارات تخذل السوريين، ونحن الذي حملنا على عاتقنا تخليص السوريين من هذه الطغمة الحاكمة، وبناء سوريا حرة مستقلة بعيدة عن مخلفات البعث وعائلة الأسد والطائفية المقيتة”.

وتابع المتحدث ذاته “نراقب ما يحصل وما ينتج عن تلك الاجتماعات، لكن ذلك لا يعنينا في شيء، لدينا عملنا وأهدافنا، ولدينا ثقة الناس بنا، ونعلم جيدا أين نضع أقدامنا، وأين يجب أن نكون ومتى، فالقرار بأيدينا لا بأيدي أي جهات خارجية”.

ويرى مراقبون أن الهجمات والعمليات العسكرية بين الفصائل وقوات النظام قد تسببت بشن هجمات برية بين الطرفين بعد هدوء دام 3 سنوات، في حين يرى آخرون أن هذه الهجمات لا تتعدى حدود الاتفاق التركي الروسي الموقع في الخامس من مارس/ آذار عام 2020.

في هذا السياق، يعتبر العميد المنشق عن قوات النظام السوري محمد الخالد أن “العمليات الخاطفة هي رد فعل محدود للمعارضة السورية شمالي البلاد، بسبب عدم قدرتها على شن هجمات برية واسعة لاستعادة السيطرة على المناطق التي سيطر عليها النظام السوري خلال هجوم 2019، بسبب وجود اتفاقية تمنع هجوم أي طرف من الطرفين”.

رد محدود

وأضاف الخالد، في حديث للجزيرة نت، أن الهجمات التي تسمى بالانغماسية تحقق نتائج جيدة للغاية، فهي تسبب خسائر في صفوف قوات النظام دون أي خسائر في صفوف الطرف المهاجم، كذلك تبقى عناصر النظام في حالة استنفار مستمر.

وأشار في الحديث ذاته إلى أن “هذه الهجمات ستبقى ضمن إطار محدود لا يتعدى هجمات ضد مناطق معينة على الجبهات، لأن هناك إجماعا دوليا على إبقاء الوضع في إدلب هادئا دون وجود هجمات عسكرية واسعة من أي طرف، وخصوصا أن النفوذ التركي الروسي على مناطق النظام والمعارضة أصبح أكثر سيطرة”.

ونهاية الشهر الماضي، اندلعت معارك عنيفة بين فصائل المعارضة (غرفة عمليات الفتح المبين) وقوات النظام السوري والمقاتلين الموالين له، وذلك إثر محاولة عناصر النظام التسلل إلى خطوط التماس في المنطقة.

وأعلنت “مؤسسة أمجاد” التابعة لـ”هيئة تحرير الشام” -التي تعمل ضمن غرفة عمليات الفتح المبين شمالي سوريا- أن قوات من النظام السوري وحزب الله اللبناني تعرضت لكمين محكم بعد محاولتها التسلل على محور تلة الملك في ريف اللاذقية الشمالي.

من جانبه، يتوقع الخبير العسكري العقيد أحمد الفرحات أن هذه العمليات لن تكون إستراتيجية، وسوف تتبعها هجمات أوسع بين الطرفين، لأن قواعد الاشتباك من الممكن أن تتغير خلال الأشهر المقبلة، وخصوصا أن الأطراف الضامنة غير متفقة على ملف إدلب حتى الآن”.

وأضاف، في حديث للجزيرة نت، أن النظام صعد القصف قبل اجتماع “أستانا”، كذلك صعّدت المعارضة من خلال القصف والهجوم العسكري على مواقع للنظام، وذلك من أجل كسب أوراق للتفاوض، فكلا الطرفين روسيا وتركيا يحتاج إلى أوراق قوية على الطاولة، والأمر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال فرض القوة العسكرية على الأرض.

وأشار الخبير العسكري إلى أن الاتفاق الروسي التركي للتهدئة في إدلب مهدد، موضحا أن المعارضة والنظام يعدان العدة منذ سنوات من أجل عودة المعارك في شمال البلاد.

وحسب الفرحات، تهدف المعارضة لاستعادة مناطق اتفاق سوتشي حتى منطقة مورك بريف حماة، التي سيطر عليها النظام بالقوة، في حين يريد النظام السيطرة حتى منطقة باب الهوى على الحدود مع تركيا.

وجاءت هذه الهجمات بالتزامن مع اختتام أعمال الاجتماع الدولي الـ21 حول سوريا، في العاصمة الكازاخستانية “أستانا”، الذي انعقد على مدى يومين بمشاركة وفود الدول الضامنة -روسيا وتركيا وإيران- ووفود النظام والمعارضة في سوريا.

ونص البيان الختامي للاجتماع الدولي على تجديد الدول الضامنة التزامها الراسخ بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها وبأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

فصائل الفتح المبين تنتشر على جبهات ريفي إدلب حلب وبعض المواقع في سهل الغاب بريف حماة(الجزيرة نت)
الخبير العسكري أحمد الفرحات: هذه العمليات لن تكون إستراتيجية وسوف تتبعها هجمات أوسع بين الطرفين (الجزيرة)

خفض التصعيد

من جانب آخر، اعتبر الباحث الرئيسي في “مركز جسور للدراسات” وائل علوان، أن التصعيد بين مناطق المعارضة والنظام في إدلب محكوم بخفض التصعيد، وليس بوقف إطلاق النار، معتبرا أن خفض التصعيد هو نتيجة اتفاقيات مستقرة منذ مارس/آذار 2020.

وتوقع علوان أن تبقى المنطقة مستقرة، مع احتمال خرق لوقف إطلاق نار متبادل بين المعارضة والنظام لعوامل كثيرة، منها ميدانية ومنها سياسية مرتبطة بالأطراف الضامنة روسيا وإيران وتركيا.

وتوقع الباحث نفسه أن تتأثر مناطق المعارضة وخفض التصعيد في إدلب بالتصعيد التركي ضد المجموعات الانفصالية في شمال شرق سوريا، إذا ما أرادت روسيا أن تحقق ضغطا ما لأجل مفاوضات بشأن الوضع العام الذي تتدخل فيه شمال شرقي سوريا، موضحا أن مستقبل المعارضة السورية لا يبدو أنه متأثر باجتماع “أستانا” الحالي، وأن إدلب وشمال حلب وتل أبيض ورأس العين مناطق مستقرة نسبيا تخضع لسيطرة المعارضة.

ولفت في حديثه إلى أن هناك تفاهما إقليميا ودوليا ألا يحدث مزيد من حالات النزوح الداخلي، وهذا الأمر من الأهداف الرئيسة لتركيا التي تفاهمت هي وباقي الأطراف الإقليمية منذ مارس/آذار 2020. لذلك يأتي اجتماع “أستانا” ضمن سلسلة إبقاء هذا المسار مفتوحا وإبقاء النقاش حول الأمور الميدانية في سوريا على الطاولة بين الضامنين لأستانا.

وأوضح علوان “أن التصعيد عادة بالقصف أو بالعمليات البرية يأتي لأسباب مختلفة، فالنظام عادة ما يذهب للتصعيد قبيل “أستانا” من أجل تحريك طاولة المباحثات والمفاوضات، لأن أحد الأهداف الرئيسة لتركيا هي الحفاظ على الاستقرار وإيقاف التصعيد، لذلك يبادر النظام وروسيا لمثل هذا التسخين من أجل الوصول إلى تفاهم بحيث يكون أحد مخرجات أستانا أن تلتزم روسيا بتخفيف التصعيد في إدلب مقابل مكتسبات سياسية أهمها الاستقرار الذي تشهده سوريا”.

اقرأ المقال من المصدر