غزارة تهديفية وحنكة تكتيكية.. تحليل ذهاب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا

18 هدفا في 4 مباريات، كانت أبرز سمات ذهاب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا، الذي سجل أكبر حصيلة تهديفية في هذه الجولة من البطولة منذ نسخة 2011.

وللمفارقة، أقيم النهائي حينها في ويمبلي أيضا، وحينها فاز به برشلونة الإسباني بنتيجة 3-1 على خصمه مانشستر يونايتد.

ولكن في النسخة الحالية، حصيلة المباريات الأربع كانت تعادلين وانتصارين، والانتصاران كانا بفارق هدف وحيد، مما يعني أن الأمور لم تحسم بعد، وأن جماهير الكرة على موعد مع إثارة ومتعة جديدتين في مرحلة الإياب.

قمة أوفت بوعودها

كانت مباراة ريال مدريد ومانشستر سيتي، صاحبة النصيب الأكبر من الأهداف في المباريات الأربع، حيث سجل الفريقان 6 أهداف في التعادل المثير بينهما 3-3، وتميزت أيضا بالتكافؤ التكتيكي بين المدربين؛ فغوارديولا اعتمد خطة 3-2-4-1 أثناء حيازة فريقه للكرة، الذي يمكنه من التفوق العددي في المنتصف، ومن إيجاد مساحات للتمرير بين الخطوط ثم إلى الأجنحة ليوسع رقعة الملعب على الخصم.

وقرر أنشيلوتي أن يلعب من دون مهاجم صريح أثناء الحيازة، واعتمد على الكرات الطولية نحو فينيسيوس ورودريغو على الناحية اليسرى مستغلاً غياب كايل والكر للإصابة، وفي حال لم تكن الكرة في حيازته، اعتمد الفريق على الضغط العالي رجل لرجل.

وتحول الرسم التكتيكي إلى 4-4-2 واللعب في الثلث الدفاعي الأخير بخطوط أفقية متقاربة، والاعتماد على مراقبة إيرلينغ هالاند بشكل لصيق عن طريق روديغير وتشواميني اللذين استطاعا أن يخرجا الإعصار النرويجي من المباراة وحولاه إلى لاعب حاضر غائب.

وعلى الرغم من تسبب ذلك في فراغ كبير بين الظهيرين وقلبي الدفاع، فقد سمح ذلك لأنشيلوتي بالتحكم في اختراقات لاعبي السيتي من العمق وعدم إعطاء حلول للفريق الإنجليزي سوى من الأطراف عن طريق بيرناردو سيلفا وجاك غريليش.

ونجح أنشيلوتي فيما يريده دفاعيا أغلب فترات الشوط الأول، فلم يسدد السيتي سوى 4 تسديدات في الشوط الأول، 3 منها قبل تسجيل الريال هدف التعادل بالنيران الصديقة في الدقيقة الـ12، قبل أن يعطي غوارديولا تعليمات للاعبيه على الناحية اليمنى باستغلال المساحة بين ميندي وروديغير، مما أدى إلى تسجيل السيتي للتعادل عن طريق فودين، قبل أن يضيف غفارديول الثالث بعدها بـ5 دقائق.

وعلى مستوى الأرقام، لم يختلف الأمر كثيرا، حيث إن عدد التسديدات كان متقاربا (14 تسديدة للميرينغي و12 تسديدة للسيتي)، وكذلك معدل الأهداف المتوقعة لكل فريق، وعلى الرغم من التفوق المعتاد في الاستحواذ للسيتي (61% مقابل 39%)، فلم يصنع الفريقان فرصا خطيرة، إذ بلغ عدد التسديدات من خارج المنطقة من كلا الفريقين 13 تسديدة، وهذا الرقم هو الأكبر في المباريات الأربع.

بايرن يخالف التوقعات

وفي مباراة توقع فيها أغلب متابعي الساحرة المستديرة، فوزا سهلا لأرسنال على بايرن ميونخ، فاجأ الأخير الجميع بالتقدم على “المدفعجية” حتى الدقيقة الـ76، قبل أن يتمكن الفريق اللندني من اقتناص التعادل في الربع ساعة الأخيرة من المباراة.

وكان سيرجي غنابري وهاري كين سجلا هدفين من تسديدتين يتيمتين للبافاري طيلة الشوط الأول بعد تقدم بوكايو ساكا في الدقيقة 12، قبل أن يتعادل لياندرو تروسار لأرسنال في الدقيقة 76 في الشوط الثاني. لكن لم يكن ذلك دون بعض الأخبار السيئة للبافاري؛ مثل غياب ألفونسو ديفيز عن مباراة العودة لتراكم الإنذارات، إضافة إلى زميله سيرجي غنابري بسبب الإصابة.

واعتمد أرسنال على تشكيل 4-3-3 المعتاد، مع تغيير تكتيكي طفيف بإعطاء بن وايت مهام أكثر في الثلث الهجومي، والاعتماد في البناء على الثلاثي غابرييل وساليبا وكيفيور وأمامهم ثنائي الوسط جورجينو وأوديغارد، وذلك من أجل منع ديفيز وغنابري من بناء اللعب وإعطاء حرية أكبر لساكا في التحرك للداخل.

ولم يغير بايرن رسم الـ4-2-3-1 المعتاد بالنسبة إليه أيضا، الذي يتحول إلى 4-4-2 عندما لا تكون الكرة في حيازته، وكُلف موسيالا وكين بمراقبة ثنائي وسط أرسنال في البناء ويتكفل من خلفهم غوريتسكا ولايمر بتغطية العمق والممرات الداخلية، من أجل إحكام إغلاق مسارات التمرير في العمق.

وعلى الرغم من استقبالهم لهدفين في الشوط الأول، فلا يمكن القول إن أرسنال كان سيئا في المجمل، فقد جاء الهدفان من أخطاء فردية؛ إذ حدث خطأ في التمرير من غابرييل في الهدف الأول، ومن ثم خطأ في تغطية المساحة دفاعيا من ديكلان رايس، ولم تكن رقابة كيفيور لساني في الهدف الثاني جيدة، مما تسبب في تفوق ساني عليه وتقدمه بالكرة حتى منطقة الجزاء دون مضايقة من أغلب لاعبي أرسنال.

وما أجاده بايرن حقا كان استغلال المساحات الكبيرة في التحولات الهجومية التي كانت نتيجة ضعف الضغط العكسي للـ”غانرز”، مما تسبب في عدة فرص سانحة للبايرن التي لم تستغل بشكل جيد.

وتحسنت الأمور بالنسبة للفريقين نوعا ما في الشوط الثاني، وتطور ضغط أرسنال العكسي خاصة في الدقائق العشر الأولى، وبعد إشراك زينتشنكو مكان كيفيور، تحكم أرسنال في نسق اللقاء، ولكن قوبل ذلك باستبسال دفاعي مميز من الفريق البافاري، وعلى الرغم من استقبالهم لهدف التعادل عن طريق تروسار، فإن مرمى الفريق الألماني استقبل 4 تسديدات فقط طيلة الشوط الثاني.

مفاجأة البرسا ومناورة تشافي

لم يتوقع أكثر المتفائلين خروج البرسا منتصرا من ملعب “حديقة الأمراء” معقل فريق باريس سان جيرمان. والنتيجة لم تكن فقط المفاجأة السارة الوحيدة لعشاق البرسا، فالأداء كان من الأفضل هذا الموسم للفريق الكتالوني، ورغم أن استحواذ الفريق كان أقل مقارنة بالعادة، فإنه يظل أقرب الفرق الثمانية للتأهل لنصف النهائي.

وبدأ البرسا اللقاء بخطة 4-3-3، مع وجود دي يونغ كمحور ارتكاز في عملية البناء وبجانبه سيرجي روبرتو، وبدا أبناء المدرب تشافي متوترين في البداية، إذ كانوا يحاولون التحكم في نسق المباراة لكنهم فشلوا.

في المقابل، فرض الفريق الباريسي نسقه السريع وأسلوبه على البلوغرانا في أول 20 دقيقة من الشوط الأول باستخدام الرسم التكتيكي ذاته، عن طريق إيصال الكرة لمبابي وديمبلي على الأطراف في مواقف واحد لواحد واستغلال مهاراتهما الفردية في المراوغات.

وعلى الرغم من التهديد المستمر لمرمى البرسا في الثلث ساعة الأولى من الشوط، فلم يتمكن ديمبلي ومبابي من الفوز إلا بعدد قليل جدا من الصراعات الثنائية أمام كانسيلو وكوندي، ومن خلفهما أراوخو وكوبارسي.

واجتاز البرسا الفترة الحرجة سريعا وبدأ يستغل عودة ليفاندوفسكي للخلف لاستلام التمريرات من الخلف أو من الناحية اليمنى التي كان يعول عليها تشافي في شن الهجمات والخروج بالكرة.

وأتاحت تحركات “ليفا” الفرصة لرافينيا باللعب بحرية كمهاجم ثان مع ليفاندوفسكي وترك الجانب الأيسر لكانسيلو، وألا يلتزم بدوره كجناح، ونجحت هذه الخطة في أن يسجل رافينيا هدفه الأول اعتمادا على تلك تحركات ليفاندوفسكي وتمريرات الأمين جمال.

وسيطر “البلوغرانا” على ما تبقى من الشوط الأول، قبل أن يرفع باريس من نسقه ويسجل هدفين متتاليين في أقل من 10 دقائق من خطأين متتابعين، أولهما من أراوخو في تشتيت الكرة في الهدف الأول، والثاني كان من سيرجي روبرتو في الرقابة وتأخر غندوغان في التراجع للمساندة الدفاعية، وكاد باريس يسجل مزيدا من الأهداف بسبب تلك الأخطاء المتكررة من اللاعبين.

وبسبب ذلك، اضطر تشافي إلى محاولة فرض نسقه مرة أخرى، عن طريق إشراك جواو فيليكس وبيدري اللذين ساعدا الفريق في الخروج بسلاسة أكبر، وكان لديهما تأثير كبير على طريقة اللعب؛ إذ صنع بيدري الهدف الثاني لرافينيا وأيضا في الاحتفاظ بالكرة على الأرض أكثر، عوضا عن لعب الكرات المباشرة نحو ليفاندوفسكي والمخاطرة بفقدانها، وأيضا كان إشراك الدانماركي كريستينسن كبديل خيارا صائبا لتشافي لأنه سجل هدف الفوز 3-2.

ونجح تشافي في إيقاف خطورة مبابي بشكل كامل عبر الرقابة اللصيقة من كوندي ومعاونة كوبارسي، فاللاعب كان حاضرا وغائبا وأخفق في تسديد أي كرة بين الخشبات الثلاث، وهذا النجاح الدفاعي الاستثنائي كان السبب الرئيسي في انتصار الفريق الكتالوني.

رعونة لاعبي أتلتيكو

على الرغم من البداية التي أوحت بنتيجة عريضة للأتلتي على حساب دورتموند، فلم تنته المباراة كما كان يأمل دييغو سيميوني، مدرب “الأتلتي”؛ إذ بعد تسجيل هدفين في أول 32 دقيقة عن طريق رودريغو دي بول وصامويل لينو، تفنن الفريق في إهدار الفرص بينها 3 محققة للتسجيل، وهذه الرعونة سمحت لدورتموند بتأجيل الحسم إلى ملعب “سيغنال ايدونا بارك” الثلاثاء المقبل في دورتموند.

وكان بإمكان أتلتيكو إنهاء المباراة والذهاب إلى ألمانيا للعب مباراة تأدية واجب، لكن هذا التراخي سمح للعاجي سيباستيان هالر بتقليص الفارق لصالح “أسود الفستيفال” في الدقيقة الـ81 من عمر اللقاء، وتعاطفت عارضة ملعب “واندا ميتروبوليتانو” مع أصحابها عندما منعت رأسية جوليان براندت من دخول المرمى في الدقيقة الأخيرة من الوقت بدل الضائع والتي توقفت معها قلوب سيميوني واللاعبين والجماهير الحاضرة في الملعب لثوان قبل أن يسمعوا صافرة النهاية من حكم المباراة.

وتمكن سيميوني من فرض أسلوبه القائم على الضغط على حامل الكرة والتحولات الهجومية السريعة، ومن هذا الأسلوب جاء هدفا الفريقين.

ولم يستطع إيدين تيرزيتش برسم التكتيكي 3-2-3-2 الذي اعتمده، واللعب بإيمري تشان كمدافع ثالث، وإيان ماتسين كظهير أيسر داخلي، والحركية المستمرة في خط الهجوم، من اختراق دفاعات أتلتيكو مدريد، والذي واجه دورتموند برسم 3-5-2 المعتاد لـ”لوتشو” هذا الموسم.

ففي الشوط الأول مثلا، سدد لاعبو الفريق الألماني 5 مرات على المرمى الإسباني لكن دون خطورة تذكر عدا تسديدة ماتسين في الدقيقة 43، التي تعامل معها أوبلاك باقتدار، وهذا بعدما غير تيرزيتش تمركزات بعض لاعبيه عما بدأ به اللقاء.



اقرأ المقال من المصدر

التعليقات متوقفه