هل تنجح حركات دارفور بترجيح كفة الجيش السوداني؟

46

حسمت 3 من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام مع الحكومة السودانية الموقّع في أكتوبر/تشرين الأول 2020 موقفها وتخلت رسميا عن الحياد الذي أعلنته بعد اشتعال الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع وقررت خوض المعارك إلى جانب الجيش.

وشاركت قوات من حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم وأخرى من حركة تحرير السودان بقيادة مصطفى تمبور في المعارك الأخيرة التي شهدتها أم درمان القديمة وفي شرق البلاد على الحدود مع ولاية الجزيرة التي بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها عليها.

وقاد رئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي هذا الأسبوع قوة ضخمة من ولاية نهر النيل شمال البلاد إلى منطقة وادي سيدنا العسكرية في أم درمان شمال العاصمة الخرطوم معلنا المشاركة في المعارك القادمة.

مغادرة الحياد

وكانت 3 من الحركات المسلحة التي تشارك في الحكم بموجب اتفاق جوبا قررت بعد نشوب الحرب عدم التدخل في القتال والتزام جانب الحياد، وأصدرت بيانا بموقفها، في محاولة لتحجيم النزاع وقصره على الجيش والدعم السريع.

وامتنعت عن توقيع البيان حركة تحرير السودان- المجلس الانتقالي بزعامة الهادي إدريس وتجمّع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر، وكان الرجلان عضوين في مجلس السيادة وقتها واختارا الانضمام إلى التيار الداعي إلى وقف القتال ليصدر رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان لاحقا قرارا بإقالتهما من منصبيهما.

وبعد نحو أسبوعين من اندلاع القتال في منتصف أبريل/نيسان 2023 شكلت حركات دارفور الرئيسية الأربع (تحرير السودان، تحرير السودان- المجلس الانتقالي، العدل والمساواة، تجمع قوى تحرير السودان) قوة مشتركة لحماية المدنيين في الإقليم، لتأمين وصول المساعدات الإنسانية وتأمين المقار والمؤسسات المهمة في الفاشر عاصمة شمال دارفور.

وفي 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 أعلن كل من مناوي وجبريل ومصطفى تمبور الانحياز إلى الجيش، وسبقهم إلى ذلك مالك عقار الذي تم تعيينه نائبا لرئيس مجلس السيادة، مبررين تحولهم بالانتهاكات المريعة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، فيما تمسك الهادي إدريس والطاهر حجر بعدم موالاة أي من طرفي القتال.

قادة في حركة العدل والمساواة يستعدون للمشاركة في معارك ولاية الجزيرة المرتقبة (مواقع التواصل)

تباين وانقسامات

وأثر تباين مواقف قادة الحركات المسلحة حيال الحرب على القوة المشتركة في دارفور حيث توقفت عن أداء مهام الحماية وتأمين المساعدات، مما ألقى بظلاله على الأوضاع الإنسانية في الإقليم، وبات يواجه نقصا مريعا في الغذاء تحول إلى مجاعة في العديد من مخيمات النزوح.

وبدا جليا كذلك أن الحرب أحدثت انقسامات قوية وسط هذه الحركات، إذ انشقت حركة العدل والمساواة إلى فصيلين يقود أحدهما جبريل إبراهيم، فيما يتزعم سليمان صندل فصيلا آخر يبدو أقرب بمواقفه إلى الدعم السريع.

كما تواجه جماعة الهادي إدريس خلافات وانشقاقات معلنة، حيث توجهت مجموعة منها بزعامة صلاح رصاص للقاء البرهان وإعلان تأييدها الجيش وعزل إدريس من رئاسة الحركة.

ورغم موقفها المنحاز باكرا فإن الحركات لم تخض قتالا ميدانيا مع الجيش إلا مؤخرا، حيث شاركت قوات من العدل والمساواة في معارك أم درمان القديمة، وذلك بعد أيام من تخريج 1500 من مقاتليها في ولاية كسلا شرقي البلاد.

وأكد رئيس الحركة جبريل إبراهيم -لدى مخاطبته الخريجين في 9 مارس/آذار الجاري- أن “إسهام الجنود سيكون قويا في دحر الدعم السريع”.

وقال إن قرار التخلي عن الحياد “شكل تغييرا كبيرا في الميدان”، وإنه يمثل خطوة للأمام لإنهاء التمرد قريبا، وأكد أن قوات الحركة منتشرة في دارفور وفي مناطق عديدة وتتمتع بقدر عال من التدريب.

جبريل ابراهيم تعهد بالمشاركة مع الجيش في القضاء على تمرد الدعم السريع - مواقع تواصل
جبريل إبراهيم (يسار) تعهد بالمشاركة مع الجيش في القضاء على “تمرد” الدعم السريع (مواقع التواصل)

ترجيح الكفة

وبحسب معلومات حصلت عليها الجزيرة نت، فإن الكتيبة العاشرة التابعة للعدل والمساواة بقيادة اللواء التوم حامد توتو شاركت في عملية تحرير الإذاعة يوم 12 مارس/آذار الجاري.

كما أن جزءا كبيرا من القوة التي أكملت تدريبها في كسلا وصلت معسكر سركاب شمال أم درمان، فيما توجهت البقية إلى الفاو بولاية القضارف للمشاركة في معارك الجزيرة المرتقبة.

من جهته، يؤكد رئيس حركة تحرير السودان مصطفى تمبور للجزيرة نت وجود قواته في دارفور ومشاركتها في المواجهات التي دارت مؤخرا بالقضارف شرق السودان، حيث اشتبك الجيش مع قوة للدعم السريع في منطقة الخياري القريبة من ولاية الجزيرة.

ويقول تمبور إن العديد من جنوده أصيبوا في هذه المعركة، وإن نحو 450 آخرين يوجدون حاليا في الحشد العسكري المتقدم لتحرير ولاية الجزيرة.

ويرى أن دخول الحركات المسلحة ساحة المعارك ضد الدعم السريع سيسهم بقوة في ترجيح كفة الجيش من واقع إدراكها التكتيك الذي تعتمد عليه “المليشيا”، وبالتالي “يسهل جدا القضاء عليها في الجزيرة وفي كل مكان”.

ويعزو تأخر المشاركة بالمعارك إلى وجود أغلبية القوة في دارفور، وعدم تجميعها بالنحو المطلوب، مضيفا “لكن الآن اكتملت التجهيزات تماما”.

من جانبه، يؤكد المتحدث باسم القوة المشتركة أحمد حسين مصطفى أن الحركات المشاركة في القتال ستغير ميزان القوة لصالح الجيش.

ويلفت مصطفى في حديثه للجزيرة نت إلى تمتع تلك الحركات بخبرة عالية وتكتيكات تماثل الدعم السريع من حيث الخفة والسرعة وأساليب القتال المتحرك والإرادة القوية “لهزيمة الدعم السريع بعد شهور من الحياد”.

مبرر أخلاقي

من جهته، أعلن مناوي رسميا هذا الأسبوع خوض القتال إلى جانب الجيش، وقاد تحركا عسكريا من قواته التي كانت ترتكز في ولاية نهر النيل شمال السودان إلى منطقة وادي سيدنا العسكرية وسلم القوة إلى الجنرال ياسر العطا مساعد القائد العام للجيش.

وقال إن قواته “لديها مدرسة خاصة في الدفاع عن الحقوق والوطن، وإنهم عازمون على مساندة الجيش لإخراج الأجانب ولمنع السلب والنهب واحتلال المنازل”.

وأوضح مناوي أنهم انتظروا 10 أشهر على أمل أن يتم التراضي على حلول لإيقاف الحرب، دون نتيجة، مضيفا “لذلك لا بد أن تساهم الحركة في إعادة ممتلكات المدنيين واستعادة سيادة الدولة”.

ويمتلك مناوي أكبر عدد من القوات والعتاد العسكري المتقدم، وتشير التقديرات إلى تجاوز عدد مقاتليه 30 ألف جندي يتركز القسم الأكبر منهم في ولاية شمال دارفور.

بدوره، يرى المحامي والباحث عبد الباسط الحاج في حديثه للجزيرة نت أن موقف الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا كان حرجا بعد نشوب الحرب، لأنها جزء من الحكومة القائمة، ومع احتفاظها بقواتها وعدم تطبيق برامج التسريح وإعادة الدمج توجب عليها وفق مواقعها السياسية مشاركة الجيش.

وأبدى ثقته في إمكانية ترجيح الحركات كفة الجيش لخبرتها في التعامل الميداني مع الدعم السريع وبقدراته القتالية ذاتها.

ويقول الحاج إن مبررات “تمرد” قوات الدعم السريع على الجيش و”ارتكابها انتهاكات فظيعة ترقى لجرائم الحرب في دارفور والخرطوم والجزيرة وغيرها” منحت هذه الحركات مبررا لإعلان مساندة الجيش، خاصة مع استمالة قوات الدعم السريع مليشيات قبلية عربية في دارفور للقتال بصفها إضافة إلى فصائل أخرى، بينها تمازج وجماعة أبو عاقلة كيكل في الجزيرة والعمدة أبو شوتال في النيل الأزرق.

ويرى أن الدافع الأخلاقي لدى الحركات لدعم الجيش صحيح من حيث المبدأ، لكنه قد يلقي بتداعيات خطيرة مستقبلا، من بينها أن الحرب قد تعزز مكانة هذه القوات وبالتالي تصعب مهمة الجيش عند إجراءات التسريح وإعادة الدمج.

اقرأ المقال من المصدر