وزير الدفاع التركي: لن نسمح بإنشاء “ممر إرهابي” في العراق وسوريا

49

أنقرة- في ديسمبر/كانون الأول الماضي، تعرضت القواعد العسكرية التركية على الحدود العراقية والسورية لهجمات من قبل تنظيم “بي كيه كيه” (PKK)، مما أسفر عن مقتل العديد من الجنود الأتراك. على إثر ذلك، أطلقت أنقرة عمليات عسكرية عبر الحدود في كل من سوريا والعراق.

من ناحية أخرى، تبذل تركيا جهودا دبلوماسية وإعلامية نشطة بشأن حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين، وقد اتخذت خطوة مهمة عبر تقديم العرض “الضامن” لقطاع غزة لحل المشكلة. ومع ذلك، لم يتم بعد الحصول على رد ملموس من دول المنطقة على هذا المقترح.

وقدّم كل من الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان تصريحات عدة بشأن المجزرة المستمرة في غزة.

لا يُعتبر رئيس هيئة الأركان ووزير الدفاع التركي يشار غولر من الأشخاص الذين يظهرون كثيرا في وسائل الإعلام. وباستثناء الإعلام التركي، يتحدث عن هذه القضايا لأول مرة مع الجزيرة نت كوسيلة إعلام خارجية.

وفيما يلي نص الحوار:

  • ما أهداف العمليات العسكرية التركية في العراق وسوريا؟ وكيف تقيّمون مستقبل وجودكم العسكري في شمالهما؟ وهل هناك إمكانية لعملية عسكرية برية؟

تركيا منذ سنوات في صراع حازم ومستمر ضد تنظيم “بي كيه كيه” (PKK) “الإرهابي” وامتداداته التي تستهدف مواطنينا وقواتنا الأمنية، وتهددنا وتشكل تهديدا كبيرا لسكان المنطقة.

لكنّ هذا التنظيم يتلقى للأسف دعم بعض الدول ليصبح دُمية. وعند الحديث عن عملياتنا في المنطقة، تجدر الإشارة إلى أنه منذ عام 2015، استغلت الجماعات الإرهابية ومؤيّدوها عدم الاستقرار في العراق وسوريا.

في شمال العراق، حيث تغيب إرادة الدولة، كثّف التنظيم أنشطته الإرهابية ضد بلادنا بإنشاء مناطق آمنة له. وفي سوريا، بعد الحرب الأهلية، واصل الإرهابيون جهودهم لإنشاء هياكل فعلية في المنطقة، بالإضافة إلى شنّ هجمات مستمرة ضد بلادنا.

في هذا الإطار، بدأنا عام 2016 إجراء تغيير شامل في مفهومنا لمكافحة الإرهاب، وشرعنا في تطبيق إستراتيجية تأمين حدودنا مسبقا والقضاء على الإرهاب من منبعه. ومن خلال العمليات التي نفذناها في شمال سوريا والعراق، وفرنا أمن حدودنا وشعبنا الكريم، كما كسرنا الممر الإرهابي الذي كانوا ينوون إنشاءه في جنوب بلادنا.

أؤكد أن هدفنا الوحيد في العمليات التي نقوم بها هو الإرهابيون. جميع عناصر تنظيم “بي كيه كيه” (PKK) واتحاد مجتمعات كردستان، وقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب، وتنظيم الدولة في سوريا والعراق، التي تشكل تهديدا لبلدنا وشعبنا، هي أهدافنا المشروعة كما كانت من قبل.

كما لا تُعتبر جميع العمليات التي نفذناها ضد التنظيمات في شمال العراق وسوريا نشاطا ضد سيادة الدول المعنية، بل تعاونا دوليا في إطار مكافحة الإرهاب.

موقفنا واضح بشأن مكافحة التنظيمات الإرهابية. فعندما تنتهي التهديدات والمخاطر التي تتعرّض لها بلادنا من شمال هذين البلدين، وعندما يتم إرساء بيئة سلام وأمان، سنفعل ما هو ضروري مثل أي طرف آخر عندما تتوفر الظروف اللازمة.

حاليا، تمت السيطرة على 63% من حدودنا مع سوريا، و100% مع العراق. ومن خلال هذا الحزام الأمني، تم قطع الممر الإرهابي وتقليل نقل الإرهابيين والهجمات إلى أراضينا إلى الصفر، ومنع الهجرة غير النظامية.

أما في المنطقة المتبقية، فمن الضروري الوفاء بالوعود التي قطعناها في إطار الاتفاقيات التي عقدناها مع الولايات المتحدة وروسيا.

ومثلما أعرب رئيسنا أردوغان، فإن قيام تركيا بعمليات من أجل أمن بلادنا وشعبنا وحدودنا هو حقها الطبيعي بموجب القانون الدولي والدفاع المشروع. ولا ينبغي أن يكون هناك شك في أن القوات المسلحة التركية ستفعل ما يلزم، مثلما فعلت حتى الآن، في المكان والزمان المناسبين.

كما أن مقاومتنا الحاسمة ضد الإرهابيين ستستمر حتى اقتلاعهم من أراضينا القديمة. وسيتم تدمير أي تهديد إرهابي، أو معسكر، أو ملجأ، أو تشكيل أو تجمع بشكل دائم. وأؤكد أنه مهما كان الدعم والحجة أو السبب، فلن نسمح أبدا بإنشاء ممر إرهابي على طول حدودنا الجنوبية.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (يمين) في حوار مع الجزيرة نت (الجزيرة)
  • كيف تفسرون الهجمات التي شنها تنظيم “بي كيه كيه” (PKK) على القواعد العسكرية التركية في العراق وسوريا؟

حتى الآن، قمنا بشن عمليات ناجحة داخل الحدود وخارجها، وألحقنا أضرارا بالغة بالمنظمات الإرهابية، وأوصلنا قدرتها على الحركة إلى نقطة النهاية. ومن خلال عملية “قفل المخلب” التي نفذتها القوات المسلحة التركية، أمّنا حدودنا مع العراق بالكامل وأقفلنا الباب.

وفي عملياتنا الناجحة في العراق وسوريا، تم تحييد العديد من العناصر، بما فيهم قادة بارزون من تنظيم “بي كيه كيه” واتحاد مجتمعات كردستان. وتم تدمير مراكز الأسلحة واللوجيستيات التابعة لهذه التنظيمات، ومُنع الإرهابيون من نقل الأسلحة والذخيرة إلى حدودنا.

لهذا السبب، بدأ “بي كيه كيه” واتحاد مجتمعات كردستان الإرهابية، التي تعرّضت لأضرار جسيمة في الآونة الأخيرة وواجهت صعوبة في توفير أفراد، شنّ هجمات على مناطق العمليات الخاصة بنا، مستفيدة من الظروف القاسية للتضاريس والشتاء.

كما أدى وصولنا إلى منطقة “زاب”، مركز الإرهابيين، إلى زيادة حالة الذعر في التنظيم، وبدأ الإرهابيون المحاصرون تماما المقاومة في محاولة يائسة. ورغم أن هذا التنظيم لا يزال يحاول إظهار أنه أداة مفيدة لداعميه وإثبات وجوده، فإن جهوده عبثية، لأن قبضة جنودنا الفولاذية ستضرب رؤوس الإرهابيين بشكل أقوى في كل مرة.

بعد الهجمات الأخيرة التي شنّها الإرهابيون على مناطقنا العسكرية في شمال العراق، دفنّا الذين حاولوا التسلل إلى مناطقنا في أماكنهم. ونفّذنا ضربات جوية فعالة وشاملة في شمال العراق وسوريا، ودمرنا بنجاح أهدافا عدة تابعة للتنظيمات الإرهابية. سنواصل كفاحنا حتى يتم تحييد آخر إرهابي، دون أن نتراجع أبدا.

  • كيف تنظرون للحرب على غزة؟ وهل يمكن لتركيا أن تؤدي دورا في تحقيق الأمن أو السلام أو وقف إطلاق النار في القطاع؟

تعيش غزة كارثة إنسانية كبيرة. فقد قرابة 25 ألف فلسطيني حياتهم حتى الآن، وأصيب أكثر من 65 ألفا آخرين، إضافة إلى المفقودين تحت الأنقاض، ما يُظهر أمامنا مشهد أكثر فظاعة. ووفق تقديرات الأمم المتحدة، تم تدمير أو الإضرار بأكثر من 69 ألف مبنى وتهجير 90% من سكان غزة.

لقد أوضحت تركيا، وخاصة رئيسنا، موقفنا تجاه غزة منذ اللحظة الأولى، ونعلنُ صراحة في كل فرصة أن المجزرة التي راح ضحيتها آلاف المدنيين الأبرياء، معظمهم من الرضع والأطفال والنساء، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، هي جريمة حرب تصل إلى مستوى الوحشية، بل والأشد إيلاما، أنها جريمة ضد الإنسانية.

نرى أن الدول التي أصدرت بيانات متسرعة ومتحيزة في أولى أيام النزاع تقترب منا يوما بعد يوم. وأصبحت الجمهورية التركية، التي تعد مركزا للسلام والأمن والاستقرار في منطقتها، عنصرا لا غنى عنه على طاولات المفاوضات بفضل اقتراحاتها لحل المشكلات في المناطق الجغرافية والمناطق الحرجة، ومساهماتها البارزة في السلام والاستقرار.

وأطلقنا نداء لوقف إطلاق النار لإنهاء هذه المجازر على الفور، كما بذلنا جهودا دبلوماسية متعددة الأوجه لوقف وحشية إسرائيل.

ومثلما أعرب رئيسنا، فإننا مستعدون للقيام بما تمليه مسؤولياتنا تجاه وقف إطلاق النار في غزة، ومنها موضوع الضمانة، والوصول إلى سلام دائم، وحل الدولتين. كما نواصل بلا انقطاع مساعدة إخواننا في غزة خلال هذه الفترة الصعبة.

وسلمنا حتى الآن حوالي 240 طنا من المساعدات الإنسانية على متن 17 طائرة عسكرية، وحوالي 4500 طن على متن 3 سفن إلى المنطقة. واستقبلنا 762 من إخواننا في غزة معظمهم من المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج الفوري ومرافقيهم.

إن بلادنا تعمل بشكل مكثّف من أجل إخوتنا في غزة الذين يعانون من آلام كبيرة ويتعرّضون للظلم. كما أننا سنواصل القيام بواجبنا في مجال المساعدات الإنسانية، والجهود الدبلوماسية لإيجاد حل دائم.

أؤكد مرة أخرى أنه لن يتم الوصول إلى نتيجة عادلة، ولن يكون السلام الدائم ممكنا في منطقتنا دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وحدود جغرافية كاملة عاصمتها القدس الشرقية.

  • كيف توازن تركيا علاقاتها العسكرية والسياسية في الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟

نواصل جهودنا لإيجاد حل لهذه الأزمة بقيادة رئيسنا، منذ اليوم الأول. لقد أكدنا ونؤكد ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا على جميع المستويات. كما نتمنى أن تنتهي هذه الحرب التي تؤثر على العالم بأسره في أقرب وقت ممكن.

نواصل جهودنا لإعادة تفعيل اتفاقية الحبوب في البحر الأسود التي تم تنفيذها بتنسيق بلدنا، وأسهمت بشكل فعال في التغلب على أزمة الحبوب. كما أن استعادة السلام والاستقرار في البحر الأسود أمر مهم للعالم بأسره، بما في ذلك الدول الساحلية.

تطبق تركيا اتفاقية “مونتير” في مضيق البوسفور والدردنيل التي تحافظ على التوازن في البحر الأسود بعناية ومسؤولية وبشكل غير متحيز، ونلتزم بتطبيقها.

وقّعنا كذلك اتفاقية مجموعة مهام مكافحة الألغام في البحر الأسود المهمة، في إطار “المبادرة الثلاثية” التي أطلقناها مع رومانيا وبلغاريا، لمكافحة خطر الألغام في البحر الأسود. وستسهم بشكل كبير في تعزيز الأمن البحري والأمني في هذا البحر والمنطقة، بما فيها سلامة الملاحة.

تواصل تركيا، بفضل موقفها وسلوكها المتزن والثابت وغير المتحيز ومتعدد الأبعاد، الحفاظ على دورها كجسر للسلام والأمن والاستقرار بين القارات والمناطق، رغم حلقة النار التي تحيط بها.

  • وصل الاكتفاء الذاتي في مجال الصناعات الدفاعية التركية، الذي كان أقل من 20% إلى 80%، كيف أثر هذا على قدرات أنقرة العسكرية؟ وكيف تطورت صادراتها في مجال الدفاع؟ وهل كان هناك مجال لاختبار وتقييم صناعاتكم؟

بقيادة رئيسنا، ارتفعت نسبة التصنيع المحلي في قطاع الصناعات الدفاعية التركية إلى 80%. وأصبحت هذه الصناعة مركزا لإنتاج الأنظمة الحرجة بفضل بنيتها التحتية الإنتاجية ومرافقها القوية وتقنياتها الحديثة.

يتم تصدير منتجاتنا ذات التصميم الفريد إلى العديد من البلدان الآن. وكان دخول 4 شركات دفاعية تركية إلى قائمة أفضل 100 شركة في العالم عام 2023 مصدر فخر لنا أيضا.

هدفنا الدفاعي المستقل بالكامل أن تصبح قواتنا المسلحة أقوى من خلال منتجاتنا الدفاعية المحلية والوطنية التي تم تطويرها، وأن تزداد فعالية وقوة ردع جيشنا في مجال العمليات البرية والبحرية والجوية والرقمية كل يوم.

حققنا نجاحات كبيرة في ساحة العمليات عبر إطلاق مشاريع مهمة وحيوية عديدة في مجال الدفاع الوطني في السنوات الأخيرة. ونهدف إلى مواصلة هذه الديناميكية دون توقف وزيادة الإنتاج المحلي والوطني لدينا إلى أقصى حد ورفع صادراتنا بهذا المجال إلى أعلى المستويات.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (يمين) في لقاء سابق بنظيره القطري غانم بن شاهين الغانم في أنقرة (الأناضول)
  • تركيا لديها اتفاقيات عسكرية مهمة مع ليبيا وقطر والصومال في الشرق الأوسط. هل نشهد اتفاقيات تعاون مثيلة جديدة مع دول المنطقة؟

أصبحت بلادنا، وخاصة في السنوات الأخيرة، دولة منتجة للأمن في منطقتها والعالم بفضل دبلوماسيتها الفعالة وجيشها القوي والموثوق. وثقة الدول الشقيقة والصديقة بنا في هذا الصدد ودعوة بلادنا إليهم تُظهران مكانة تركيا الخاصة في هذا الشأن. كما أن تعاوننا مع هذه الدول والحلفاء، ولا سيما عسكريا ودفاعيا، مستمر بوتيرة متزايدة.

ونقوم الآن بتوقيع اتفاقيات إطارية عسكرية تغطي مجالات مثل التدريب العسكري والتعليم، والتعاون العسكري واللوجيستي، والرعاية الصحية العسكرية، والمساعدة الإنسانية، وعمليات البحث والإنقاذ، وستسمح هذه الاتفاقيات بالتوقيع على أخرى لاحقة.

وبذلك، تتواصل جهودنا لتوقيع اتفاقيات جديدة وتحديث القديمة. وسنواصل عملنا بشكل متعدد الأبعاد وزيادة التعاون في مجالات الدفاع والأمن الإقليمي والدولي والدفاعات الصناعية، بخطوات تسهم في السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي.

  • ما موقف تركيا من العمليات العسكرية المستمرة في البحر الأحمر وما النتائج المتوقعة لهذه العمليات وغيرها على استقرار المنطقة؟

نمر بمرحلة حرجة حيث تحولت التوترات إلى نزاعات وحتى حروب، وبلغت الاختبارات الدولية ذروتها، ويتم إعادة تحديد التوازنات. تحتل تركيا مكانة ممثلة للأمن والسلام والاستقرار في كل منطقة جغرافية توجد فيها، ونتمنى تجنب أي مبادرات من شأنها تعريض السلام والاستقرار في المنطقة للخطر، وإنهاء التوترات الحالية في إطار المنطق والحكمة في أقرب وقت ممكن.

في الختام، تؤمن تركيا بأنه يمكن حل جميع المشاكل من خلال:

  • الالتزام بمبادئ القانون الدولي الأساسية.
  • بناء علاقات أخوية وودية قائمة على الحب والاحترام والتفاهم المتبادل.
  • تعزيز الحوار والتعاون بين جميع الأطراف المعنية.

وتضع تركيا هذه المبادئ أمام عينيها في كل عمل تقوم به، وتسعى إلى تحقيق السلام والاستقرار في جميع أنحاء العالم.

اقرأ المقال من المصدر