هل خسرت المعارضة الروسية السباق الانتخابي قبل خوضه؟

موسكو- تنطلق اليوم الجمعة عملية التصويت في الانتخابات الرئاسية في روسيا والتي تستمر 3 أيام، وسط غياب واضح لممثلي المعارضة عن هذا السباق.

يأتي ذلك بسبب ما تقول أطراف المعارضة إنها انتخابات بنتائج محسومة سلفا، فيما يعتبر خصومهم -والسلطات- أن هذه التصريحات تبرير لضعف تأييد قوى المعارضة في الشارع الروسي.

وتُجرى الانتخابات الرئاسية الثامنة من نوعها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي بعد نحو شهر من وفاة المعارض الأبرز في البلاد أليكسي نافالني في سجن الدائرة القطبية الشمالية حيث كان يقضي حكما بـ19 عاما بتهمة “التطرف”، في حين حمّل مؤيدوه السلطات المسؤولية عن وفاته.

المعارض الروسي الأبرز أليكسي نافالني يغيب عن الانتخابات بعد وفاته في السجن بتهمة “التطرف” (الأوروبية)

غياب بارز

وكان نافالني قدّم وأعضاء فريقه في 7 ديسمبر/كانون الأول الماضي إستراتيجيتهم للانتخابات الرئاسية الروسية، والتي تمحورت حول الدعوة إلى استغلال فترة ما قبل عملية التصويت للقيام بحملات جماهيرية ضد الرئيس فلاديمير بوتين، معتبرين أن الحملات الانتخابية أكثر أهمية من التصويت.

وأشار منشور لنافالني في حينه إلى أنه “لن تكون هناك أي فائدة من التصويت إذا لم يعلم أحد لمن سيصوت”.

كما اقترح نافالني التصويت إلى أي مرشح باستثناء بوتين، وذلك في خضم نقاشات أجريت أواخر العام الماضي لتوحيد الجهود بشأن هدف واحد بسيط ومفهوم، من ضمنها دمج الموارد الإعلامية للمعارضة كجزء من حملة مشتركة مناهضة للرئيس الروسي، لكنها فشلت في التوصل إلى اتفاق مع بقية أطراف المعارضة.

وعشية بدء الانتخابات واجهت المعارضة الروسية المناهضة للنظام أزمة داخلية وخلافات لم تسمح لها باتخاذ قرار بشأن إستراتيجية عامة أو ترشيح مرشح واحد، وبدلا من ذلك تصاعدت حدة الصراعات القديمة وظهرت أخرى جديدة.

كما طرأت على المعارضة تغيرات بنيوية أثرت بشكل كبير على عملها بسبب هجرة النشطاء المناهضين للنظام الذين بدؤوا حركة نزوح جماعي في نهاية عام 2020.

سيف ذو حدين

وشكل النزاع مع أوكرانيا وما ترافق معه من حرب إعلامية مع الغرب سيفا ذا حدين بالنسبة للمعارضة، فمن جهة كان إعلان الحرب وما تبعه من تعبئة عسكرية فرصة للمعارضة للهجوم على سياسات الكرملين، واستفادت بأشكال مختلفة من الدعم الإعلامي الغربي المناهض للكرملين والمساند لمعارضيه.

لكن من جهة أخرى لم يستمر ذلك طويلا، إذ وجدت السلطات في الاشتباك الإعلامي مع الغرب فرصة لحظر أعداد كبيرة من المواقع، بما فيها الروسية الداخلية المناهضة للسلطة وللحرب مع أوكرانيا على حد سواء، فضلا عن إصدار تشريعات تمنع أنشطة المنظمات الأجنبية والمتعاونين معها تحت مسمى “عملاء أجانب”.

وبذلك، فقدت المعارضة واحدا من أهم أسلحتها في مواجهة السلطات، وهو مواقعها الإلكترونية التي لطالما شكلت رأس الصراع في الحرب الإعلامية مع مؤسسات الدولة وسياساتها.

وإلى جانب ذلك، لم تعد “المعارضة الراحلة” قادرة على تنظيم احتجاجات جماهيرية أو إطلاق حملات مباشرة في روسيا، كما أن محاولات إجراء تحريض شعبي “تحت الأرض” من خلال شبكة مجهولة من المقرات لم تؤد إلى توسيع واضح للعمل السياسي خارج الفضاء الافتراضي.

وبحسب الكاتب المعارض فاسيلي تيموفييف، فإن الانتخابات الحالية لا تعدو كونها تصويتا تتوصل فيها لجنة الانتخابات المركزية إلى النتيجة التي تريدها السلطات.

ووفق ما يقوله للجزيرة نت، لا توجد علاقة بين كيفية تصويت الناس والنتيجة التي يتم إعلانها، لأن السلطات لديها الأدوات اللازمة للإعلان عن أي نتيجة بسبب استبعاد المرشحين ونقص المراقبين.

هوة عميقة

ويشير تيموفييف إلى وجود هوة عميقة بين إمكانيات الدعاية والتحريض والتأثير على المزاج العام في البلاد لدى أطراف الصراع السياسي، بحيث تمتلك السلطات أغلبيتها الساحقة وتمسك بمجمل خيوطها، فيما تكاد هذه الإمكانيات تلامس “الصفر” لدى المعارضين.

وأضاف أن حجم الضغوطات التي تسببت فيها الإجراءات الرسمية ضد مكونات المعارضة أدت إلى حالة انغلاق لديها وأثرت على التواصل، ليس مع الرأي العام وكافة شرائح المجتمع عموما، بل حتى على التواصل في ما بينها.

يشار إلى أن الشخصيات البارزة في المعارضة اعتمدت بشكل هائل على مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات أخرى في حملتها الدعائية ضد السلطات قبل قيام الأخيرة بحظرها.

وكان للمعارض الراحل أليكسي نافالني نحو 3 ملايين مشترك على منصة إكس، ويحل في المركز الثاني رجل الأعمال اليهودي الروسي ميخائيل خودوركوفسكي المقيم حاليا في لندن، ويبلغ عدد المشتركين على صفحته نحو 860 ألف مشترك، أما المركز الثالث فيشغله المدون أندريه فارلاموف ويبلغ عدد جمهوره قرابة 600 ألف شخص.

في المقابل، يرى محلل الشؤون السياسية ديمتري كيم أن المعارضة -بما فيها “الراحلة”- قامت برهان خاسر عندما تعاملت مع التوترات السياسية داخل روسيا والناجمة عن تصاعد تحديات السياسة الخارجية -ولا سيما في العامين 2022 و2023- على أنها “فرصة العمر” لشن هجوم دعائي مضاد ضد السلطات.

ويتابع أنه بعد فشل خطة طوفان المعلومات واستغلال مشاعر الذعر في الأشهر الأولى بعد الحرب مع أوكرانيا قام المناهضون للنظام بمحاولات لإعادة تجميع أجندتهم وتحالفاتهم الائتلافية وخطط العمل من أجل نظام سياسي جديد، لكنها اصطدمت بحائط قوة الدعاية الرسمية التي نجحت -حسب رأيه- في تحشيد الرأي العام الروسي ضد الغرب ومن يتعامل معه من الداخل.

اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه